من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وثلاثين وأربعمائة
فيها دخل السلطان أبو كاليجار بغداد، وضربت له الطبول في أوقات الصلوات الخمس، ولم تضرب لأحد قبله إلّا ثلاث مرات.
وفيها توفي تمّام بن غالب، أبو غالب بن التّيّاني القرطبي، لغوي الأندلس، بمرسية، له مصنّف بديع في اللغة، وكان علّامة ثقة في نقله، ولقد أرسل إليه صاحب مرسية الأمير أبو الجيش مجاهد، ألف دينار، على أن يزيد في خطبة هذا الكتاب، أنه ألّفه لأجله، فامتنع تورعا، وقال: ما صنفته إلّا مطلقا.
وفيها أبو عبد الله الصّيمري- بفتح الصاد المهملة والميم وسكون الياء وراء آخره، نسبة إلى صيمر، نهر بالبصرة عليه عدة قرى- الحسين بن علي الفقيه، أحد الأئمة الحنفية ببغداد. روى عن أبي الفضل الزّهري وطبقته، وولي قضاء ربيع الكرخ، وكان ثقة صاحب حديث، مات في شوال، وله خمس وثمانون سنة.
وفيها الشريف المرتضى، نقيب الطالبيين، وشيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق، أبو طالب علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الحسيني
الموسوي، وله إحدى وثمانون سنة، وكان إماما في التشيّع، والكلام، والشعر، والبلاغة، كثير التصانيف متبحرا في فنون العلم. أخذ عن الشيخ المفيد، وروى الحديث عن سهل الدّيباجي الكذّاب، وولي النقابة بعده ابن أخيه عدنان بن الشريف الرّضي.
قال ابن خلّكان: كان إماما في علم الكلام والشعر والأدب، وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أصول الدّين، وله ديوان شعر، إذا وصف الطيف أجاد فيه، وقد استعمله في كثير من المواضع. وقد اختلف الناس في كتاب «نهج البلاغة» المجموع من كلام علي بن أبي طالب ﵁، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرّضي، وقد قيل: إنه ليس من كلام عليّ، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم. وله الكتاب الذي سمّاه «الدّرر والغرر» وهو في مجالس أملاها تشتمل على فنون في معاني الأدب، تكلّم فيها على النحو، واللغة، وغير ذلك، وهو كتاب ممتع، يدل على فضل كثير، وتوسّع في الاطّلاع على العلوم.
وذكره ابن بسام في آخر كتاب «الذخيرة» فقال: كان [هذا] الشريف إمام أئمة العراق، على الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وحمى سالكها وآنسها ممّن سارت أخباره، وعرفت به أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدّين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد له أنّه فرع تلك الأصول، ومن [أهل] ذلك البيت الجليل، وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله:
ضنّ عني بالنّزر إذ أنا يقظان وأعطى كثيره في المنام
والتقينا كما اشتهينا ولا عيب سوى أنّ ذاك في الأحلام
وإذا كانت الملاقاة ليلافالليالي خير من الأيام
ومن ذلك أيضا:
يا خليلي من ذؤابه قيسفي التصابي رياضة الأخلاق
علّلاني بذكرهم تطربانيواسقياني دمعي بكأس دهاق
وخذا النوم عن جفوني فإنيقد خلعت الكرى على العشاق
فلما وصلت هذه الأبيات إلى البصري الشاعر قال: المرتضى خلع ما لا يملك على من لا يقبل.
ومن شعره أيضا:
ولما تفرقنا كما شاءت النّوىتبيّن ودّ خالص وتودّد
كأني وقد سار الخليط عشيةأخو جنّة مما أقوم وأقعد
وله:
قل لمن خدّه من اللحظ دامرق لي من جوانح فيك تدمى
يا سقيم الجفون من غير سقملا تلمني إن متّ فيهنّ سقما
أنا خاطرت في هواك بقلبركب البحر فيك إمّا وإمّا
وحكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التّبريزي اللغوي، أن أبا الحسن علي بن أحمد بن سلّك الفالي- بالفاء، نسبة إلى فالة، بلدة بخوزستان- الأديب كانت له نسخة كتاب «الجمهرة» لابن دريد في غاية
الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فباعها واشتراها الشريف المرتضى بستين دينارا، وتصفحها فوجد فيها أبياتا بخط الفالي وهي:
أنست بها عشرين حولا وبعتهالقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظنّي أنني سأبيعهاولو خلّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبيةصغار عليهم تستهلّ عيوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرةمقالة مكويّ الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالككرائم من مولى بهنّ ضنين
فيقال: إنه بعث بها إليه.
وملح المرتضى وفضائله كثيرة. وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وتوفي يوم الأحد خامس عشري شهر ربيع الأول ببغداد، ودفن في داره عشية ذلك النهار، رحمه الله تعالى. انتهى ملخصا.
وفيها أبو عبد الرحمن النّيلي، محمد بن عبد العزيز بن عبد الله شيخ الشافعية بخراسان، وله ثمانون سنة. روى عن أبي عمرو بن حمدان وجماعة.
قال الإسنوي: كان إماما في المذهب، أديبا، شاعرا، صالحا، زاهدا، ورعا. سمع، وحدّث، وأملى، وطال عمره.
ولد سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وله ديوان، شعر، ومنه:
ما حال من أسر الهوى ألبابهما حال من كسر التّصابي نابه
نادى الهوى أسماعه فأجابهحتّى إذا ما جاز أغلق بابه
أهوى لتمزيق الفؤاد فلم يجدفي صدره قلبا فشقّ ثيابه
انتهى ملخصا.
وفيها أبو الحسين البصري، محمد بن علي بن الطّيب، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف الكلامية، وكان من أذكياء زمانه، توفي ببغداد في ربيع الآخر، وكان يقرئ الاعتزال ببغداد، وله حلقة كبيرة. قاله في «العبر».
وقال ابن خلّكان: كان جيد الكلام، مليح العبارة، غزير المادة، إمام وقته، وله التصانيف الفائقة في الأصول، منها «المعتمد» وهو كتاب كبير، ومنه أخذ فخر الدّين الرّازي كتاب «المحصول» وله «تصفح الأدلة» في مجلدين، و «غرر الأدلة» في مجلد كبير، و «شرح الأصول الخمسة» وكتاب في الإمامة، [وغير ذلك في] أصول الدّين، وانتفع الناس بكتبه، وسكن بغداد وتوفي بها يوم الثلاثاء خامس ربيع الآخر، ودفن بمقبرة الشّونيزيّة، وصلى عليه القاضي أبو عبد الله الصّيمري. انتهى ملخصا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع