من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسعين وثلاثمائة
فيها توفيت أمة السّلام بنت القاضي أحمد بن كامل بن شجرة البغدادية. كانت ديّنة فاضلة. روت عن محمد بن إسماعيل البصلاني، وغيره.
وفيها ابن فارس اللغوي، أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرّازي اللغوي، كان إماما في علوم شتى، خصوصا اللغة، فإنه أتقنها، وألّف كتابه «المجمل في اللغة» وهو على اختصاره، جمع شيئا كثيرا، وله كتاب «حلية الفقهاء» وله رسائل أنيقة. ومنه اقتبس الحريري صاحب «المقامات» ذلك الأسلوب، ووضع المسائل الفقهية في «المقامة الطيبية» وهي مائة مسألة، وكان مقيما بهمذان، وعليه اشتغل بديع الزمان
الهمذاني صاحب «المقامات» وله أشعار جيدة، فمنها قوله:
مرّت بنا هيفاء مجدولةتركيّة تنمى لتركيّ
ترنو بطرف فاتر فاتنأضعف من حجّة نحويّ
وله أيضا:
اسمع مقالة ناصحجمع النصيحة والمقه
إيّاك واحذر أن تبيت من الثقات على ثقه
وله أيضا:
إذا كنت في حاجة مرسلاوأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصهوذاك الحكيم هو الدّرهم
وله أيضا:
سقى همذان الغيث لست بقائلسوى ذا، وفي الأحشاء نار تضرّم
وما لي لا أصفي الدعاء لبلدةأفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أننيمدين وما في جوف بيتي درهم
وله أشعار كثيرة حسنة.
توفي بالرّيّ، ودفن مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني.
ومن شعره أيضا:
وقالوا كيف حالك؟ قلت خيرتقضى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصّدّر قلناعسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرّتي وأنيس نفسيدفاتر لي ومعشوقي السّراج
وفيها جيش بن محمد بن صمصامة القائد أبو الفتح الكتّانيّ. ولي إمرة دمشق ثلاث مرات لصاحب مصر، وكان جبّارا، ظلوما، غشوما، سفاكا للدماء، وكثر ابتهال أهل دمشق إلى الله في هلاكه، حتّى هلك بالجذام في هذه السنة.
وفيها أبو حفص الكتّاني، عمر بن إبراهيم البغدادي المقرئ، صاحب ابن مجاهد. قرأ عليه، وسمع منه كتابه في القراءات وحدّث عن البغوي وطائفة، توفي في رجب، وله تسعون سنة، وكان ثقة.
وفيها ابن أخي ميمي الدقاق، أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين البغدادي. روى عن البغوي وجماعة، وله أجزاء مشهورة، وتوفي في رجب.
وفيها أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلوي الحسيني الزّيدي الكوفي، رئيس العلوية بالعراق. ولد سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وروى عن هنّاد بن السري، الصغير، وغيره، صادره عضد الدولة وحبسه وأخذ أمواله، ثم أخرجه شرف الدولة لما تملّك، وعظم شأنه في دولته، فيقال: إنه كان من أكثر علويّ مالا، وقد أخذ منه عضد الدولة [لما صودر] ألف ألف دينار.
وفيها أبو زرعة الكشّي، محمد بن يوسف الجرجاني- وكشّ قرية قريبة من جرجان- سمع من أبي نعيم بن عدي، وأبي العبّاس الدّغولي، وطبقتهما، بنيسابور، وبغداد، وهمذان، والحجاز، وجمع وصنّف الأبواب والمشايخ، وجاور بمكة سنوات، وبها توفي.
وفيها المعافى بن زكريا القاضي أبو الفرج النهرواني الجريري، نسبة إلى مذهب ابن جرير الطبري، لأنه تفقه عليه، ويعرف أيضا بابن طرارا.
سمع من البغوي وطبقته فأكثر، وجمع فأوعى، وبرع في عدة علوم.
قال الخطيب: كان من أعلم الناس في وقته بالفقه، والنحو، واللغة، وأصناف الآداب، وولي القضاء بباب الطاق.
وبلغنا عن الفقيه أبي محمد البافي أنه كان يقول: إذا حضر القاضي أبو الفرج، فقد حضرت العلوم كلها. ولو أوصى رجل بشيء أن يدفع إلى أعلم الناس، لوجب أن يدفع إليه.
وقال البرقاني: كان المعافى أعلم الناس.
وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا علّامة، ذا فنون، من الثقات، ومن مصنفاته «التفسير الكبير» وكتاب «الجليس والأنيس» انتهى.
ومن شعره:
ألا قل لمن كان لي حاسداأتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في ملكهبأنّك لم ترض لي ما وهب
فجازاك عني بأن زادنيوسدّ عليك وجوه الطلب
وتوفي بالنهروان في ذي الحجة، وله خمس وثمانون سنة، وكان قانعا متعففا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع