من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وستين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي غلام الهرّاس، مقرئ واسط، الحسن بن القاسم الواسطي، ويعرف أيضا بإمام الحرمين. كان أحد من عني بالقراءات، ورحل فيها إلى البلاد، وصنّف فيها. قرأ على أبي الحسين السّوسنجردي، والحمامي، وطبقتهما، ورحل القرّاء إليه من الآفاق، وفيه لين. قاله في «العبر».
وفيها عبد الجبّار بن عبد الله بن إبراهيم بن برزة، أبو الفتح الرازي، الواعظ، الجوهري، التاجر. روى عن علي بن محمد القصّار وطائفة، وعاش تسعين سنة، وآخر من حدّث عنه إسماعيل الحمّامي.
وفيها أبو نصر التّاجر، عبد الرحمن بن علي النيسابوري المزكّي.
روى عن يحيى بن إسماعيل الحربي النيسابوري، وجماعة.
وفيها أبو الحسن الواحدي المفسّر، علي بن أحمد النيسابوري،
تلميذ أبي إسحاق الثعلبي، وأحمد من برع في العلم، وكان شافعي المذهب.
روى في كتبه عن ابن محمش، وأبي بكر الحيري، وطائفة، وكان رأسا في اللغة والعربية. [توفي في جمادى الآخرة، وكان من أبناء السبعين.] قال ابن قاضي شهبة: كان فقيها إماما في النحو واللغة] وغيرهما، شاعرا، وأما التفسير، فهو إمام عصره فيه. أخذ التفسير عن أبي إسحاق الثعلبي، واللغة عن أبي الفضل العروضي صاحب أبي منصور الأزهري، والنحو عن أبي الحسن القهندزي- بضم القاف والهاء وسكون النون، وفي آخره زاي- الضرير. صنّف الواحدي «البسيط» في نحو ستة عشر مجلدا، والوسيط في أربع مجلدات، و «الوجيز» ومنه أخذ الغزّالي هذه الأسماء.
و «أسباب النزول» وكتاب «نفي التحريف عن القرآن الشريف» وكتاب «الدعوات» وكتاب «تفسير أسماء النّبيّ ﷺ» وكتاب «والمغازي» وكتاب «الإغراب في الإعراب» و «شرح ديوان المتنبي». وأصله من ساوة، من أولاد التجار، وولد بنيسابور ومات بها بعد مرض طويل في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين. ونقل عنه في «الروضة» في مواضع من كتاب السير، في الكلام على السلام.
وفيها ابن عليّك، أبو القاسم، علي بن عبد الرحمن بن الحسن النيسابوري. روى عن أبي نعيم الإسفراييني وجماعة.
وقال ابن نقطة: حدّث عن أبي الحسين الخفّاف، ومات في رجب بتفليس.
وفيها أبو بكر الصّفّار محمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس النيسابوري الشافعي، أحد الكبار المتقنين، تفقه على أبي محمد الجويني، وجلس بعده في حلقته، وروى عن أبي نعيم الإسفراييني وطائفة، وتوفي في ربيع الآخر.
قال الإسنوي: وهو جدّ الفقهاء المعروفين في نيسابور بالصّفّارين.
كان إماما فاضلا ديّنا خيّرا، سليم الجانب، محمود الطريقة، مكثرا من الحديث والإملاء، حسن الاعتقاد والخلق، بهي المنظر، متجملا، مع قلة ذات اليد، وكان من أبناء المشايخ والبيوتات والمياسير. انتهى.
وفيها علي بن الحسين بن أحمد بن إبراهيم بن جدّا، أبو الحسن العكبري.
ذكره ابن شافع في «تاريخ» فقال: هو الشيخ الزاهد الفقيه، الأمّار بالمعروف، والنّهاء عن المنكر. سمع أبا علي بن شاذان، والبرقاني، وأبا القاسم الخرقي، وابن بشران، وغيرهم. وكان فاضلا، خيّرا، ثقة، صيّنا، شديدا في السّنّة، على مذهب أحمد.
وقال القاضي الحسين وابن السمعاني: كان شيخا، صالحا، ديّنا، كثير الصلاة، حسن التلاوة للقرآن ذا لسن وفصاحة في المجالس والمحافل، وله في ذلك كلام منثور وتصنيف مذكور مشهور.
وفيها أبو القاسم المهرواني، يوسف بن محمد الهمذاني الصوفي، العبد الصالح، الذي خرّج له الخطيب خمسة أجزاء. روى عن أبي أحمد الفرضي، وأبي عمر بن مهدي، ومات في ذي الحجة.
وفيها يوسف بن محمد بن يوسف أبو القاسم الخطيب، محدّث همذان وزاهدها. روى عن أبي بكر بن لال، وأبي أحمد الفرضي، وأبي عمر بن مهدي، وطبقتهم. وجمع ورحل، وعاش سبعا وثمانين سنة.
وفيها البيّاضي الشاعر، أبو جعفر مسعود بن عبد العزيز بن المحسّن بن الحسن بن عبد الرزاق المشهور، وهو من الشعراء المجيدين في المتأخرين، وديوان شعره صغير، وهو في غاية الرّقة، وليس فيه من المديح إلّا اليسير، فمن أحسن شعره قصيدته القافية التي أولها:
إن غاض دمعك والركاب تساقمع ما بقلبك فهو منك نفاق
لا تحبسن ماء الجفون فإنّهلك يا لديغ هواهم ترياق
واحذر مصاحبة العذول فإنّهمغر فظاهر عذله إشفاق
لا يبعدن زمن مضت أيّامهوعلى متون غصونها أوراق
أيام نرجسنا العيون ووردناحمر الخدود وخمرنا الأرياق
ولنا بزوراء العراق مواسمكانت تقام لطيبها أسواق
فلئن بكت عيني دما شوقا إلىذاك الزّمان فمثله يشتاق
إن الأغيلمة الأولى لولاهمما كان طعم هوى الملاح يذاق
وكأنّما أرماحهم بأكفّهمأجسامهم ونصولها الأحداق
شنّوا الإغارة في القلوب بأعينلا يرتجى لأسيرها إطلاق
واستعذبوا ماء الجفون فعذّبوا الأسراء حتّى ذرت الآماق
ونمى الحديث بأنّهم نذروا دميأولي دم يوم الفراق يراق
وشعره كله على هذا الأسلوب، وقيل له البيّاضي، لأن أحد أجداده كان في مجلس بعض الخلفاء مع جماعة من العبّاسيين، وكانوا قد لبسوا سوادا ما عداه، فإنه لبس بياضا، فقال الخليفة: من ذلك البيّاضي؟ فثبت الاسم عليه، واشتهر به.
وفيها ابن جابار، مكي بن عبد الله الدّينوري، أبو بكر، اجتهد في هذا الشأن، وهو حافظ. قاله ابن ناصر الدّين.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع