من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبع وثلاثين وأربعمائة
فيها وقيل في التي قبلها، وبه جزم ابن ناصر الدّين، توفي أبو حامد أحمد بن محمد بن أحيد بن عبد الله بن ماما الأصبهاني، كان حافظا بصيرا بالآثار، وله ذيل على تاريخ بخارى لغنجار.
وفيها أبو نصر المنازي أحمد بن يوسف السليكي الكاتب، كان من أعيان الفضلاء، وأماثل الشعراء، وزر لأبي نصر أحمد بن مروان الكردي صاحب ميّافارقين، وديار بكر، أرسله إلى القسطنطينية مرارا، وجمع كتبا كثيرة، ثم وقفها على جامع ميّافارقين، وجامع آمد، وهي موجودة بخزائن الجامعين، ومعروفة بكتب المنازي، وكان قد اجتمع بأبي العلاء المعري بمعرة النّعمان، فشكا أبو العلاء إليه حاله، وأنه منقطع عن الناس. وهم يؤذونه، فقال: ما لهم ولك وقد تركت لهم الدّنيا والآخرة؟ فقال أبو العلاء:
والآخرة أيضا، والآخرة أيضا، وجعل يكررها ويتألم لذلك، وأطرق فلم يكلمه إلى أن قام، وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا، فأعجبه حسنة وما هو عليه، فعمل فيه هذه الأبيات:
وقانا لفحة الرّمضاء وادوقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحه فحنا عليناحنّو المرضعات على الفطيم
يصدّ الشمس أنّى واجهتنافيحجبها ويأذن للنّسيم
يروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النّظيم
ذكر أنه عرض هذا القصيد في جماعة من الشعراء على أبي العلاء المعري، فقال له: أنت أشعر من بالشام، ثم بعد خمس عشرة سنة عرض عليه مع جماعة من الشعراء قوله:
لقد عرض الحمام لنا بسجعإذا أصغى له ركب تلاحى
شجى قلب الخلي فقيل غنّىوبرّح بالشجيّ فقيل ناحا
وكم للشوق في أحشاء صبّإذا اندملت أجدّ لها جراحا
ضعيف الصّبر عنك وإن تقاوىوسكران الفؤاد وإن تصاحا
كذاك بنو الهوى سكرى صحاةكأحداق المها مرضى صحاحا
فقال له أبو العلاء: ومن العراق، عطفا على قوله السابق: أنت أشعر من بالشام.
ومن شعره أيضا:
ولي غلام طال في دقّةكخطّ إقليدس لا عرض له
وقد تناهى عقله خفّةفصار كالنقطة لا جزء له
والمنازي: بفتح الميم والنون، نسبة إلى منازجرد، بزيادة جيم مكسورة، وهي مدينة عند خرت برت، وهي غير منازكرد القلعة التي من أعمال خلاط.
وفيها أبو محمد القيسي مكي بن أبي طالب حمّوش بن محمد بن مختار القيسيّ المقرئ، أصله من القيروان، وانتقل إلى الأندلس، وسكن قرطبة، وهو من أهل التبحّر في العلوم، خصوصا القرآن، كثير التصنيف والتصانيف، عاش اثنتين وثمانين سنة، ورحل غير مرة، وحجّ وجاور، وتوسع في الرواية، وبعد صيته، وقصده الناس من النواحي لعلمه ودينه، وولي خطابة قرطبة لأبي الحزم جهور، وكان مشهورا بالصلاح وإجابة الدعوة، حسن الفهم والخلق، جيد الدّين والعقل، وحجّ أربع حجج متوالية، ثم رجع من مكّة إلى مصر، ثم إلى القيروان، ثم ارتحل إلى الأندلس، ثم صنّف التصانيف الكثيرة، ومنها: «الهداية إلى بلوغ النهاية» في معاني القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه، وهو سبعون جزءا، وكتاب «التبصرة في القراءات» في خمسة أجزاء، وهو من أشهر تآليفه، وكتاب «المأثور عن مالك في أحكام القرآن وتفسيره» عشرة أجزاء وكتاب «مشكل المعاني والتفسير» خمسة عشر جزءا، ومصنفاته تفوت العدّ كثرة، ومن نظمه قوله من قصيدة:
عليك بإقلال الزّيارة إنهاإذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أنّ الغيث يسأم دائماويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع