تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ست عشرة وأربعمائة

فيها مات السلطان شرف الدولة ونهبت خزائنه، وتسلطن جلال الدولة أبو طاهر ولد بهاء الدولة بن عضد الدولة، وهو يومئذ بالبصرة، فخلع على وزيره علم الدّين شرف الملك أبي سعيد بن ماكولا. ثم إن الجند عدلوا إلى الملك أبي كاليجار، ونوّهوا باسمه، وكان وليّ عهد أبيه سلطان الدولة، فخطب لهذا ببغداد، واختبط الناس، وأخذت العيارون الناس [نهارا] جهارا، وكانوا يمشون بالليل بالشمع والمشاعل، ويكبسون البيت، ويأخذون صاحبه ويعذبونه، إلى أن يقرّ لهم بذخائره، وأحرقوا دار الشريف المرتضى، ولم يخرج ركب من بغداد.

وفيها توفي الحصيب بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن الحصيب، أبو الحسين القاضي المصري. حدّث عن أبيه، وعثمان بن السمرقندي، وطائفة.

وفيها أبو محمد النّحاس، عبد الرحمن بن عمر المصري البزّاز، في عاشر صفر، وكان مسند الدّيار المصرية ومحدّثها، عاش بضعها وتسعين سنة، وسمع بمكّة من ابن الأعرابي، وبمصر من أبي الطاهر المديني، وعلي بن عبد الله بن أبي مطر، وطبقتهما، وأول سماعه في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.

وفيها أبو الحسن التّهامي، علي بن محمد الشاعر، له «ديوان» مشهور، دخل مصر بكتب من حسّان بن مفرج، فظفروا به وقتلوه سرّا في جمادى الأولى.

قال ابن بسام الأندلسي في كتاب «الذخيرة» في حقه: كان متميّز الإحسان، ذرب اللسان، مخلّى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره على فوز القدح، دلالة النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم إعراب الدّمع عن سرّ الهوى المكتوم.

وقال ابن خلّكان: له ديوان شعر صغير، أكثره نخب، ومن لطيف نظمه قوله من جملة قصيدة طويلة يمدح بها الوزير أبا القاسم:

قلت لخلّي وثغور الربامبتسمات وثغور الملاح
أيّهما أحلى ترى منظرا؟فقال: لا أعلم، كلّ أقاح
للشاعر التهامي، من قصيدة «أرحت نفسي من عداة الملاح»

وله مرثية في ولده وكان قد مات صغيرا، وهي في غاية الحسن، ولم يمنعني من الإتيان بها إلا أن الناس يقولون: هي محذورة فتركتها، ولكن من جملتها بيتان في الحسّاد ومعناهما غريب:

إني لأرحم حاسديّ لحرّ ماضمّت صدورهم من الأوغار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»
نظروا صنيع الله بي فعيونهمفي جنّة وقلوبهم في نار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

ومنها في ذمّ الدّنيا:

جبلت على كدر وأنت تريدهاصفوا من الأقذاء والأكدار
ومكلّف الأيام ضد طباعهامتطلب في الماء جذوة نار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»
وإذا رجوت المستحيل فإنماتبني الرجاء على شفير هار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

ومنها:

جاورت أعدائي وجاور ربّهشتّان بين جواره وجواري
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»
وتلهّب الأحشاء شيّب مفرقيهذا الشعاع شواظ تلك النار

وله بيت بديع من قصيدة وهو:

وإذا جفاك الدّهر وهو أبو الورىطرّا فلا تعتب على أولاده
للشاعر التهامي، من قصيدة «إن كنت تصدق في ادعاء وداده»

ورآه بعض أصحابه بعد موته [في النوم]، فقال له: ما فعل الله بك؟

قال: غفر لي، قال: بأي الأعمال؟ قال: بقولي في مرثية ولدي:

جاورت أعدائي وجاور ربّهشتّان بين جواره وجواري
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وفيها أبو بكر القطّان، محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الطائي الداراني، المعروف أيضا بابن الخلّال. كان زاهدا صالحا ثقة، روى عن خيثمة وجماعة كثيرة.

وفيها أبو عبد الله بن الحذاء القرطبي محمد بن يحيى التميميّ المالكيّ المحدّث، عاش ثمانين سنة، وروى عن أبي عيسى اللّيثي، وأحمد بن ثابت، وطبقتهما، وحجّ، فأخذ عن أبي القاسم عبد الرحمن الجوهري، وأبي بكر [بن] المهندس وطبقتهما، وتفقّه على أبي محمد الأصيلي، وألّف في تعبير الرؤيا كتاب «البشرى» في عشرة أسفار، وولي قضاء إشبيلية وغيرها.

وفيها مشرّف الدولة، السلطان أبو علي بن السلطان بهاء الدولة بن السلطان عضد الدولة الدّيلمي، ولي مملكة بغداد، وكان يرجع إلى دين وتصوف وحياء، عاش ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكان مدة ملكه خمسة أعوام، وخطب بعده لجلال الدولة بن بويه، ثم نودي بعد أيام بشعار أبي كاليجار.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.