تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وثمانين وثلاثمائة

فيها توفي أبو بكر بن المهندس، أحمد بن محمد بن إسماعيل محدّث ديار مصر. كان ثقة تقيا، روى عن البغوي، ومحمد بن محمد الباهلي، وطبقتهما.

وفيها أبو القاسم، الصاحب بن عبّاد إسماعيل بن عبّاد بن العبّاس بن عبّاد بن أحمد بن إدريس الطالقاني، وزير مؤيد الدولة أبي منصور بن بويه، وفخر الدولة، وصحب أبا الفضل الوزير ابن العميد، وأخذ عنه الأدب، والشعر، والترسل، وبصحبته لقب بالصاحب، وكان من رجال الدهر، حزما، وعزما، وسؤددا، ونبلا، وسخاء، وحشمة، وإفضالا وعدلا.

قال الثعالبي في «اليتيمة» في حقه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بالغايات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه.

ثم شرع في وصف بعض محاسنه وطرف من أحواله.

وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه: الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرّستمي في حقه:

ورث الوزارة كابرا عن كابرموصولة الإسناد بالإسناد
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
يروي عن العبّاس عبّاد وزارته وإسماعيل عن عبّاد
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

وأنشده أبو القاسم الزعفراني يوما أبياتا نونية من جملتها:

أيا من عطاياه تهدي الغنىإلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرينكسا لم نخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون فيصنوف من الخزّ إلا أنا

فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني، أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة، وفرس، وبغل، وحمار، وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبة، وقميص، وعمامة، ودرّاعة، وسراويل، ومنديل، ومطرف، ورداء، وكساء، وجورب، وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخزّ لأعطيناكه.

واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح، وكان حسن الأجوبة.

كتب إليه بعضهم رقعة أغار فيها على رسائله، وسرق جملة من ألفاظه، فوقّع فيها: هذه بضاعتنا ردت إلينا.

وصنّف في اللغة كتابا سمّاه «المحيط» في سبع مجلدات، وكتاب

«الكافي» في الرسائل، وكتاب «الأعياد وفضائل النيروز» وكتاب «الإمامة» يذكر فيه فضائل عليّ ﵁، ويثبت إمامته على من تقدمه، لأنه كان شيعيا، وله غير ذلك، وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله:

وشادن جمالهتقصر عنه صفتي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وشادن جماله»
أهوى لتقبيل يديفقلت قبّل شفتي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وشادن جماله»

وله في رقة الخمر:

رقّ الزجاج وراقت الخمرفتشابها وتشاكل الأمر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج وراقت الخمر»
فكأنما خمر ولا قدحوكأنما قدح ولا خمر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج ورقت الخمر»

وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي، أن نوح بن منصور، أحد ملوك بني سامان، كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوّض إليه وزارته وتدبير مملكته، وكان من جملة أعذاره إليه، أنه يحتاج في نقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظن بما يليق بها من التجمل؟! وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، سنة ست وعشرين وثلاثمائة بإصطخر، وقيل: بالطّالقان، وتوفي ليلة الجمعة رابع عشري صفر بالرّيّ، ثم نقل إلى أصبهان.

ومن أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصّاحب، فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الرّيّ، واجتمع الناس على باب القصر ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة وسائر القواد وقد غيّروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب، صاح الناس بأجمعهم صيحة

واحدة وقبّلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس، وقعد للعزاء أياما.

ورثاه أبو سعيد الرّستمي بقوله:

أبعد ابن عبّاد يهشّ إلى السرىأخو أمل أو يستماح جواد
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
أبى الله إلّا أن يموتا بموتهفما لهما حتّى المعاد معاد
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

قال ابن الأهدل: ومن كلامه في وصف الأئمة الثلاثة المتعاصرين، أصحاب أبي الحسن الأشعري: الباقلاني نار محرق، وابن فورك صل مطرق، والإسفراييني بحر مغرق.

قال ابن عساكر: كأن روح القدس نفث في روعه بحقيقة حالهم.

انتهى.

وفيها أبو الحسن الأذني- بفتحتين، نسبة إلى أذنة بلد بساحل الشام عند طرسوس- القاضي علي بن الحسين بن بندار المحدّث، نزيل مصر. روى الكثير عن ابن فيل، وأبي عروبة، ومحمد بن الفيض الدمشقي، وعلي الغضائري، وتوفي في شهر ربيع الأول.

وفيها الدّارقطني- بفتح الراء وضم القاف، وسكون الطاء، نسبة إلى دار القطن، محلة ببغداد- وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي، الإمام الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، إليه النهاية في معرفة الحديث وعلومه، وكان يدعى فيه أمير المؤمنين.

وقال في «العبر»: الحافظ المشهور، صاحب التصانيف، توفي في ذي القعدة، وله ثمانون سنة. روى عن البغوي وطبقته.

ذكره الحاكم فقال: صار أوحد عصره في الحفظ، والفهم، والورع، إماما في القراءات، والنحو، صادفته فوق ما وصف لي، وله مصنفات يطول ذكرها.

وقال الخطيب: كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته. انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال [وأحوال الرواة]، مع الصدق [والأمانة، والفقه، والعدالة، وقبول الشهادة] وصحة الاعتقاد [وسلامة المذهب]، والاضطلاع من علوم سوى علم الحديث، منها القراءات، وقد صنّف فيها مصنفا، ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: إنه كان يحفظ دواوين جماعة.

وقال أبو ذر الهروي: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال:

هو لم ير مثل نفسه فكيف أنا؟! وقال البرقاني: كان الدارقطني يملي عليّ العلل من حفظه.

وقال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث. انتهى كلام «العبر».

وقال ابن قاضي شهبة: قال الحاكم: صار أوحد أهل عصره في الحفظ، والفهم، والورع، وإماما في النحو، والقراءة، وأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله، توفي ببغداد ودفن قريبا من معروف الكرخي.

قال ابن ماكولا: رأيت في المنام كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذاك يدعى في الجنة بالإمام. انتهى ملخصا.

وفيها أبو حفص بن شاهين، عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي، الواعظ المفسّر الحافظ، صاحب التصانيف وأحد أوعية العلم، توفي بعد الدارقطني [بشهر، وكان أكبر من الدارقطني] بتسع سنين. سمع من الباغندي، ومحمد بن المجدّر، والكبار، ورحل إلى الشام، والبصرة، وفارس.

قال أبو الحسين بن المهتدي بالله: قال لنا ابن شاهين: صنّفت ثلاثمائة وثلاثين مصنفا، منها «التفسير الكبير» ألف جزء، و «المسند» ألف وثلاثمائة جزء، و «التاريخ» مائة وخمسون جزءا.

قال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنّف ما لم يصنفه أحد.

وقال محمد بن عمر الداودي: كان ثقة بحّاثا، وكان لا يعرف الفقه، ويقول: أنا محمديّ المذهب. انتهى.

وممّن أخذ عنه الماليني، والبرقاني، وخلق كثير.

وقال السيوطي في كتابه «مشتهى العقول ومنتهى النقول»: منتهى التفاسير لابن شاهين ألف مجلد، والمسند له ألف وخمسمائة مجلد، ومداد تصانيفه انتهى إلى ثمانية وعشرين قنطارا.

قال ابن الجوزي: قلت: هذا من طي الزمان. انتهى كلام السيوطي.

وفيها أبو بكر الكسائي، محمد بن إبراهيم النيسابوري، الأديب الذي روى «صحيح مسلم» عن إبراهيم بن سفيان الفقيه، توفي ليلة عيد

النحر، ضعفه الحاكم لتسميعه الكتاب بقوله: من غير أصل.

وقال في «المغني»: غمزه الحاكم، روى «الصحيح» من غير أصل.

انتهى.

وفيها أبو الحسن بن سكّرة، محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي البغدادي، الشاعر المشهور، العبّاسي المفلق، ولا سيّما في المجون والمزاح، وكان هو وابن حجّاج يشبّهان في وقتهما بجرير والفرزدق، ويقال:

إن «ديوان ابن سكّرة» يزيد على خمسين ألف بيت.

قال الثعالبي في ترجمته: هو شاعر متسع الباع، في أنواع الإبداع، فائق في قول الظرف والملح، على الفحول والأفراد، جار في ميدان المجون والسخف ما أراد، وكان يقال: إن زمانا جاد بمثل ابن سكّرة، وابن حجّاج لسخيّ جدا.

ومن بديع تشبيهه ما قاله في غلام في يده غصن مزهر:

غصن بان بدا وفي اليد منهغصن فيه لؤلؤ منظوم
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
فتحيّرت بين غصنين في ذاقمر طالع وفي ذا نجوم
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

وله في غلام أعرج:

قالوا بليت بأعرج فأجبتهمالعيب يحدث في غصون البان
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
إني أحب حديثه وأريدهللنوم لا للجري في الميدان

وله أيضا:

أنا والله هالكآيس من سلامتي
أو أرى القامة التيقد أقامت قيامتي
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

وله:

قيل ما أعددت للبرد فقد جاء بشدّه
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
قلت دراعة عريتحتها جبة رعده
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

وله البيتان اللذان ذكرهما الحريري في مقاماته وهما:

جاء الشتاء وعندي من حوائجهسبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
كنّ وكيسّ وكانون وكاس طلابعد الكباب وكس ناعم وكسا
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

ومحاسن شعره كثيرة، وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الآخر.

وفيها الفقيه العلّامة الورع الزاهد الخاشع البكّاء المتواضع أبو بكر الأودني- بالضم وفتح المهملة والنون، نسبة إلى أودنة، قرية من قرى بخارى- شيخ الشافعية ببخارى وما وراء النهر، أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن بصير، كان علّامة زاهدا، ورعا خاشعا، ومن غرائب وجوهه في المذهب، أن الربا حرام في كل شيء، فلا يجوز بيع شيء بجنسه. روى عن الهيثم بن كليب الشّاشي، وطائفة، ومات في شهر ربيع الآخر، وقد دخل في سن الشيخوخة، ومن تلامذته المستغفري.

قال ابن قاضي شهبة: قال الحاكم: كان من أزهد الفقهاء، وأورعهم، وأعبدهم، وأبكاهم على تقصيره، وأشدهم تواضعا وإنابة.

وقال الإمام في «النهاية»: وكان من دأبه أن يضنّ بالفقه على من لا

يستحقه، وإن ظهر بسببه أثر الانقطاع عليه في المناظرة، توفي ببخارى.

انتهى ملخصا.

وفيها أبو الفتح القوّاس، يوسف بن عمر بن مسرور البغدادي الزاهد، المجاب الدعوة في ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة، روى عن البغوي وطبقته.

قال البرقاني: كان من الأبدال.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.