تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة

فيها توفي أحمد بن عبد الله بن حميد بن زريق البغدادي، أبو الحسن، نزيل مصر. كان من الثقات الأثبات. روى عن المحاملي، ومحمد بن مخلد، وجماعة، وكان صاحب حديث. رحل إلى دمشق والرّقّة.

وفيها أحمد بن يوسف الخشّاب، أبو بكر الثّقفي، المؤذّن بأصبهان.

روى عن الحسن بن دكّة وجماعة كثيرة.

وفيها جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الفرات، أبو الفضل، ابن حنزابه البغدادي، وزير الدّيار المصرية، وابن وزير المقتدر أبي الفتح. حدّث عن محمد بن هارون الحضرمي، والحسن بن محمد الداركي، وخلق، وكان صاحب حديث. ولد سنة ثمان وثلاثمائة، ومات في ربيع الأول.

قال الحافظ السّلفي: كان ابن حنزابة من الحفّاظ الثقات، يملي في حال وزارته، ولا يختار على العلم وأهله شيئا.

وكذا قال ابن ناصر الدّين.

وقال غيرهما: كان له عبادة، وتهجد، وصدقات عظيمة إلى الغاية،

توفي بمصر، ونقل فدفن في دار اشتراها من الأشراف بالمدينة من أقرب شيء إلى قبر رسول الله ﷺ.

وذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» وأورد من شعره:

من أخمل النّفس أحياها وروّحهاولم يبت طاويا منها على ضجر
إنّ الرّياح إذا اشتدّت عواصفهافليس ترمي سوى العالي من الشّجر

وقال: كان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة دارا بالقرب من المسجد ليس بينها وبين الضريح النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام سوى جدار واحد، وأوصى أن يدفن بها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاء بما أحسن إليهم، فحجّوا به وطافوا، ووقفوا بعرفة، ثم ردّوه إلى المدينة ودفنوه بالدّار المذكورة. انتهى كلام ابن عساكر.

ويقال: إن بعضهم أنشد:

سرى نعشه فوق الرّقاب وطالماسرى جوده فوق السّحاب ونائله
يمرّ على الوادي فتثنى رمالهعليه وبالنّادي فتبكي أرامله

رحمه الله تعالى.

وحنزابه: بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح الزاي، وبعد الألف موحدة، ثم هاء ساكنة، هي أم أبيه الفضل بن جعفر، والحنزابه في اللغة: المرأة القصيرة الغليظة.

وفيها ابن حجّاج الأديب، أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن الحجّاج البغدادي الشّيعي المحتسب، الشاعر المشهور، ذو المجون، والخلاعة والسخف في شعره. كان فرد زمانه في فنه، فإنه لم يسبق إلى تلك الطريقة مع عذوبة ألفاظه، وسلامة شعره من التكلف، ويقال:

إنه في الشعر في درجة امرئ القيس، وأنه لم يكن بينهما مثلهما، لأن كل واحد منهما مخترع طريقة.

وله ديوان كبير، يبلغ عشر مجلدات، الغالب عليه الهزل، والمجون، والهجو والرفث.

وكان شيعيا غاليا. انتهى.

ومن جيد شعره وجدّه:

يا صاحبيّ استيقظا من رقدةتزري على عقل اللّبيب الأكيس
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يا صاحبي استيقظا من رقدة»
هذي المجرة والنّجوم كأنهانهر تدفق في حديقة نرجس
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يا صاحبي استيقظا من رقدة»
وأرى الصّبا قد غلّست بنسيمهافعلام شرب الراح غير مغلّس
قوما اسقياني قهوة روميّةمن عهد قيصر دنّها لم يمسس
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يا صاحبي استيقظا من رقدة»
صرفا تضيف إذا تسلّط حكمهاموت العقول إلى حياة الأنفس
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يا صاحبي استيقظا من رقدة»

ومن شعره أيضا:

قال قوم لزمت حضرة أحمدوتجنّبت سائر الرّؤساء
قلت ما قاله الذي أحرز المعنى قديما قبلي من الشعراء
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قال قوم لزمت حضرة حمد»
يسقط الطير حيث يلتقط الحبّويغشى منازل الكرماء

وهذا البيت الثالث لبشار بن برد.

وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشري جمادى الآخرة بالنّيل وحمل إلى بغداد ودفن عند مشهد موسى بن جعفر ﵁، وكان أوصى أن يدفن عند رجليه، و [أن] يكتب على قبره: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ورآه بعد موته بعض أصحابه في المنام، فسأله عن حاله فأنشد:

أفسد سوء مذهبيفي الشعر حسن مذهبي
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أفسد سوء مذهبي»
لم يرض مولاي علىسبّي لأصحاب النّبي
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أفسد سوء مذهبي»

ورثاه الشريف الرضي بقصيدة من جملتها:

نعوه على حسن ظني بهفلله ماذا نعى النّاعيان
رضيع ولاء له شعبةمن القلب مثل رضيع اللّبان
وما كنت أحسب أنّ الزمانيفلّ مضارب ذاك اللّسان
بكيتك للشّرّد السّائرات تعبق ألفاظها بالمعاني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»
ليبك الزمان طويلا عليكفقد كنت خفّة روح الزّمان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»

والنّيل التي مات بها على وزن نهر مصر، بلدة على الفرات، بين بغداد والكوفة، خرج منها جماعة من العلماء، والأصل فيه نهر حفره الحجّاج بن يوسف في هذا المكان، آخذ من الفرات، وسمّاه باسم نيل مصر، وعليه قرى كثيرة.

وفيها أبو الحسن الجزري، عبد العزيز بن أحمد الفقيه، إمام أهل الظاهر في عصره. أخذ عن القاضي بشر بن الحسين، وقدم من شيراز في صحبة الملك عضد الدولة، فاشتغل عليه فقهاء بغداد.

قال أبو عبد الله الصّيمري: ما رأيت فقيها أنظر منه، ومن أبي حامد الإسفراييني الشافعي.

وفيها أبو القاسم عيسى بن الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح البغدادي، الكاتب المنشئ. ولد سنة اثنتين وثلاثمائة، وتوفي في أول ربيع الأول.

قال ابن أبي الفوارس: كان يرمى بشيء من مذهب الفلاسفة.

وقال في «العبر»: روى عن البغوي وطبقته، وله أمال سمعنا منها.

انتهى.

وفيها حسام الدّولة، مقلّد بن المسيّب بن رافع العقيلي، صاحب الموصل، تملّكها بعد أخيه أبي الذّوّاد، فكانت مدة الأخوين إحدى عشرة سنة، وقد بعث القادر إلى مقلّد خلع السلطنة، واستخدم هو نحو ثلاثة آلاف من التّرك والدّيلم، ودانت له عرب خفاجة، وله شعر حسن، وهو رافضيّ،

قتله غلام له في مجلس أنس، ودفن على الفرات بمكان يقال له: شقبا بين الأنبار وهيت.

وحكي أن قاتله سمعه وهو يقول لرجل ودّعه يريد الحجّ: إذا جئت ضريح رسول الله ﷺ، فقف عنده وقل له عني: لولا صاحباك لزرتك، ولما مات رثاه جماعة من الشعراء منهم الشريف الرضي.

وكان ولده معتمد الدولة أبو المنيع قرواش غائبا عنه، ثم تقلد الأمر من بعده، وكان له بلاد الموصل، والكوفة، والمدائن، وشقي الفرات، وخطب في بلاده للحاكم العبيدي، ثم رجع عن ذلك، فوصلت الغزّ إلى الموصل ونهبوا دار قرواش، وأخذوا منها ما يزيد على مائتي ألف دينار، فاستنجد بنور الدولة أبي الأغر دبيس بن صدقة، فأنجده واجتمعوا على محاربة الغزّ، فنصرا عليهم وقتلوا منهم الكثير، ومدحه أبو علي بن الشبل البغدادي الشاعر المشهور بقصيدة ذكر فيها هذه الواقعة منها قوله:

نزّهت أرضك عن قبور جسومهمفغدت قبورهم بطون الأنسر
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة
من بعد ما وطئوا البلاد وظفروامن هذه الدّنيا بكل مظفر
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة
فطووا رياح السّدّ عن يأجوجهولقوا ببابك سطوة الإسكندر

وكان قرواش المذكور يلقب مجد الدّين، وهو ابن أخت الأمير أبي الهيجاء، صاحب إربل، وكان أديبا شاعرا ظريفا، وله أشعار سائرة، فمن ذلك ما أورده أبو الحسن الباخرزي في كتابه «دمية القصر»:

لله درّ النائبات فإنهاصدأ اللّئام وصيقل الأحرار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»
ما كنت إلّا زبرة فطبعتنيسيفا وأطلق صرفهنّ غراري
للشاعر قرواش بن مقلد العقيلي، اقرأ القصيدة

وأورد له أيضا:

من كان يحمد أو يذمّ مورّثاللمال من آبائه وجدوده
للشاعر قرواش بن مقلد العقيلي، اقرأ القصيدة
فأنا امرؤ لله أشكر وحدهشكرا كثيرا جالبا لمزيده
لي أشقر مثل العنان مغاوريعطيك ما يرضيك من مجهوده
ومهند عضب إذا جرّدتهخلت البروق تموج في تجريده
للشاعر قرواش بن مقلد العقيلي، اقرأ القصيدة
ومثقف لدن السّنان كأنماأمّ المنايا ركّبت في عوده
وبذا حويت المال إلّا أننيسلّطت جود يدي على تبديده
للشاعر قرواش بن مقلد العقيلي، اقرأ القصيدة

ما أحسن هذا الشعر وأمتنه.

وكان قرواش كريما نهّابا وهّابا، جاريا على سنن العرب.

قيل: إنه جمع بين أختين في النكاح، فلامته العرب على ذلك، فقال: خبروني ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة؟

وكان يقول: ما في رقبتي غير خمسة من أهل البادية، قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم.

ودامت إمرته خمسين سنة، فوقع بينه وبين ابن أخيه بركة بن المقلد

وكانا خارج البلد- فقبض بركة عليه في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وحبسه في الخارجية إحدى قلاع الموصل، وتولى مكانه، ولقب بزعيم الدولة، وأقام في الإمارة سنتين، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة في ذي الحجة، فقام مقامه ابن أخيه أبو المعالي قريش بن أبي الفضل بدران بن المقلد، فأول ما فعل [أنه] قتل عمه قرواش المذكور في حبسه في مستهل رجب، سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن بتلّ توبة شرقي الموصل.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.