تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وعشرين وأربعمائة

فيها توفي أبو بكر الأصبهاني اليزدي، أحمد بن علي بن محمد بن منجويه الحافظ، نزيل نيسابور ومحدّثها، صنّف التصانيف الكثيرة، ورحل، ووصل إلى بخارى. وحدّث عن أبي بكر الإسماعيلي، وأبي بكر بن المقرئ، وطبقتهما. روى عنه شيخ الإسلام وقال: هو أحفظ من رأيت من البشر. قاله في «العبر».

وتوفي في المحرم، وله إحدى وثمانون سنة.

وقال ابن ناصر الدّين: كان أحمد الحفّاظ المجوّدين، ومن أهل الورع والدّين. ثقة من الأثبات، صنّف على «الصحيحين» و «جامع الترمذي» و «سنن أبي داود» مصنّفات. انتهى.

وفيها أبو بكر بن النّمط، أحمد بن محمد بن الصقر، البغدادي، المقرئ، الثقة، العابد. روى عن أبي بكر الشّافعي، وفاروق، وطبقتهما.

وفيها أبو الحسين القدوري، أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان البغدادي الفقيه، شيخ الحنفية بالعراق. انتهت إليه رئاسة المذهب،

وعظم جاهه، وبعد صيته، وكان حسن العبارة في النظم، وسمع الحديث، وروى عنه أبو بكر الخطيب صاحب «التاريخ» وصنّف في المذهب «المختصر» المشهور وغيره، وكان يناظر الشيخ أبا حامد الإسفراييني الفقيه الشافعي، ويبالغ في تعظيمه بحيث حكى عنه ابن خلّكان أنه كان يفضل الإسفراييني على الشافعي، وهذا عجب عجاب، وكانت ولادة القدوري سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وتوفي يوم الأحد خامس رجب من هذه السنة ببغداد، ودفن من يومه بداره في درب أبي خلف، ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور، فدفن بجانب أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي.

وفيها أبو علي بن سينا الرئيس، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، صاحب التصانيف الكثيرة في الفلسفة، والطب، وله من الذكاء الخارق، والذهن الثاقب ما فاق به غيره، وأصله بلخيّ، ومولده ببخارى، وكان أبوه من دعاة الإسماعيلية، فأشغله في الصغر، وحصّل عدة علوم قبل أن يحتلم، وتنقل في مدائن خراسان، والجبال، وجرجان، ونال حشمة وجاها، وعاش ثلاثا وخمسين سنة.

قال ابن خلّكان في ترجمة ابن سينا: اغتسل وتاب، وتصدق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم [على من عرفه] وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات بهمذان يوم الجمعة في شهر رمضان. قاله جميعه في «العبر».

وقال ابن خلّكان: كان أبوه من العمال الكفاة، تولى العمل بقرية من ضياع بخارى يقال لها خرميثن من أمهات قراها، وولد الرئيس أبو علي وكذلك أخوه بها، واسم أمه ستارة وهي من قرية يقال لها أفشنة بالقرب من خرميثن، ثم انتقلوا إلى بخارى، وتنقل الرئيس بعد ذلك في البلاد، واشتغل بالفنون وحصّل العلوم والفنون ولما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم القرآن العزيز والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدّين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة، ثم توجّه نحوهم الحكيم أبو عبد الله النّاتلي فأنزله أبو الرئيس عنده، فابتدأ أبو علي يقرأ عليه «كتاب إيساغوجي» وأحكم عليه علم المنطق، وإقليدس، والمجسطي، وفاقه أضعافا كثيرة، حتّى أوضح له رموزه، وفهّمه إشكالات لم يكن النّاتلي يدريها، وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد، يقرأ ويبحث ويناظر، ونظر في النصوص والشروح، وفتح الله تعالى عليه أبواب العلوم، ثم رغب بعد ذلك في علم المطب، وتأمل الكتب المصنّفة فيه، وعالج تأدبا لا تكسّبا، وعلّمه حتّى فاق فيه على الأوائل والأواخر في أقل مدة وأصبح فيه عديم القرين، فقيد المثيل، واختلف إليه فضلاء هذا الفن [وكبراؤه] يقرؤون عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة، وسنّه إذ ذاك نحو ست عشرة سنة.

وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة، وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضأ وقصد المسجد الجامع، وصلّى ودعا الله ﷿ أن يسهّلها عليه ويفتح مغلقها له.

وذكر عند الأمير نوح السّاماني صاحب خراسان في مرضه، فأحضره وعالجه حتّى برئ، واتصل به وقرب منه، ودخل إلى دار كتبه، وكانت عديمة المثل، فيها من كل فنّ [من] الكتب المشهورة بأيدي النّاس [وغيرها مما لا يوجد في سواها، ولا سمع باسمه فضلا عن معرفته، فظفر أبو علي فيها بكتب من علم الأوائل] وغيرها، وحصّل نحب فرائدها، وأطّلع على أكثر علومها، واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة، فتفرّد أبو علي بما حصّله من علومها، وكان يقال: إن أبا علي توصل إلى إحراقها ليتفرّد أبو علي بما حصّله من علومها، وكان يقال: إن أبا علي توصل إلى إحرافها ليتفرّد بمعرفة ما حصّله منها وينسبه إلى نفسه.

ولم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره إلّا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها، وتوفي أبوه وسنّ أبي عليّ اثنتان وعشرون سنة، وكان يتصرف هو ووالده في الأحوال ويتقلدون للسلطان الأعمال.

وسار إلى همذان، وتولى الوزارة لشمس الدولة، ثم تشوش العسكر عليه، فأغاروا على داره ونهبوها وقبضوا عليه، وسألوا شمس، الدولة قتله، فامتنع، ثم أطلق، فتوارى، ثم مرض شمس الدولة بالقولنج، فأحضره لمداواته، وأعاده وزيرا، ثم مات شمس الدولة، وتولى تاج الدولة، فلم يستوزره، فتوجه إلى أصبهان، وبها علاء الدولة بن كاكويه فأحسن إليه.

وكان أبو علي قويّ المزاج، وتغلب عليه قوة الجماع، حتّى أنهكته ملازمته وأضعفته، ولم يكن يداوي مزاجه، فعرض له قولنج، فحقن نفسه في يوم واحد ثماني مرّات، فقرح بعض أمعائه، وظهر له سحج، واتفق سفره مع علاء الدولة، فحدث له الصرع الحادث عقيب القولنج، فأمر باتخاذ دانقين

من كرفس في جملة ما يحقن به، فجعل الطبيب الذي يعالجه فيه خمسة دراهم [منه] فازداد السحج به من حدّة الكرفس، وطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئا كثيرا من الأفيون، وكان سببه أن غلمانه خانوه في شيء، فخافوا عاقبة أمره عند برئه وكان منذ حصل له الألم يتحامل ويجلس مرة بعد أخرى ولا يحتمي ويجامع، فكان يصلح أسبوعا ويمرض أسبوعا، ثم قصد علاء الدولة همذان ومعه الرئيس، فحصل له القولنج في الطريق، ووصل إلى همذان وقد ضعف جدا وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال:

المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره، فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات في التاريخ المذكور.

وكان نادرة عصره في معرفته وذكائه وتصانيفه، وصنّف كتاب «الشفاء» في الحكمة، و «النجاة» و «الإشارات» و «القانون» وغير ذلك ما يقارب مائة مصنّف ما بين مطوّل [ومختصر] ورسالة في فنون شتى، وله رسائل بديعة، منها: رسالة «حيّ بن يقظان» ورسالة «سلامان [وأبسال] » ورسالة «الطير» وغيرها، وانتفع الناس بكتبه، وهو أحد فلاسفة المسلمين.

