تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وتسعين وثلاثمائة

فيها كما قال ابن الجوزي في «المنتظم» أخذ بنو زغب الهلاليون لركب البصرة ما قيمته ألف ألف دينار.

وفيها توفي أحمد بن أبي عمران، أبو الفضل الهروي، الزاهد القدوة، نزيل مكّة. روى عن محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، وخيثمة الأطرابلسي، وطائفة، وصحب محمد بن داود الرّقّي، وروى عنه خلق كثير.

وفيها أبو العبّاس البصير، أحمد بن محمد بن الحسين الرّازي، الحافظ البارع الثقة. روى عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، واستملى عليه، وسمع بنيسابور من أبي حامد بن بلال وطائفة، وكان من أركان الحديث، وقد ولد أعمى.

وفيها النّامي، الشاعر البليغ، أبو العبّاس، أحمد بن محمد الدّارمي المصيصي، كان من الشعراء المفلقين، ومن فحول شعراء عصره، وخوّاص مدّاح سيف الدولة ابن حمدان، وكان عنده، وكان تلو أبي الطيب المتنبي في الرتبة، وكان فاضلا، أديبا، مقدّما في اللغة، عارفا بالأدب، وله أمال أملاها

بحلب، وروى عن أبي الحسين علي بن سليمان الأخفش، وابن درستويه، وأبي عبد الله الكرماني، وأبي بكر الصّولي. وعنه: أبو القاسم الحسين بن علي بن أبي أسامة الحلبي، وأخوه أبو الحسين أحمد، وأبو الفرج الببّغاء [وأبو الخطّاب بن عون الحريري، وأبو بكر الخالدي]، والقاضي أبو طاهر، وصالح بن جعفر الهاشمي.

ومن محاسن شعره قوله فيه من جملة قصيدة:

أمير العلى إنّ العوالي كواسبعلاءك في الدّنيا وفي جنّة الخلد
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
يمرّ عليك الحول سيفك في الطّلىوطرفك ما بين الشكيمة واللّبد
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
ويمضي عليك الدّهر فعلك للعلىوقولك للتقوى وكفك للرّفد
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

ومن شعره أيضا:

أحقّا إنّ قاتلتي زرودوأن عهودها تلك العهود
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
وقفت وقد فقدت الصبر حتّىتبيّن موقفي أني الفقيد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وقفت وقد فقدت الصبر حتى»
وشكّت في عذّالي فقالوالرسم الدّار أيّكما العميد
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد.

وحكى أبو الخطّاب بن عون الحريري النحوي الشاعر، أنه دخل على أبي العبّاس النّامي، قال: فوجدته جالسا ورأسه كالثّغامة بياضا، وفيه شعرة واحدة سوداء، فقلت له: يا سيدي في رأسك شعرة سوداء، فقال: نعم هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها، ولي فيها شعر، فقلت: أنشدنيه فأنشد:

رأيت في الرأس شعرة بقيتسوداء تهوى العيون رؤيتها
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
فقلت للبيض إذ تروّعهابالله إلّا رحمت غربتها
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
فقلّ لبث السوداء في وطنتكون فيه البيضاء ضرّتها
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

ثم قال: يا أبا الخطاب، بيضاء واحدة تروّح ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء.

وفيها أبو الرّقعمق- بفتح الراء والقاف، وسكون العين المهملة، وفتح الميم، وبعدها قاف، لقب له- الشاعر المفلق صاحب المجون والنوادر، أبو حامد، أحمد بن محمد الأنطاكي.

قال فيه الثعالبي في «اليتيمة»: هو نادرة الزمان، وجملة الإنسان، وممّن تصرف بالشعر [الجزل] في أنواع الهزل والجد، وأحرز قصب السبق، وهو أحد الشعراء المجيدين، وهو في الشام كابن حجّاج بالعراق، فمن غرر محاسنه قوله يمدح ابن كلّس وزير العزيز العبيدي، صاحب مصر:

قد سمعنا مقاله واعتذارهوأقلنا ذنوبه وعثاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
والمعاني لمن عنيت ولكنبك عرّضت فاسمعي يا جاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
من تراديه أنه أبد الدّهر تراه محلّلا أزراره
عالم أنه عذاب من اللّهـ متاح لأعين النظّاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
هتك الله ستره فلكم هتك من ذي تستّر أستاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
سحرتني ألحاظه وكذا كك مليح ألحاظه سحّاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
ما على مؤثر التباعد والإعراض لو آثر الرّضى والزّياره
وعلى أنني وإن كان قد عذّب بالهجر مؤثر إيثاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
لم أزل لا عدمته من حبيبأشتهي قربه وآبى نفاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة

ومن مديحها:

لم يدع للعزيز في سائر الأرض عدوا إلّا وأخمد ناره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
كلّ يوم له على نوب الدّهر وكرّ الخطوب بالبذل غاره
ذويد شأنها الفرار من البخل وفي حومة النّدى كرّاره
هي فلّت عن العزيز عداهبالعطايا وكثّرت أنصاره
للشاعر أبو الرقعمق، اقرأ القصيدة
هكذا كلّ فاضل يده تمسي وتضحي نفّاعة ضرّاره

وأكثر شعره جيد، وهو على أسلوب شعر صريع الدّلاء القصّار البصري.

