من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة
فيها أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربيّ، فطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم ضرب عنقه، ﵀ ولا رحم قاتله، ولا أستاذه الحاكم. قاله في «تاريخ الخلفاء» ومات فيها- كما قال ابن الأهدل-[ابن] وكيع الشاعر المتقدم في زمانه على أقرانه ومن شعره:
لقد قنعت همّتي بالخمولفصدّت عن الرّتب العاليه
وما جهلت طعم طيب العلاولكنها تؤثر العافيه
ونظم أبو الفتح القضاعي المدرّس بتربة الشافعي بالقرافة في هذا المعنى فقال:
بقدر الصعود يكون الهبوطفإياك والرّتب العاليه
وكن بمكان إذا ما سقطتتقوم ورجلاك في عافية
لكن المتنبي أخذ بعلو همّته في نقض ما قالوا فقال:
إذا غامرت في شرف مرومفلا تقنع بما دون النّجوم
فطعم الموت في أمر حقيركطعم الموت في أمر عظيم
انتهى.
وفيها أبو جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان الأبهري- أبهر أصبهان- سمع جزء لوين، من محمد بن إبراهيم الحزوّري، سنة خمس وثلاثمائة، وكان أديبا فاضلا.
وفيها أبو إسحاق الطّبري، إبراهيم بن أحمد المقرئ الفقيه المالكي المعدّل، أحد الرؤساء والعلماء ببغداد. قرأ القرآن على ابن بويان، وأبي عيسى بكّار، وطبقتهما، وحدّث عن إسماعيل الصفّار وطبقته، وكانت داره مجمع أهل القرآن والحديث، وإفضاله زائد على أهل العلم، وكان ثقة.
وفيها الجوهري، صاحب «الصحاح» أبو نصر إسماعيل بن حمّاد التركي اللّغوي، أحد أئمة اللسان، وكان في جودة الخط في طبقة ابن مقلة، ومهلهل. أكثر الترحال، ثم سكن بنيسابور.
قال القفطي: إنه مات متردّيا من سطح جامع نيسابور في هذا العام.
قال: وقيل: مات في حدود الأربعمائة، وقيل: إنه تسودن، وعمل له
شبه جناحين، وقال: أريد أن أطير، [وطفر] فأهلك نفسه، ﵀. قاله في «العبر».
وقال السيوطي في «طبقات النحاة»: قال ياقوت: كان من أعاجيب الزّمان، ذكاء وفطنة وعلما، وأصله من فاراب من بلاد التّرك، وكان إماما في اللّغة والأدب، وكان يؤثر السّفر على الحضر، ويطوف الآفاق. دخل العراق فقرأ العربيّة على أبي عليّ الفارسي، و [أبي سعيد] السّيرافي، وسافر إلى الحجاز، وشافه باللّغة العرب العاربة، وطاف بلاد ربيعة، ومضر، ثم عاد إلى خراسان، ثم أقام بنيسابور ملازما للتدريس، والتّأليف [وتعليم الخطّ] وكتابة المصاحف والدفاتر، حتّى مضى لسبيله على آثار جميلة، وصنّف كتابا في العروض، و «مقدمة» في النحو، و «الصحاح» في اللغة، مع تصحيف فيه في مواضع عدة تتبّعها عليه المحقّقون، قيل: إن سببه أنه لما صنّفه سمع عليه إلى باب الضاد المعجمة، وعرض عليه وسوسة، فانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد سطحه وقال: أيّها الناس، إني عملت في الدّنيا شيئا لم أسبق إليه، فسأعمل للآخرة أمرا لم أسبق إليه، وضم إلى جنبيه مصراعي باب، وتأبّطهما بحبل، وصعد مكانا عاليا، وزعم أنه يطير، فوقع فمات، وبقي سائر الكتاب مسوّدة غير منقّح ولا مبيّض، فبيّضه تلميذه إبراهيم بن صالح الورّاق فغلط فيه في مواضع. انتهى كلام السيوطي ملخصا.
وفيها الطائع لله، أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله، الفضل بن
المقتدر جعفر، بن المعتضد أحمد [بن] الموفق العبّاسي، دخل عليه بهاء الدولة، وكان حنق عليه لسبب، فقبّل الأرض، ووقف ثم أومأ إلى جماعة من أصحابه كان واطأهم على فعل ما سنذكره، فجذبوا الطائع لله من سريره، ولفّوه في كساء، وأخرجوه من الباب المعروف بباب بدر، وحملوه إلى دار المملكة ملفوفا على قفا فراش، ثم أشهد عليه بخلع نفسه، وسملت عيناه، وقطع قطعة من إحدى أذنيه، وكان بهاء الدولة قبض عليه في يوم السبت، تاسع عشر شعبان، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وفي ليلة الأحد ثالث رجب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، سلّم الطائع لله إلى القادر بالله، فأنزله حجرة من حجر خاصته، ووكّل به من يحفظه من ثقات خدمه، وأحسن ضيافته ومراعاة أموره، غير أنه تقدم بجذع أنفه، فقطع يسير من مارن أنفه مع ما كان قطع أولا من أذنه. وتوفي الطائع لله يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان، وكانت دولته أربعا وعشرين سنة، وكان مربوعا أبيض، أشقر، مجدور الوجه، كبير الأنف، أبخر الفم، شديد القوى، في خلقه حدّة، واستمر مكرما محترما في دار عند القادر بالله، إلى أن مات، وله ثلاث وسبعون سنة، وصلى عليه القادر بالله، وشيّعه الأكابر، ورثاه الشريف الرضي.
وفيها المنصور الحاجب، أبو عامر، محمد بن عبد الله بن أبي عامر القحطاني المعافري- بالفتح وكسر الفاء وراء، نسبة إلى المعافر، بطن من قحطان- الأندلسي، مدبّر دولة المؤيد بالله، هشام بن المستنصر بالله، الحكم بن عبد الرّحمن الأموي، لأن المؤيد بايعوه بعد أبيه، وله تسع سنين، وبقي صورة، وأبو عامر هو الكلّ، وكان حازما، بطلا، شجاعا، غزّاء،
عادلا، سايسا، افتتح فتوحا كثيرة، وأثر آثارا حميدة، وكان لا يمكّن المؤيد من الركوب، ولا من الاجتماع بأحد إلّا بجواريه.
وفيها المخلّص، أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العبّاس البغدادي الذّهبي، مسند وقته. سمع أبا القاسم البغوي وطبقته، وكان ثقة، توفي في رمضان، وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل الأندلسي الحافظ، وهو إمام مقرئ، مصنف، ناقد.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته»:
ثم فتى دباغ بن قاسمشاع صلاح جمعه فلازم
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع