من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة
فيها توفي القادر بالله الخليفة أبو العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر [بالله] جعفر بن المعتضد العباسي توفي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة، وله سبع وثمانون سنة. وكانت خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وكان أبيض، كثّ اللحية طويلها، يخضب شيبه.
قال الخطيب: كان من [الستر، و] الديانة، وإدامة التهجد [بالليل وكثرة [البرّ و] الصدقات على صفة اشتهرت عنه. صنّف كتابا في الأصول [ذكر] فيه فضائل الصحابة ﵃، وتكفير المعتزلة القائلين بخلق القرآن، فكان يقرأ كل جمعة ويحضره الناس مدة.
وقال أبو الحسن الأبهريّ: أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله [في رسالة] فسمعته ينشد:
سبق القضاء بكلّ ما هو كائنوالله يا هذا لرزقك ضامن
تعنى بما يفنى وتترك ما بهتغنى كأنّك للحوادث آمن
أو ما ترى الدّنيا ومصرع أهلهفاعمل ليوم فراقها يا خائن
واعلم بأنّك لا أبا لك في الذيأصبحت تجمعه لغيرك خازن
يا عامر الدّنيا أتعمر منزلالم يبق فيه مع المنيّة ساكن
الموت شيء أنت تعلم أنّهحقّ وأنت بذكره متهاون
إنّ المنيّة لا تؤامر من أتتفي نفسه يوما ولا تستأذن
فقلت: الحمد لله الذي وفّق أمير المؤمنين لإنشاد مثل هذه الأبيات.
فقال: بل لله المنّة إذ ألهمنا لذكره، ووفّقنا لشكره. ألم تسمع قوله الحسن البصريّ في أهل المعاصي؟: هانوا عليه فعصوه، ولو عزّوا عليه لعصمهم.
وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء»: قال الذهبي: كان في هذا العصر رأس الأشعرية أبو إسحاق الإسفراييني، ورأس المعتزلة القاضي عبد الجبّار، ورأس الرافضة الشّيخ المفيد، ورأس الكرامية محمد بن الهيصم ورأس القرّاء أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدّثين الحافظ عبد الغني بن سعيد، ورأس الصوفية أبو عبد الرحمن السّلمي، ورأس الشعراء أبو عمر بن درّاج، ورأس المجودين ابن البوّاب، ورأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين.
قلت: ويضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر الله، ورأس اللّغويين الجوهري، ورأس النّحاة ابن جنّي [ورأس البلغاء البديع، ورأس
الخطباء ابن نباتة، ورأس المفسرين أبو القاسم بن حبيب النيسابوري] ورأس الخلفاء القادر [بالله] فإنه من أعلامهم، تفقّه وصنّف، وناهيك بأن الشيخ تقي الدّين بن الصّلاح عدّة من الفقهاء الشافعية، وأورده في طبقاتهم، ومدّته في الخلافة من أطول المدد. انتهى ما أورده السيوطي.
وقال الذهبي: لما مات القادر بالله، استخلف ابنه القائم بأمر الله، وله إحدى وثلاثون سنة فبايعه الشريف المرتضى، ثم إن الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر قام وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة، فقال:
إن القادر لم يخلّف مالا وصدق، لأنه كان من أفقر الخلفاء، وصالحهم على ثلاثة آلاف دينار ليس إلّا، وعرض القائم خانا وبستانا للبيع، وصغر دست الخلافة إلى هذا الحد. انتهى.
وفيها أبو القاسم الكتّاني، طلحة بن علي بن الصقر البغدادي. كان ثقة صالحا مشهورا، عاش ستا وثمانين سنة، ومات في ذي القعدة، وروى عن النّجاد، وأحمد بن عثمان الأدمي، ودعلج، وجماعة.
وفيها أبو المطرّف بن الحصّار، قاضي الجماعة بالأندلس، عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن غرسيّة. مات في آخر الكهولة، وكان عالما بارعا ذكيا متفنّنا، ففيه النفس، حاضر الحجّة، صاحب سنّة، توفي في شعبان.
وفيها القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو محمد البغدادي المالكي، أحد الأعلام. سمع من عمر بن سنبك وجماعة، وتفقّه على ابن القصّار، وابن الجلّاب، ورأى أبا بكر الأبهري، وانتهت إليه رئاسة المذهب.
قال الخطيب: لم ألق في المالكية أفقه منه. ولي قضاء بادرايا، وتحول في آخر أيامه إلى مصر فمات بها في شعبان. وقد ساق القاضي ابن خلّكان نسب القاضي عبد الوهاب إلى مالك بن طوق التغلبي صاحب الرحبة. قاله في «العبر».
وقال أبو إسحاق الشيرازي: كلامه في النظر، وكان فقيها متأدبا شاعرا، له كتب كثيرة في كل فنّ. وعاش ستين سنة.
وذكره ابن بسام في كتاب «الذخيرة» فقال: كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح، وألفاظه أحلى من الظّفر بالنّجح، ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها، وكحكم الأيام في محسني أهلها، فودّع ماءها وظلّها، وحدّثت أنه شيّعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها، جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنّه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كلّ غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، وفي ذلك يقول:
سلام على بغداد في كلّ موطنوحقّ لها مني سلام مضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لهاوإني بشطّي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ بأسرهاولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّهوأخلاقه تنأى به وتخالف
واجتاز بطريقه بمعرّة النّعمان، وكان قاصدا مصر، وبالمعرّة يومئذ أبو العلاء، فأضافه، وفي ذلك يقول من أبيات:
والمالكيّ ابن نصر زار في سفربلادنا فحمدنا النأي والسّفرا
إذا تفقّه أحيا مالكا جدلاوينشر الملك الضّليل إن شعرا
ثم توجه إلى مصر، فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها واستتبع ساداتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب، فمات الأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، وزعموا أنه قال وهو يتقلب ونفسه تتصعد وتتصوب: لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا.
وله أشعار رائقة ظريفة فمن ذلك قوله:
ونائمة قبّلتها فتنبهتفقالت: تعالوا فاطلبوا اللصّ بالحدّ
فقلت لها: إنّي فديتك غاصبوما حكموا في غاصب بسوى الردّ
خذيها وكفّي عن أثيم ظلامةوإن أنت لم ترضي فألفا على العدّ
فقالت: قصاص يشهد العقل أنهعلى كبد الجاني ألذّ من الشهد
فباتت يميني وهي هميان خصرهاوباتت يساري وهي واسطة العقد
فقالت: ألم أخبر بأنّك زاهدافقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
وكانت ولادته ببغداد يوم الخميس سابع شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وتوفي ليلة الاثنين رابع عشر صفر بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى،
فيما بين قبة الشافعي ﵁، وباب القرافة، وكان أبوه من أعيان الشهود ببغداد.
وكان أخوه أبو الحسن محمد بن علي بن نصر أديبا فاضلا، صنّف كتاب «المفاوضة» للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور بن أبي طاهر بن بويه، جمع فيه ما شاهده، وهو من الكتاب الممتعة في ثلاثين كراسة، وله رسائل، ومولده ببغداد في إحدى الجمادين، سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وتوفي يوم الأحمد سابع عشري شهر ربيع الأول، سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بواسط، وكان قد أصعد إليها من البصرة فمات بها.
وتوفي أبوهما، أبو الحسن عليّ يوم السبت، ثاني شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. قاله ابن خلّكان.
وفيها أبو الحسن الطّرازي علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي ثم النيسابوري الأديب. روى عن الأصمّ، وأبي حامد بن حسنويه وجماعة، وبه ختم حديث الأصمّ، توفي في الرابع والعشرين من ذي الحجة.
وفيها أبو الحسن بن عبد كويه، علي بن يحيى بن جعفر، إمام جامع أصبهان في المحرم. حجّ وسمع بأصبهان، والعراق، والحجاز، وحدّث عن أحمد بن بندار الشعّار، وفاروق الخطابي وطبقتهما، وأملى عدة مجالس.
وفيها محمد بن مروان بن زهر أبو بكر الإيادي الإشبيلي المالكي
أحد أركان المذهب. كان واسع الرواية، عالي الإسناد، عاش ستا وثمانين سنة، وحدّث عن محمد بن معاوية القرشي، وأبي علي القالي، وطائفة، وهو والد الطبيب عبد الملك، وجدّ الطبيب العلّامة الرئيس أبي العلاء زهر.
وفيها محمد بن يوسف القطّان الحافظ، أبو أحمد الأعرج النيسابوري مات كهلا ولم ينشر حديثه. روى عن أبي عبد الله الحاكم وطبقته، ورحل إلى العراق، والشام، ومصر.
وفيها أبو نصر المفسّر منصور بن الحسين بنيسابور، مات قبل الطرازي، وحدّث عن الأصم وغيره.
وفيها يحيى بن عمّار، الإمام أبو زكريا الشيباني السّجستاني الواعظ، نزيل هراة. روى عن حامد الرّفاء وطبقته، وكان له القبول التام بتلك الدّيار لفصاحته وحسن موعظته وبراعته في التفسير والسّنّة، وخلّف أموالا كثيرة، ومات في ذي القعدة وله تسعون سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع