من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع عشرة وأربعمائة
فيها توفي ابن العالي، أبو الحسين، أحمد بن محمد بن منصور البوشنجي خطيب بوشنج. روى عن محمد بن أحمد بن ديسم، وأبي أحمد بن عدي، وطبقتهما، بهراة، وجرجان، ونيسابور، توفي في رمضان.
وفيها عبد المحسن بن محمد الصّوري، شاعر محسن، بديع القول.
قال ابن خلّكان: أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب الصّوري، الشاعر المشهور، أحد المتقنين الفضلاء المجيدين الأدباء، شعره بديع الألفاظ، حسن المعاني، رائق الكلام، مليح النظام، من محاسن أهل الشام، له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، فمن محاسنه:
أترى بثأر أم بدينعلقت محاسنها بعيني
في لحظها وقوامهاما في المهنّد والرّديني
وبوجهها ماء الشباب خليط نار الوجنتين
بكرت عليّ وقالت اخ-- تر خصلة من خصلتين
إما الصدود أو الفراق فليس عندي غير ذين
فأجبتها ومدامعيتنهلّ فوق الوجنتين
لا تفعلي، إن حان ص-- دّك أو فراقك حان حيني
فكأنما قلت انهضيفمضت مسارعة لبيني
ثم استقلّت أين حلّ-ت عيسها رميت بأين
ونوائب أظهرن أيّامي إليّ بصورتين
سوّدنها وأطلنهافرأيت يوما ليلتين
ومنها:
هل بعد ذلك من يع- رّفني النّضار من اللّجين
فلقد جهلتهما لبع-- د العهد بينهما وبيني
متكسبا بالشعر يابئس البضاعة في اليدين
كانت كذلك قبل أنيأتي عليّ بن الحسين
فاليوم حال الشعر ثالثة كحال الشعرتين
أغنى وأعفى مدحه ال-- عافين عن كذب ومين
وهذه القصيدة عملها عبد المحسن في علي بن الحسين والد الوزير أبي القاسم المغربي، ولها حكاية شريفة، وهي أنه كان بمدينة عسقلان رئيس يقال له ذو المنقبتين، فجاءه بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة، وجاء في مديحها:
ولك المناقب كلّهافلم اقتصرت على اثنتين؟
فأصغى الرئيس إلى إنشاده واستحسنها، وأجزل جائزته، فلما خرج من عنده قال له بعض الحاضرين: هذه القصيدة لعبد المحسن، فقال،: أعلم هذا وأحفظ القصيدة، ثم أنشدها، فقيل له: كيف عملت معه هذا العمل من الإقبال عليه والجائزة السنيّة؟ فقال: لم أفعل ذلك إلّا لأجل البيت الذي ضمنها وهو قوله:
ولك المناقب كلّهافلم اقتصرت على اثنتين؟
فإن هذا البيت ليس لعبد المحسن، وأنا ذو المنقبتين، فأعلم قطعا أن هذا البيت ما عمل إلّا في، وهو في نهاية الحسن.
واجتاز الصّوري يوما بقبر صديق له فأنشد:
عجبا لي وقد مررت على قب-رك كيف اهتديت قصد الطريق
أتراني نسيت عهدك يوما؟صدقوا ما لميّت من صديق
انتهى ملخصا.
ومن شعره:
بالذي ألهم تعذى-- بي ثناياك العذابا
ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا
وفيها أبو الحسن الرزّاز، علي بن أحمد بن محمد بن داود البغدادي توفي في ربيع الآخر، وله أربع وثمانون سنة. روى عن أبي عمرو بن السّمّاك وطبقته، وقرأ [القرآن] على أبي بكر بن مقسم [بحرف حمزة].
قال الخطيب: كان كثير السماع والشيوخ، وإلى الصدق ما هو.
وفيها أبو بكر الذّكواني، محمد بن أبي علي أحمد بن عبد الرحمن.
ابن محمد الهمذاني الأصبهاني المعدّل المحدّث الصّدوق. عاش ستا وثمانين سنة، ورحل إلى البصرة، والكوفة، والأهواز، والرّيّ، والنواحي، وروى عن أبي محمد بن فارس، وأبي أحمد القاضي العسّال، وفاروق الخطابي، وطبقتهم، وله «معجم» وتوفي في شعبان.
وفيها أبو عبد الله بن الفخّار، محمد بن عمر بن يوسف القرطبي الحافظ، شيخ المالكية، وعالم أهل الأندلس. روى عن أبي عيسى اللّيثي.
وطائفة، وكان زاهدا، عابدا، متألّها، عارفا بمذاهب العلماء، واسع الدائرة، حافظا ل «المدوّنة» عن ظهر قلب، و «النوادر» لابن أبي زيد، مجاب الدعوة.
قال القاضي عياض: كان أحفظ الناس، وأحضرهم علما، وأسرعهم جوابا، وأوقفهم على اختلاف العلماء وترجيح المذاهب، حافظا للحديث والأثر، مائلا إلى الحجّة والنظر.
وقال الذهبي: عاش ستا وسبعين سنة.
وفيها أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد البزّاز ببغداد في ربيع الأول، وله تسعون سنة، وهو آخر من حدّث عن الصّفّار، وابن البختري، وعمر الأشناني.
قال الخطيب: كان صدوقا، جميل الطريقة، له أنسة بالعلم و [معرفة بشيء من] الفقه على مذهب أبي حنيفة، والله أعلم.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع