تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة إحدى وعشرين وأربعمائة

فيها توفي القاضي أبو بكر الحيري، أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص الحرشي النيسابوري الشافعي، في رمضان، وله ست وتسعون سنة، وكان رئيسا محتشما، إماما في الفقه. انتهى إليه علو الإسناد، فروى عن أبي علي الميداني، والأصم، وطبقتهما، وأخذ ببغداد عن أبي سهل القطّان، وبمكّة عن الفاكهي، وبالكوفة، وجرجان، وتفقه على أبي الوليد الفقيه، وحذق في الأصول والكلام، وولي قضاء نيسابور. روى عنه الحاكم في «تاريخه» وآخر من حدّث عنه الشيروي وقد صمّ بأخرة، حتّى بقي لا يسمع شيئا، ووافق شيخه الأصم، وصنّف في الأصول والحديث.

وفيها أبو الحسين السّليطي- بفتح المهملة وكسر اللام، نسبة إلى سليط جدّ- أحمد بن محمد بن الحسين النيسابوري العدل والنحوي، في جمادى الأولى. روى عن الأصمّ وغيره.

وفيها أبو عمر بن درّاج، أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن درّاج الأندلسي القسطلّي - بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الطاء وتشديد اللام، نسبة إلى مدينة بالأندلس، يقال لها:

قسطلّة - الشاعر الكاتب الأديب، شاعر الأندلس، الذي قال فيه ابن حزم:

لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلّا أحمد بن درّاج لما تأخر عن شأو «حبيب» و «المتنبي» وكان من كتّاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر.

وقال الثعالبي: كان بصقع الأندلس، كالمتنبي بصقع الشام، ومن نظمه قصيدته الرائية التي عارض بها أبا نواس، وأول قصيدة ابن درّاج:

ألم تعلمي أن الثّواء هو النّوىوأن بيوت العاجزين قبور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
[ولم تزجري طير السرى بحروفهافتنبيك إن يمّنّ فهو سرور]
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
يخوّفني طول السّفار وإنهلتقبيل كفّ العامريّ سفير
دعيني أرد ماء المفاوز آجناإلى حيث ماء المكرمات نمير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
[واختلس الأيام خلسة فاتكإلى حيث لي من عدوهن خفير]
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
فإن خطيرات المهالك ضمّنلراكبها أن الجزاء خطير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»

ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير:

ولما تدانت للوداع وقد هفابصبري منها أنّه وزفير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
تناشدني عهد المودّة والهوىوفي المهد مبغوم النداء صغير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
عييّ بمرجوع الخطاب ولحظهبموقع أهواء النفوس خبير
تبوّأ ممنوع القلوب ومهّدتله أذرع محفوفة ونحور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
فكل مفدّاة الترائب مرضعوكل محيّاة المحاسن ظير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
عصيت شفيع النّفس فيه وقادنيرواح لتدآب السّرى وبكور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
وطار جناح البين بي وهفت بهاجوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودّعت مني غيورا فإننيعلى عزمتي من شجوها لغيور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
ولو شاهدتني والهواجر تلتظيعليّ ورقراق السراب يمور
أسلّط حرّ الهاجرات إذا سطاعلى حرّ وجهي والأصيل هجير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
وأستنشق النكباء وهي لوافحواستوطئ الرمضاء وهي تفور
وللموت في عين الجبان تلوّنوللذّعر في سمع الجريء صفير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
لبان لها أنّي من البين جازعوأنّي على مضّ الخطوب صبور
أمير على غول النتائف مالهإذا ريع إلّا المشرفيّ وزير
ولو بصرت بي والسّرى جلّ عزمتيوجرسي لجنّان الفلاة سمير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
ودارت نجوم القطب حتّى كأنهاكؤوس مها والى بهنّ مدير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
وقد خيّلت طرق المجرّة أنهاعلى مفرق الليل البهيم قتير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
وثاقب عزمي والظلام مروّعوقد غض أجفان النّجوم فتور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
لقد أيقنت أنّ المنى طوع همّتيوأنّي بعطف العامريّ جدير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»

وهي طويلة، وغالب شعره مستحسن، و «ديوانه» في مجلدين، وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، ومات ليلة الأحد لست عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة.

وفيها أبو إبراهيم إسماعيل بن ينال المروزي المحبوبي، نسبة إلى جدّه محبوب. سمع «جامع الترمذي» من أستاذهم محمد بن أحمد بن محبوب، وهو آخر من حدّث عنه، توفي في صفر عن سبع وثمانين سنة.

قال أبو بكر السمعاني: كان ثقة عالما، أدركت نفرا من أصحابه.

وفيها أبو عبد الله المعاذي، الحسن بن أحمد بن محمد بن يحيى النيسابوري الأصم.

والمعاذي: بضم الميم وبالذال المعجمة نسبة إلى معاذ جدّ.

سمع من أبي العبّاس الأصم مجلسين فقط، ومات في جمادى الأولى.

قال الذهبي: وقع لنا حديثه من طريق شيخ الإسلام [الأنصاري].

وفيها أبو عبد الله الجمّال الحسين بن إبراهيم الأصبهاني. روى عن أبي محمد بن فارس وجماعة، ومات في ربيع الأول، وله جزء معروف.

وفيها أبو علي البجّاني- بجّانة الأندلس - الحسين بن عبد الله بن الحسين بن يعقوب المالكي، وله خمس وتسعون سنة. حمل

عنه ابن عبد البرّ، وأبو إسماعيل العبّاس العذري، والكبار، وكان أسند من بقي بالمغرب في رواية «الواضحة» لعبد الملك بن حبيب. سمعها من سعيد بن فحلون في سنة ست وأربعين وثلاثمائة، عن يوسف المغامي عن المؤلف.

وفيها حمام بن أحمد القاضي أبو بكر القرطبي.

قال ابن حزم: كان واحد عصره في البلاغة وسعة الرواية، ضابطا [لما قيّده]. أكثر عن أبي محمد الباجي، وأبي عبد الله بن مفرّج، وولي قضاء يابرة، وتوفي في رجب، وله أربع وستون سنة.

وفيها أبو سعيد الصّيرفي، محمد بن موسى بن الفضل النيسابوري. كان ينفق على الأصمّ ويخدمه بماله، فاعتنى به الأصمّ وسمّعه الكثير، وسمع أيضا من جماعة، وكان ثقة، توفّي في ذي الحجّة.

وفيها السلطان محمود بن سبكتكين، سيف الدولة أبو القاسم بن الأمير ناصر الدولة أبي منصور. كان أبوه أميرا للغزاة الذين يغيرون من بلاد ما وراء النهر، على أطراف الهند، فأخذ عدة حصون وقلاع، وافتتح ناحية بست، وكان كرّاميا، وأما محمود فافتتح غزنة، ثم بلاد ما وراء النهر، ثم استولى على سائر خراسان، وعظم ملكه، ودانت له الأمم، وفرض على نفسه غزو الهند كل سنة، فافتتح منه بلادا واسعة، وكان ذا عزم وصدق في الجهاد.

قال عبد الغافر الفارسي: كان صادق النّية في إعلاء كلمة الله تعالى، مظفّرا في غزواته، ما خلت سنة من سنّي ملكه عن غزوة أو سفرة، وكان ذكيا، بعيد الغور، موفق الرأي، وكان مجلسه مورد العلماء.

قال ابن خلّكان: وملك بلاد خراسان، وانقطعت الدولة السامانية منها، وذلك في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، واستتب له الملك، وسيّر له الإمام القادر بالله خلعة السلطنة، ولقبه بيمين الدولة وأمين الملّة، وتبوأ سرير المملكة، وقام بين يديه أمراء خراسان، سماطين مقيمين برسم الخدمة، وملتزمين حكم الهيبة، وأجلسهم بعد الإذن العام على مجلس الأنس، وأمر لكل واحد منهم [ولسائر غلمانه وخاصّته ووجوه أوليائه] وحاشيته من الخلع والصّلات ونفائس الأمتعة ما لم يسمع بمثله، واتّسقت الأمور عن آخرها في كنف إيالته، واستوثقت الأعمال في ضمن كفالته، ثم إنه ملك سجستان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، بدخول قوّادها وولاة أمورها في طاعته من غير قتال.

ولم يزل يفتح بلاد الهند إلى أن انتهى إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية. ولم تتل به سورة قطّ ولا آية، فدحض عنها أدناس الشرك، وبنى بها مساجد وجوامع، وتفصيل حاله يطول شرحه.

وذكر شيخنا ابن الأثير في «تاريخه» أن بعض الملوك بقلاع الهند أهدى له هدايا كثيرة، من جملتها طائر على هيئة القمري من خاصيته أنه إذا حضر الطعام وفيه سم، دمعت عيناه، وجرى منها ماء وتحجّر، فإذا حكّ ووضع

على الجراحات الواسعة ألحمها. وذلك في سنة أربع عشرة وأربعمائة.

وذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في كتابه الذي سمّاه «مغيث الخلق في اختيار الأحق» أن السلطان محمود المذكور، كان على مذهب أبي حنيفة ﵁، كان مولعا بعلم الحديث، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع، وكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي ﵁، فوقع في خلده حكمة ذلك فصار، شافعيا، وذكر قصة القفّال في الصلاة بين يديه على كلّ من المذهبين.

وبالجملة فمناقبه كثيرة وسيرته أحسن السّير، ومولده ليلة عاشوراء، سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وتوفي بغزنة وقبره بها يزار ويدعى عنده، وقد صنّف في حركاته وسكناته وأحواله، لحظة لحظة، رحمه الله تعالى، وتوفي في جمادى الأولى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.