تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة

فيها كانت فتنة هائلة ببغداد، قصد رجل شيخ الشّيعة ابن المعلّم، وهو الشيخ المفيد، وأسمعه ما يكره، فثار تلامذته، وقاموا واستنفروا الرافضة، وأتوا دار قاضي القضاة أبي محمد بن الأكفاني، والشيخ أبي حامد بن الإسفراييني، فسبّوهما، وحميت الفتنة.

ثم إنّ السّنّة أخذوا مصحفا، قيل: إنه على قراءة ابن مسعود، فيه خلاف كثير، فأمر الشيخ أبو حامد والفقهاء بتحريقه، فأحضر بمحضر منهم، فقام ليلة النصف رافضي، وشتم من أحرق المصحف، فأخذ وقتل، فثارت الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين السّنّة، واختفى أبو حامد، واستظهرت الروافض، وصاحوا: الحاكم يا منصور، فغضب القادر بالله، وبعث خيلا لمعاونة السّنّة، فانهزمت الرافضة، وأحرقت بعض دورهم، وذلوا، وأمر عميد الجيوش بإخراج ابن المعلّم من بغداد، فأخرج، وحبس جماعة، ومنع القصّاص مدّة.

وفيها زلزلت الدّينور، فهلك تحت الردم أكثر من عشرة آلاف،

وزلزلت سيراف والسّيب، وغرق عدة مراكب، ووقع برد عظيم وزن أكبر ما وجد منه فكانت مائة وستة دراهم.

وفيها هدم الحاكم العبيديّ كنيسة القيامة بالقدس لكونهم يبالغون في إظهار شعارهم، ثم هدم الكنائس التي في مملكته، ونادى: من أسلم، وإلّا فليخرج من مملكتي أو يلتزم بما آمر به، ثم أمر بتعليق صلبان كبار على صدورهم، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة كيد المكمدة، وزنها ستة أرطال في عنق اليهودي، إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه، فقيل: كانت الخشبة على تمثال رأس عجل، وبقي هذا سنوات، ثم رخص لهم الردّة لكونهم مكرهين، وقال: ننزّه مساجدنا عمّن لا نيّة له في الإسلام. قاله في «العبر».

وفيها توفي البديع الهمذاني، أبو الفضل، أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، الحافظ المعروف ببديع الزمان، صاحب «المقامات» المشهورة والرسائل الرائقة. كان فصيحا مفوّها وشاعرا مفلقا. روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس صاحب «المجمل» وعن غيره.

ومن رسائله: الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه، وإذا سكن متنه تحرّك

نتنه، وكذلك الضيف يسمج لقاؤه إذا طال ثواؤه، ويثقل ظلّه إذا انتهى محلّه، والسلام.

ومن رسائله: حضرته التي هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجّاج، ومشعر الكرم لا مشعر الحرم، ومنى الضّيف، لا منى الخيف، وقبلة الصّلات لا قبلة الصّلاة.

ومن شعره من جملة قصيدة طويلة:

وكاد يحكيك صوت الغيث منسكبالو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا
والدّهر لو لم يخن والشّمس لو نطقتواللّيث لو لم يصد والبحر لو عذبا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «علي أن لا أريح العيش والقتبا»

وله كل معنى حسن من نظم ونثر، وكانت وفاته بمدينة هراة مسموما.

وقال الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن دوست، جامع «رسائل البديع»:

توفي البديع، رحمه الله تعالى، يوم الجمعة، حادي عشر جمادى الآخرة.

قال الحاكم المذكور: وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة وعجّل دفنه، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وأنه نبش عنه، فوجدوه قد قبض على لحيته، ومات من هول القبر. انتهى.

والحريري به اقتدى في «مقاماته» وإيّاه عنى بإنشاده:

ولو قبل مبكاها بكيت صبابةبسعدي شفيت النّفس قبل التّندم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «ولما تلاقينا وجدت بنانها»
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكابكاها فقلت الفضل للمتقدم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «ولما تلاقينا وجدت بنانها»

وفيها ابن لال، الإمام أبو بكر، أحمد بن علي بن أحمد الهمذاني.

قال شيرويه: كان ثقة أوحد زمانه، مفتي همذان، له مصنّفات في علوم الحديث، غير أنه كان مشهورا بالفقه، له كتاب «السنن» و «معجم الصحابة» وعاش تسعين سنة، والدعاء عند قبره مستجاب. قاله في «العبر».

وقال الإسنويّ: ابن لال- بلامين بينهما ألف، معناه أخرس- أخذ عن أبي إسحاق المروزي، وابن أبي هريرة، وكان ورعا متعبدا. أخذ عنه فقهاء همذان، ونقل عنه الرافعي قولا أن الإخوة للأبوين ساقطون في مسألة المشركة. ولد سنة سبع وثلاثمائة. انتهى ملخصا.

وفيها أبو نصر الكلاباذي- نسبة إلى كلاباذ، محلة ببخارى- الحافظ المشهور، أحمد بن محمد بن الحسين، أخذ عن الهيثم بن كليب الشّاشي، وعبد المؤمن بن خلف النّسفي وطبقتهما، وعنه: المستغفري، وقال: هو أحفظ من بما وراء النهر اليوم، ووثقه الدّارقطني، وصنّف رجال «صحيح البخاري» وغيره، وعاش خمسا وسبعين سنة.

وفيها القاضي الضبّي، أبو عبد الله، الحسين بن هارون البغدادي، ولي قضاء مدينة المنصور، وقضاء الكوفة، وأملى الكثير على المحاملي، وابن عقدة، وطبقتهما.

قال الدارقطني: وهو غاية في الفضل، والدّين، عالم بالأقضية، عالم بصناعة المحاضر والتّرسّل، موفق في أحواله كلّها، ﵀.

وفيها البافي- بالموحدة والفاء، نسبة إلى باف، قرية من قرى خوارزم- أبو محمد، عبد الله بن محمد البخاري الخوارزمي، نزيل بغداد، الفقيه الشافعي العلّامة، تفقه على أبي علي بن أبي هريرة، وأبي إسحاق المروزي، وهو من أصحاب الوجوه.

قال ابن قاضي شهبة: كان ماهرا في العربية، وتفقه به جماعة، منهم:

أبو الطيب، والماوردي.

قال الخطيب: كان من أفقه أهل وقته في المذهب، بليغ العبارة، يعمل الخطب، ويكتب الكتب الطويلة من غير روية.

وقال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيها، أديبا، شاعرا، مترسلا، كريما، درّس ببغداد بعد الدّاركي، وتوفي في المحرم. انتهى ملخصا.

وفيها الببّغاء، الشاعر المشهور، أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي النّصيبيني، مدح سيف الدولة والكبار، ولقبوه بالببّغاء لفصاحته، وقيل: للثغة في لسانه.

ذكره الثعالبي في «يتيمة الدهر» وقال: هو من أهل نصيبين، وبالغ في الثناء عليه وذكر جملة من رسائله ونظمه.

ومن شعره:

يا سادتي هذه روحي تودّعكمإذ كان لا الصّبر يسليها ولا الجزع
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «يا سادتي هذه روحي تودعكم»
قد كنت أطمع في روح الحياة لهاوالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
للشاعر الببغاء، من قصيدة «يا سادتي هذه نفسي تودعكم»
لا عذّب الله روحي بالبقاء فماأظنّها بعدكم بالعيش تنتفع
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «يا سادتي هذه روحي تودعكم»

وله أيضا:

ومهفهف لما اكتست وجناتهخلع الملاحة طرّزت بعذاره
للشاعر الببغاء، من قصيدة «ومهفهف لما اكتست وجناته»
لما انتصرت عي أليم جفائهبالقلب كان القلب من أنصاره
كملت محاسن وجهه فكأنما اقتبس الهلال النور من أنواره
للشاعر الببغاء، من قصيدة «ومهفهف لما اكتست وجناته»
وإذا ألحّ القلب في هجرانهقال الهوى لا بدّ منه فداره
للشاعر الببغاء، من قصيدة «ومهفهف لما اكتست وجناته»

وله وهو معنى بديع:

وكأنما نقشت حوافر خيلهللناظرين أهلّة في الجلمد
للشاعر الببغاء، من قصيدة «سقت العهاد خليط ذاك المعهد»
وكأن طرف الشّمس مطروف وقدجعل الغبار له مكان الإثمد
للشاعر الببغاء، من قصيدة «سقت العهاد خليط ذاك المعهد»

وأكثر شعر الببّغاء جيد، ومقاصده فيه جميلة، وكان قد خدم سيف الدولة ابن حمدان مدة، وبعد وفاته تنقل في البلاد، وتوفي يوم السبت سلخ شعبان.

وقال الخطيب في «تاريخه»: توفي ليلة السبت سابع عشري شعبان.

وقال الثعالبي: سمعت الأمير أبا الفضل الميكالي يقول عند صدوره من الحج وحصوله ببغداد سنة تسعين وثلاثمائة: رأيت بها أبا الفرج الببّغاء شيخا عالي السن، متطاول الأمد، قد أخذت الأيام من جسمه وقوته، ولم تأخذ من ظرفه وأدبه. انتهى.

والببّغاء: بفتح الباء الأولى، وتشديد الثانية، وفتح الغين المعجمة، وبعدها ألف.

ووجد بخط أبي الفتح بن جنّي النحوي: الففغاء، بفاءين، والله أعلم.

وفيها أبو القاسم بن الصيدلاني، نسبة إلى بيع الأدوية والعقاقير، عبد الله بن أحمد بن علي. روى مجلسين عن ابن صاعد، وهو آخر الثقات من أصحابه، وروى عن جماعة، وتوفي في رجب ببغداد.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.