من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس وأربعمائة
فيها منع الحاكم بمصر النساء من الخروج من بيوتهنّ أبدا، ومن دخول الحمامات، وأبطل صنعة الخفاف لهنّ، وقتل عدة نسوة خالفن أمره، وغرّق جماعة من العجائز.
وفيها توفي أبو الحسن العبقسيّ- نسبة إلى عبد القيس- أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن فراس المكي العطار، مسند الحجاز في وقته، وله ثلاث وتسعون سنة، تفرّد بالسماع عن محمد بن إبراهيم الدّيبلي وغيره.
وفيها- كما قال ابن الجوزي في «شذور العقود» - بدر بن حسنويه الكردي من أمراء الجبل، لقّبه القادر ناصر الدولة. وعقد له لواء، وكان يبرّ العلماء، والزهاد، والأيتام، وكان يتصدق كل جمعة بعشرة آلاف درهم، ويصرف إلى الأساكفة والحذّائين بين همذان وبغداد، ليقيموا للمنقطعين من الحاج الأحذية ثلاثة آلاف دينار، ويصرف إلى أكفان الموتى كل شهر عشرين ألف درهم، واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء، وكان ينقل للحرمين كل سنة مصالح الطريق مائة ألف دينار، ثم يرتفع إلى خزانته بعد المؤن والصدقات عشرون ألف ألف درهم. انتهى.
وفيها بكر بن شاذان أبو القاسم البغدادي الواعظ الزاهد. قرأ على زيد بن أبي بلال الكوفي وجماعة، وحدّث عن ابن قانع وجماعة.
قال الخطيب: كان عبدا صالحا. توفي في شوال.
قال الذهبي: وقرأ عليه جماعة.
وفيها أبو علي بن حمكان، الحسن بن الحسين بن حمكان - بحاء مهملة بعدها ميم مفتوحتان وكاف- الهمذاني الفقيه الشافعي، نزيل بغداد.
روى عن عبد الرحمن بن حمدان الجلّاب، وجعفر الخلدي وطبقتهما، وعني بالحديث والفقه.
قال ابن قاضي شهبة: روي عنه أنه قال: كتبت بالبصرة عن أربعمائة وسبعين شيخا، وروى عنه أبو القاسم الأزهري، وكان يضعّفه ويقول: ليس بشيء في الحديث.
قال ابن كثير: له كتاب في مناقب الشافعي، ذكر فيه مذاهب كثيرة، وأشياء تفرد بها، وكنت قد كتبت منه شيئا في ترجمة الإمام، فلما قرأتها على شيخنا [الحافظ] أبي الحجّاج المزّي، أمرني أن أضرب على أكثرها لضعف ابن حمكان. انتهى.
وفيها أبو الحسن المجبّر، أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصّلت البغدادي روى عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، وأبي بكر بن الأنباري، وجماعة كثيرة. ضعّفه البرقاني وغيره، وتوفي في رجب وله إحدى وتسعون سنة.
وفيها أبو محمد بن الأكفاني، قاضي القضاة، عبد الله بن محمد الأسدي البغدادي. حدّث عن المحاملي، وابن عقدة، وخلق.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري: من قال إن أحدا أنفق على أهل العلم مثله فقد كذب، أنفق على أهل العلم مائة ألف دينار.
وقال الذهبي: ولي قضاء العراق سنة ست وتسعين، وعاش تسعا وثمانين سنة.
وفيها الإدريسي الحافظ، أبو سعد عبد الرّحمن بن محمد بن محمد الاستراباذي، نزيل سمرقند ومحدّثها ومؤرخها. سمع الأصمّ فمن بعده، وألّف الأبواب والشيوخ.
وقال ابن ناصر الدّين: هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله [بن إدريس] بن الحسن بن متّويه أبو سعد الأستراباذي، محدّث سمرقند، ومصنّف تاريخها وتاريخ بلده، كان حافظا، متقنا، راسخا، مؤلّف. انتهى.
وفيها أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن اللّيث أبو علي الشيرازي الكشي المقرئ الفقيه الشافعي. كان حافظا ناقدا. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو نصر بن نباتة التميمي السعدي عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجّاج بن مطر بن خالد بن
عمرو بن رباح بن سعد. كان شاعرا مجيدا جمع بين حسن السبك وجودة المعنى، وكان يعاب بكبر فيه، طاف البلاد ومدح الملوك، والوزراء، والرؤساء، وله في سيف الدولة غرر القصائد ونخب المدائح، وكان قد أعطاه فرسا أدهم أغر محجّلا، فكتب إليه:
يا أيّها الملك الذي أخلاقهمن خلقه ورواؤه من رائه
قد جاء بالطرف الذي أهديتههاديه يعقد أرضه بسمائه
أولاية أوليتها فبعثتهرمحا سبيب العرف عقد لوائه
نحتل منه على أغرّ محجّلماء الدّجنة قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينهفاقتصّ منه فخاض في أحشائه
متمهلا والبرق في أسمائهمتبرقعا والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرّهالو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافهإلّا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطّرف المحاسن كلهاحتّى يكون الطّرف من أسرائه
وله فيه أيضا من قصيدة:
قد جدت لي باللها حتّى ضجرت بهاوكدت من ضجري أثني على البخل
إن كنت ترغب في أخذ النّوال لنافاخلق لنا رغبة أو لا فلا تنل
لم يبق جودك لي شيئا أؤمّلهتركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
ومعظم شعره جيد، وله «ديوان» كبير، وجرى له مع ابن العميد أشياء تقدّم ذكر شيء منها في ترجمته وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس، ثالث
شوال، ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد.
وقال أبو الحسن محمد بن نصر البغدادي: عدت ابن نباتة في اليوم الذي توفي فيه، فأنشدني:
متّع لحاظك من خلّ تودّعهفما إخالك بعد اليوم بالوادي
وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي.
وقال أبو علي محمد بن وشاح: سمعت ابن نباتة يقول: كنت يوما قائلا في دهليزي، فدقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من أهل المشرق، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيرهتنوّعت الأسباب والدّاء واحد
فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، فمضى، فلما كان آخر النهار دقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من أهل تاهرت من المغرب، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل:
ومن لم يمت بالسيف
فقلت: نعم، [فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم]، وعجبت كيف وصل شعري إلى الشرق والغرب.
وفيها أبو عبد الله الحاكم، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن البيّع الضّبّي الطّهماني النيسابوري الحافظ الكبير.
ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، واعتنى به أبوه، فسمّعه في صغره، ثم [سمع] هو بنفسه، وكتب عن نحو ألفي شيخ، وحدّث عن الأصمّ، وعثمان بن السّمّاك وطبقتهما، وقرأ القراءات على جماعة، وبرع في معرفة الحديث وفنونه، وصنّف التصانيف الكثيرة، وانتهت إليه رئاسة الفن بخراسان لا بل الدّنيا، وكان فيه تشيّع وحطّ على معاوية، وهو ثقة حجّة. قاله في «العبر».
وقال ابن ناصر الدّين: له مصنفات كثيرة، منها «المستدرك على الصحيحين» وهو صدوق من الإثبات، لكن فيه تشيّع، ويصحح واهيات. انتهى.
وقال ابن قاضي شهبة: طلب العلم في صغره، وأول سماعه سنة ثلاثين، ورحل في طلب الحديث، وسمع على شيوخ يزيدون على ألفيّ شيخ، وتفقه على ابن أبي هريرة، وأبي سهل الصّعلوكي، وغيرهم. أخذ عنه الحافظ أبو بكر البيهقي فأكثر عنه، وبكتبه تفقّه وتخرّج، ومن بحره استمدّ، وعلى منواله مشى، وبلغت تصانيفه [قريبا من خمسمائة جزء، وقيل: ألف جزء، وقيل:] ألف وخمسمائة جزء.
قال الخطيب البغدادي: كان ثقة. وكان يميل إلى التّشيّع.
قال الذهبي: هو معظّم للشيخين بيقين، ولذي النّورين، وإنما تكلم في معاوية فأوذي. قال: وفي «المستدرك» وجملة وافرة على شرطهما،
وجملة وافرة على شرط أحدهما، لكن مجموع ذلك نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صحّ سنده، وفيه بعض الشيء معلل، وما بقي- وهو الربع- مناكير وواهيات لا تصحّ. وفي ذلك بعض موضوعات، قد أعلمت عليها لما اختصرته. توفي فجاءة بعد خروجه من الحمام في صفر. وقد أطنب عبد الغافر في مدحه، وذكر فضائله وفوائده ومحاسنه إلى أن قال: مضى إلى رحمة الله ولم يخلّف بعده مثله، وقد ترجمه الحافظ أبو موسى المديني في مصنّف مفرد. انتهى كلام ابن شهبة ملخصا.
وقال ابن خلّكان: والبيّع: بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها، وبعدها عين مهملة، وإنما عرف بالحاكم لتقلده القضاء. انتهى.
وفيها ابن كجّ القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج- بفتح الكاف وتشديد الجيم، وهو في اللغة اسم للجص الذي يبيّض به الحيطان- الكجّي، نسبة إلى جدّه هذا- الدّينوري صاحب الإمام أبي الحسين بن القطّان، وحضر مجلس الدّاركي، ومجلس القاضي أبي حامد المروزي.
انتهت إليه الرئاسة ببلده في المذهب، ورحل الناس إليه رغبة في علمه وجوده، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب.
وحكى السمعاني: أن الشيخ أبا علي السّنجي [لما] انصرف من
عند الشيخ أبي حامد واجتاز به، فرأى علمه وفضله، فقال له: يا أستاذ، الاسم لأبي حامد، والعلم لك، فقال: ذاك رفعته بغداد، وحطّتني الدّينور.
قتله العيارون ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب الشافعي، وكان أيضا محتشما جوادا ممدّحا، وهو صاحب وجه، ومن تصانيفه «التجريد». قال في «المهمات»: وهو مطول، وقد وقف عليه الرافعي.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع