تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربعمائة

فيها أقبل الحاكم- قاتله الله- على التألّه والدّين، وأمر بإنشاء دار العلم بمصر، وأحضر فيها الفقهاء والمحدّثين، وعمر الجامع الحاكمي بالقاهرة، وكثر الدعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم أخذ يقتل أهل العلم، وأغلق تلك الدار، ومنع من فعل كثير من الخير.

وفيها توفي ابن خرّشيذ قوله، أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن خرّشيذ قوله الأصبهاني التاجر، في المحرم، وله ثلاث وتسعون سنة. دخل بغداد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وسمع من ابن زياد النيسابوري، وابن عقدة، والمحاملي، وكان أسند من بقي بأصبهان، رحمه الله تعالى.

وفيها أبو مسعود الدمشقي، إبراهيم بن محمد بن عبيد الحافظ، مؤلّف «أطراف الصحيحين». روى عن عبد الله بن محمد بن السقّا، وأبي بكر بن المقرئ، وطبقتهما، وكان عارفا بهذا الشأن ومات كهلا فلم ينشر حديثه، توفي في رجب.

وفيها الفقيه الزاهد، السيد الجليل، الصالح الورع، جعفر بن عبد

الرحيم اليمني، من نواحي الجند، سأله واليها الإقامة عندهم، فقال:

بشرطين، أحدهما الإعفاء عن الحكم، والثاني أن لا يأكل من طعام الوالي شيئا، فاتفق يوما أنه حضر عقدا عند الوالي، فقال الوالي: هذا الموز أهداه لي فلان، وذكر رجلا من أهل الحلّ، فأكل جعفر الثنتين ثم تقيأهما في الدهليز.

ولما تولاها الصليحي سأله تولية القضاء، فقال: لا أصلح لها، فغضب وخرج من عنده، فأمر جنده أن يلحقوه ويقتلوه، فضربوه بسيوفهم، فلم تقطع شيئا مع تكرير الضرب، فأعلموا الصليحي، فأمرهم بالكتمان.

وسئل الفقيه عن حاله حين الضرب، فقال: كنت أقرأ يس فلم أشعر بذلك. قاله ابن الأهدل.

وفيها ابن ميمون الطّليطلي- بالضم والفتح والسكون وكسر الطاء الثانية، ولام نسبة إلى طليطلة، مدينة بالأندلس- أحمد بن محمد بن محمد بن عبيدة الأموي، أبو جعفر بن ميمون، كان أحد الحفّاظ المتقنين، والعلماء المتقين، والفقهاء الورعين المتزهدين. قاله ابن ناصر الدّين.

وفيها أبو محمد القصّار، عبد الوهاب بن أبي محمد، عبد الرحيم بن هبة الله القصّار، كان حافظا متقنا.

وفيها أبو نعيم الإسفراييني عبد الملك بن الحسن، راوي «المسند الصحيح» عن خال أبيه أبي عوانة الحافظ، وكان صالحا ثقة. ولد في ربيع الأول، سنة عشر وثلاثمائة، واعتنى به أبو عوانة وأسمعه كتابه، وعمّر فازدحم عليه الطلبة وأحضروه إلى نيسابور.

وفيها وقيل في التي بعدها- أبو الفتح البستي الشاعر المفلق،

علي بن محمد الكاتب شاعر وقته وأديب ناحيته صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس البديع التأسيس، فمن ألفاظه البديعة قوله: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. من أطاع غضبه أضاع أدبه. عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدّك وقوفك عند حدّك. الرشوة رشاء الحاجات. أجمل الناس من كان للإخوان مذلّا [وعلى السلطان مدلّا]. الفهم شعاع العقل. المنيّة تضحك الأمنية. حدّ العفاف الرضا بالكفاف.

ومن نادر شعره:

إن هز أقلامه يوما ليعملهاأنساك كلّ كميّ هز عامله
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن سل أقلامه يوما ليعملها»
وإن أقرّ على رق أناملهأقر بالرّق كتّاب الأنام له
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن سل أقلامه يوما ليعملها»

وله:

إذا تحدثت في قوم لتؤنسهمبما تحدّث من ماض ومن آت
فلا تعيدنّ حديثا إنّ طبعهمموكل بمعاداة المعادات

وله:

تحمّل أخاك على ما بهفما في استقامته مطمع
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «تحمل أخاك على ما به»
وأنّى له خلق واحدوفيه طبائعه الأربع

وله حين تغيّر عليه السلطان:

قل للأمير أدام ربي عزّهوأناله من فضله مكنونه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «قل للأمير أدام ربي عزه»
إني جنيت ولم تزل أهل النّهىيهبون للخدام ما يجنونه
ولقد جمعت من الذنوب فنونهافاجمع من العفو الكريم فنونه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «قل للأمير أدام ربي عزه»
من كان يرجو عفو من هو فوقهعن ذنبه فليعف عمّن دونه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «قل للأمير أدام ربي عزه»

وله أيضا:

إذا أحسست في فهمي فتوراوحفظي والبلاغة والبيان
فلا ترتب بفهمي إن رقصيعلى مقدار إيقاع الزمان
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إذا أبصرت في لفظي فتورا»

وبالجملة فمحاسنه كثيرة وشعره في غاية اللطافة، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.