ومن شعره قوله في النفس:

هبطت إليك من المحلّ الأرفعورقاء ذات تعزّر وتمنّع
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «من ذا الذي لا يستجيب إذا دعي»
محجوبة عن كل مقلة عارفوهي التي سفرت ولم تتبرقع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
وصلت على كره إليك وربماكرهت فراقك وهي ذات تفجّع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
أنفت وما ألفت فلما واصلتألفت مجاورة الخراب البلقع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
وأظنّها نسيت عهودا بالحمىومنازلا بفراقها لم تقنع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
حتّى إذا اتّصلت بهاء هبوطهامن ميم مركزها بذات الأجرع
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «حارت مدارك كل حبر أروع»
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحتبين المعالم والطلول الخضّع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
تبكي وقد ذكرت عهودا بالحمىبمدامع تهمي ولم تتقطع
حتّى إذا قرب المسير إلى الحمىودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
وغدت تغرّد فوق ذروة شاهقوالعلم يرفع كلّ من لم يرفع
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «حارت مدارك كل حبر أروع»
وتعود عالمة بكل خفيةفي العالمين فخرقها لم يرقع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
فهبوطها إذا كان ضربة لازملتكون سامعة لما لم تسمع
فلأي شيء أهبطت من شاهقسام إلى قعر الحضيض الأوضع
للشاعر ابن سينا، من قصيدة «هبطت إليك من المحلّ الأرفع»
إن كان أهبطها الإله لحكمةطويت عن الفطن اللّبيب الأروع
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «حارت مدارك كل حبر أروع»
إذا عاقها الشّرك الكثيف فصدّهاقفص عن الأوج الفسح الأربع
فكأنها برق تألّق بالحمىثم انطفى فكأنّه لم يلمع
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «حارت مدارك كل حبر أروع»

ومن المنسوب إليه قوله:

اجعل غذاءك كلّ يوم مرةواحذر طعاما قبل هضم طعام
واحفظ منيّك ما استطعت فإنهماء الحياة يراق في الأرحام
للشاعر ابن سينا، من قصيدة «اسمع بني وصيتي واعمل بها»

وفضائله كثيرة مشهورة.

وكانت ولادته في سنة سبعين وثلاثمائة، في شهر صفر، وتوفي بهمذان يوم الجمعة من شهر رمضان، ودفن بها، وكان الشيخ كمال الدّين بن يونس ﵀ يقول: إن مخدومه سخط عليه واعتقله، فمات في السجن، وكان يقول:

رأيت ابن سينا يداوي الرّجالوفي السّجن مات أخسّ الممات
فلم يشف ما نابه بالشّفاولم ينج من موته بالنجاة

انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وقال ابن الأهدل: قال اليافعي: طالعت كتابه «الشفا» وما أجدره بقلب الفاء قافا، لاشتماله على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين، والله أعلم بخاتمته وصحة توبته، وقد كفّره الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال».

وقال ابن الصلاح: لم يكن من علماء الإسلام، بل كان شيطانا من شياطين الإنس. وأثنى عليه ابن خلّكان. انتهى كلام ابن الأهدل أيضا.

وقد تقدم ذكره مع ترجمة الفارابي فليراجع.

وفيها ذو القرنين، أبو المطاع المطاع بن الحسن بن عبد الله بن حمدان وجيه الدولة بن ناصر الدولة الموصلي، الأديب الشاعر الأمير. ولّي إمرة دمشق سنة إحدى وأربعمائة، وعزل بعد أشهر من جهة الحاكم، ثم وليها لابنه الظاهر سنة اثنتي عشرة وعزل، ثم وليها ثالثة سنة خمس عشرة، فبقي إلى سنة تسع عشرة، وله شعر فائق منه قوله:

إني لأحسد «لا» في أسطر الصّحفإذا رأيت عناق اللام للألف
وما أظنّهما طال اعتناقهماإلّا لما لقيا من شدّة الشّغف
للشاعر وجيه الدولة الحمداني، اقرأ القصيدة

وتوفي في صفر.

وفيها أبو طاهر البغدادي عبد الغفّار بن محمد المؤدّب. روى عن أبي بكر الشافعي، وأبي علي الصوّاف، وعاش ثلاثا وثمانين سنة.

وفيها أبو عمرو البغدادي، وعثمان بن محمد بن يوسف بن دوست، صدوق. روى عن النّجاد، وعبد الله بن إسحاق الخراساني، وتوفي في صفر.

وفيها أبو الحسن الحنّائي، علي بن محمد بن إبراهيم الدمشقي، المقرئ، المحدّث الحافظ الناقد الزاهد. روى عن عبد الوهاب الكلابي وخلق، ورحل إلى مصر، خرّج لنفسه معجما كبيرا.

قال الكتّاني: توفي شيخنا وأستاذنا أبو الحسن في ربيع الأول، وكان من العبّاد، وكانت له جنازة عظيمة ما رأيت مثلها، وعاش ثمانيا وخمسين سنة.

وفيها أبو علي الهاشمي الحنبلي، محمد بن أحمد بن أبي موسى البغدادي، صاحب التصانيف، ومن إليه انتهت رئاسة المذهب. أخذ عن أبي الحسن التميمي وغيره، وحدّث عن ابن المظفر وكان رئيسا رفيع القدر، بعيد الصيت.

قال ابن أبي يعلى في «طبقاته»: كان سامي الذكر، له القدم العالي والحفظ الوافر عند الإمامين القادر بالله والقائم بأمر الله.

صنّف «الإرشاد» في المذهب، وشرح كتاب الخرقي، وكانت حلقته

بجامع المنصور، يفتي ويشهد. قرأت على المبارك بن عبد الجبّار- من أصله في حلقتنا بجامع المنصور- قلت له: حدّثك القاضي الشريف أبو علي قال: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات.

حقيقة الإيمان عند أهل الأديان: الاعتقاد بالقلب، والنطق باللّسان: أن الله ﷿ واحد أحد، فرد صمد، لا يغيّره الأبد، ليس له والد ولا ولد، وأنه سميع بصير، بديع قدير، حكيم خبير، عليّ كبير، وليّ نصير، قوي مجير، ليس له شبيه ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا ندّ ولا مشير، سبق الأشياء، فهو قديم لا كقدمها، وعلم كون وجودها في نهاية عدمها، لم تملكه الخواطر فتكيّفه، ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم يخل من علمه مكان فيقع به التأيين، ولم يعدمه زمان فينطلق عليه التأوين. ولم يتقدمه دهر ولا حين، ولا كان قبله كون ولا تكوين، ولا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يدخل في الأمثال والأشكال، صفاته كذاته، ليس بجسم في صفاته، جلّ أن يشبّه بمبتدعاته أو يضاف إلى مصنوعاته لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:

] أراد ما العالم فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه. خلق الخلائق وأفعالهم، وقدّر أرزاقهم وآجالهم، لا سمّي له في أرضه وسماواته، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وعلمه محيط بالأشياء. كذلك سئل [الإمام] أحمد بن محمد بن حنبل عن قوله ﷿ ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى من ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا فقال: علمه.

والقرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، غير محدث ولا مخلوق، كلام ربّ العالمين، في صدور الحافظين، وعلى ألسن الناطقين، وفي أسماع السامعين، وبأكف الكاتبين، وبملاحظة الناظرين، برهانه ظاهر، وحكمه قاهر، ومعجزة باهر.

وأن الله تعالى كلّم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما.

وأنه خلق النفوس وسوّاها، وألهمها فجورها وتقواها.

والإيمان بالقدر خيره وشرّه، وحلوه ومرّه، وأن مع كل عبد رقيبا وعتيدا، وحفيظا وشهيدا، يكتبان حسناته ويحصيان سيئاته، وأن كل مؤمن وكافر وبرّ فاجر، يعاين عمله عند حضور منيّته، ويعلم مصيره قبل ميتته.

وأن منكرا ونكيرا إلى كل أحد ينزلان، سوى النبيين، فيسألان ويمتحنان عما يعتقده من الإيمان.

وأن منكرا ونكيرا إلى كل أحمد ينزلان، سوى النبيين، وفيسألان ويمتحنان عما يعتقده من الإيمان.

وأن المؤمن يخبر في قبره بالنعيم، والكافر يعذّب بالعذاب الأليم، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور، ولن يتجاوز ما خطّ في الألواح المسطور.

وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

وأن الله جلّ اسمه يعيد خلقه كما بدأهم، ويحشرهم كما ابتدأهم من صفائح القبور، وبطون الحيتان في تخوم البحور، وأجواف السباع، وحواصل النسور.

وأن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار، فيرونه بالعيون والأبصار.

وأنه يخرج أقواما من النار، فيسكنهم دار القرار، وأنه يقبل شفاعة محمد المختار في أهل الكبائر والأوزار.

وأن الميزان حق، توضع فيه أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه نجا من النار، [ومن خفّت موازينه أدخل جهنم وبئس القرار].

وأن الصراط حق، تجوزه الأبرار، وأن حوض رسول الله ﷺ حق يرده المؤمنون ويذاد عنه الكفّار.

وأن الإيمان غير مخلوق، وهو قول باللسان، وإخلاص بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالأوزار.

وأن محمدا ﷺ خاتم النبيين، وأفضل المرسلين، وأمته خير الأمم أجمعين. وأفضلهم القرن الذين شاهدوه، وآمنوا به وصدقوه، وأفضل القرن الذين صحبوه، وأربع عشرة مائة، بايعوه بيعة الرّضوان، وأفضلهم أهل بدر [إذ] نصروه، وأفضلهم أربعون في الدار كنفوه، وأفضلهم عشرة عزّروه ووقروه، شهد لهم بالجنة، وقبض وهو عنهم راض، وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار، والخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، عليهم الرضوان.

وأفضل القرون بعدهم القرن الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يتبعونهم.

وأن نتوالى أصحاب محمد ﷺ بأسرهم، ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم، ونمسك عن الخوض في ذكرهم إلّا بأحسن الذكر لهم.

وأن نتولى أهل القبلة ممّن ولي حرب المسلمين على ما كان منهم من عليّ، وطلحة، والزّبير، وعائشة، ومعاوية، رضوان الله عليهم، ولا ندخل فيما شجر بينهم، اتباعا لقول ربّ العالمين: وَالَّذِينَ جاؤُ من بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.

وذكر أبو علي بن شوكة قال: اجتمعنا جماعة من الفقهاء، فدخلنا على القاضي أبي علي بن أبي موسى الهاشمي، فذكرنا له فقرنا وشدّة ضّرّنا، فقال لنا: اصبروا، فإن الله سيرزقكم ويوسع عليكم. وأحدّثكم في مثل هذا بما تطيب به قلوبكم. أذكر سنة من السنين وقد ضاق بي الأمر [من] شيء عظيم، حتّى بعث رجل داري ونفذ جميعه، ونقضت الطبقة الوسطى من داري، وبعث أخشابها، وتقوّت بثمنها، وقعدت في البيت لم أخرج، وبقيت سنة، فلما كان بعد سنة قالت لي المرأة: الباب يدق، فقلت [لها]: افتحي له الباب، ففعلت فدخلت، فدخل رجل فسلّم عليّ، فلما رأى حالي لم يجلس حتّى أنشدني وهو قائم:

ليس من شدّة تصيبك إلّاسوف تمضي وسوف تكشف كشفا
لا يضق ذرعك الرّحيب فإنّ الن-- ار يعلو لهيبها ثمّ تطفأ
قد رأينا من كان أشفى على الهلاك فوافت نجاته حين أشفى

ثم خرج عني ولم يقعد، فتفاءلت بقوله، فلم يخرج اليوم [عنّي] حتّى جاءني رسول القادر بالله، ومعه ثياب، ودنانير، وبغلة بمركب، ثم قال لي: أجب أمير المؤمنين، وسلّم إليّ الدنانير، والثياب، والبغلة، فغيّرت عن حالي، ودخلت الحمّام، وصرت إلى القادر بالله فردّ إليّ قضاء الكوفة وأعمالها، وأثرى حالي، أو كما قال.

مولده في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، ووفاته في ربيع الآخر، ودفن بقرب قبر إمامنا [أحمد]. انتهى ما قاله ابن أبي يعلى ملخصا.

وفيها أبو علي العكبري، الحسن بن شهاب بن الحسن بن علي بن شهاب، الفقيه الثقة الأمين. ولد بعكبرا في محرم، سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وسمع الحديث على كبر السنّ من ابن الصوّاف وطبقته، ولازم أبا عبد الله بن بطة إلى حين وفاته، وله اليد الطولى في الفقه، والأدب، والإقراء، والحديث، والشعر، والفتيا.

وقال الخطيب: سمعت البرقاني- وذكر بحضرته ابن شهاب- فقال:

ثقة أمين.

وقال ابن شهاب: كسبت في الوراقة خمسة وعشرين ألف درهم راضيّة، وكنت أشتري كاغذا بخمسة دراهم، فاكتب فيه «ديوان المتنبي» في ثلاث ليال، وأبيعه بمائتي درهم وأقلّه بمائة وخمسين درهما.

وقال ابن شهاب: أقام أخي أبو الخطّاب معي في الدار عشرين سنة، ما كلّمته، وأشار إلى أنه كان ينسب إلى الرفض. وصنّف أبو علي المصنّفات

في الفقه، والفرائض، والنحو، وتوفي في رجب ودفن بعكبرا.

وقال الأزهري: أخذ السلطان من تركة ابن شهاب ما قدره ألف دينار سوى ما خلّفه من الكروم والعقار، وكان أوصى بثلث ماله لمتفقّهة الحنابلة، ولم يعطوا شيئا، وقيل: إنه صلى سبعين سنة التراويح.

وفيها ابن باكويه، الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبيد الله الشيرازي الصوفي، أحمد المشايخ الكبار، وصاحب محمد بن خفيف. رحل، وعني بالحديث وكتب بفارس، والبصرة، وجرجان، وخراسان، وبخارى، ودمشق، والكوفة، وأصبهان فأكثر، وحدّث عن أبي أحمد بن عدي، والقطيعي، وطبقتهما.

قال أبو صالح المؤذّن: نظرت في أجزائه، فلم أجد عليها آثار السماع، وأحسن ما سمعت عليه الحكايات. قاله في «العبر».

وفيها مهيار بن مرزويه الدّيلمي، أبو الحسن، الكاتب الشاعر المشهور. كان مجوسيا، فأسلم على يد أستاذه في الأدب، الشريف الرّضي، فقال له ابن برهان: يا مهيار! انتقلت من زاوية إلى زاوية في النار، فإنك كنت مجوسيا، ثم صرت سبّابا لأصحاب رسول الله ﷺ.

وكان شاعرا مجيدا مقدّما على شعراء عصره، وديوانه في ثلاث مجلدات.

ذكر ابن الأثير في «تاريخه» أن إسلامه كان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. قال: وكان شاعرا جزل القول مقدما على أهل وقته، وهو رقيق الحاشية طويل النفس في قصائده.

وذكره أبو بكر الخطيب في «تاريخ بغداد» وأثنى عليه.

وأثنى عليه الباخرزي في كتابه «دمية القصر» فقال في حقه: هو شاعر، له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتب تجلى تحت كل كلمتين من كلماته كاعب، وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكم عليه بلو، وليت، فهي مصبوبة في قوالب القلوب، وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب.

وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» وبالغ في الثناء عليه، وذكر شيئا من شعره.

ومن غرر قصائده قصيدته التي مطلعها:

بكر العارض تحدوه النّعامىفسقاك الريّ يا دار أماما
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «بكر العارض تحدوه النعامى»

ومن ذلك قصيدته المشهورة التي أولها:

سقى دارها بالرقمتين وحيّاها

وكذلك قوله من قصيدته الطنانة السائرة:

بطرفك والمسحور يقسم بالسّحرأعمدا رماني أم أصاب ولا يدري
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «بطرفك والمسحور يقسم بالسحر»
تعرض بي في القانصين مسدداإشارة مدلول السّهام على النّحر
رنا اللحظة الأولى فقلت: مجربوكرّرها أخرى فأحسست بالشرّ
للشاعر رضا الموسوي الهندي، اقرأ القصيدة
فهل ظنّ ما قد حرّم الله من دميمباحا له أم نام قومي عن الوتر؟!
للشاعر رضا الموسوي الهندي، اقرأ القصيدة

وهي طويلة حسنة في بابها.

ومن نظمه الحسن قصيدته التي أولها، وهو من مطلع البدور:

بكى النّار سترا على الموقدوغار مغالطة المنجد
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «بكى النار سترا على الموقد»

إلى غير ذلك من نظمه اللطيف.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.