وأقام بمصر زمانا طويلا، وأكثر شعره في ملوكها ورؤسائها، وتوفي يوم الجمعة، ثاني عشري شهر رمضان، وقيل: في شهر ربيع الآخر بمصر، على قول.

وفيها خلف بن أحمد بن محمد بن اللّيث البخاري، صاحب بخارى، وابن صاحبها، كان عالما جليلا، مفضّلا على العلماء، عاش بضعا وسبعين سنة، وروى عن عبد الله بن محمد الفاكهي وطبقته، مات شهيدا في الحبس ببلاد الهند.

وفيها أبو مسلم الكاتب، محمد بن أحمد بن علي البغدادي بمصر في ذي القعدة، كان آخر من روى عن البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود.

روى كتاب «السبعة» لابن مجاهد عنه، وسمع بالجزيرة، والشام، والقيروان، وكان سماعه صحيحا من البغوي في جزء واحد وما عداه مفسود.

وقال في «المغني»: هو آخر أصحاب البغوي، ضعّف.

قال الصوري: بعض أصوله عن البغوي وغيره جياد.

وقال أبو الحسن المحدّث العطار: ما رأيت في أصول أبي مسلم عن البغوي صحيحا، غير خبر واحد، وما عداه مفسود. انتهى.

وفيها ابن أبي زمنين، الإمام أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي الأندلسي الإلبيري، نزيل قرطبة وشيخها ومفتيها، وصاحب التصانيف الكثيرة في الفقه، والحديث، والزهد. سمع من سعيد بن فحلون، ومحمد بن معاوية القرشي، وطائفة، وكان راسخا في العلم، متفننا في الآداب، مقتفيا لآثار السلف، صاحب عبادة وإنابة وتقوى، عاش خمسا وسبعين سنة، وتوفي في ربيع الآخر، ومن كتبه «اختصار المدونة» ليس لأحد مثله.

وفيها أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصّدفي- بضم الصاد المهملة- المنجم صاحب «الزيج» المصري الحاتمي المشهور، وزيجه يعرف بزيج ابن يونس، وهو زيج كبير في أربع مجلدات، بسط فيه القول والعمل، عمله للعزيز العبيدي صاحب مصر، وكان أبله مغفلا، رثّ الهيئة، إذا ركب ضحك منه الناس لطوله وسوء حالته وله إصابة بديعة في النجامة لا يشاركه فيها أحد، وأفنى عمره في النجوم، والتسيير، والتوليد، وله شعر رائق.

قال الأمير المختار في كتابه «تاريخ مصر»: بلغني أنه طلع إلى جبل المقطم وقد وقف للزهرة، فنزع ثوبه وعمامته، ولبس ثوبا أحمر ومقنعة حمراء

تقنع بها، وأخرج عودا فضرب به، والبخور بين يديه، فكان عجبا من العجب.

وقال المختار أيضا: كان ابن يونس المذكور مغفلا، يعتمّ على طرطور طويل، ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلا، وإذا ركب ضحك الناس منه لشهرته وسوء حاله ورثاثة ثيابه، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة، لا يشاركه فيها أحد، وكان أحد الشهود، وكان متفننا في علوم كثيرة، وكان يضرب بالعود على جهة التأدب به، وله شعر حسن منه قوله:

أحمّل نشر الريح عند هبوبهرسالة مشتاق لوجه حبيبه
بنفسي من تحيا النفوس بقربهومن طابت الدّنيا به وبطيبه
وجدّد وجدي طارق منه في الكرىسرى موهنا في خفية من رقيبه
لعمري لقد عطلت كأسي لبعدهوغيّبتها عني لطول مغيبه

قال الحاكم العبيدي صاحب مصر- وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس وتغفله-: دخل إلى عندي يوما ومداسه في يده، فقبّل الأرض وجلس، وترك المداس إلى جانبه وأنا أراه وأراها، وهو بالقرب منّي، فلما أراد أن ينصرف قبّل الأرض وقدّم المداس ولبسه وانصرف، وإنما ذكر هذا في معرض غفلته وبلهه.

قال المسبحي: وكانت وفاته يوم الاثنين ثالث شوال فجأة، وخلّف ولدا متخلعا باع كتبه وجميع تصنيفاته بالأرطال في الصابونيين.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.