تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وستين وأربعمائة

فيها كما قال ابن الأهدل، خرج أرمانوس الرّومي في مائتي ألف فارس من الرّوم، والفرنج، والكزج- بالزّاي والجيم- وأرسل إليه السلطان ألب أرسلان يريد المهادنة، فأبى، فاستعد للشهادة، وعهد إلى ولده ملكشاه، ثم حمل عليهم في خمسة عشر ألف فارس، فأعطاه الله النصر، وقتل ما لا يحصى، وأسير كثيرا، وجيء بملكهم إلى بين يديه، فضربه بيده، ثم فاداه يألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وبكل أسير معهم من المسلمين، ولما أطلقه خلع عليه وهادنه خمسين سنة وزوّده عشرة آلاف دينار، انتهى.

وفيها توفي أبو حامد الأزهري، أحمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الأزهر النيسابوري الشّروطي الثقة. روى عن [أبي] محمد المخلدي، وجماعة، ومات في رجب عن تسع وثمانين سنة، وآخر أصحابه وجيه.

وفيها أبو بكر الخطيب، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب التآليف المنتشرة في

الإسلام. ولد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وسمع أوّل سنة ثلاث وأربعمائة، وتفقه في مذهب الشافعي على القاضي أبي الطّيب الطبري، وأبي الحسن المحاملي، وغيرهما، وروى عن أبي عمر بن مهدي، وابن الصّلت الأهوازي، وطبقتهما.

قال ابن ماكولا: كان أحد الأعيان ممّن شاهدناه، معرفة، وحفظا، وإثباتا، وضبطا لحديث رسول الله ﷺ، وتفنّنا في علله وأسانيده، وعلما بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره [ومطروحة]. قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله.

وقال ابن السمعاني: كان مهيبا، وقورا، ثقة، متحريا، حجّة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحا، ختم به الحفّاظ.

وقال غيره: كان يتلو في كل يوم وليلة ختمة، وكان حسن القراءة، جهوري الصوت، وله «تاريخ بغداد» الذي لم يصنّف مثله.

وقال ابن الأهدل: تصانيفه قريب من مائة مصنّف في اللغة، وبرع فيه، ثم غلب عليه الحديث والتاريخ، وكان الشيخ أبو إسحاق يراجعه في الحديث، ويعمل بقوله، وحمل نعشه يوم مات، وكان أبو بكر بن أزهر الصوفي قد أعدّ لنفسه قبرا إلى جانب قبر بشر الحافي، وكان يبيت فيه في الأسبوع مرّة ويقرأ فيه القرآن كله، وكان الخطيب قد أوصى أن يدفن إلى جانب بشر الحافي، فسأل المحدّثون ابن أزهر أن يؤثرهم بقبره للخطيب، فامتنع، فألحّ عليه الشيخ أبو سعيد الصوفي، فسمح، فدفن فيه الخطيب، وكان قد تصدّق بجميع ماله،

وهو مائتا دينار على العلماء والفقراء، وأوصى أن يتصدّق بثيابه، ووقف كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب. انتهى.

وفيها ابن زيدون، شاعر الأندلس، أبو الوليد، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي، الشاعر المشهور.

قال ابن بسام صاحب «الذخيرة» في حقه: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم، أحد من جرّ الأيام جرّا، وفات الأنام طرّا، وصرّف السلطان نفعا وضرّا، ووسع البيان نظما ونثرا، إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألّقه، وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر، غريب المباني، شعري الألفاظ والمعاني.

وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه.

ثم انتقل من قرطبة إلى المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيلية سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه، يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته، وكان معه في صورة وزير، وذكر له شيئا كثيرا من الرسائل والنظم فمن ذلك قوله:

بيني وبينك ما لو شئت لم يضعسرّ إذا ذاعت الأسرار لم يذع
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «بيني وبينك ما لو شئت لم يضع»
يا بائعا حظّه مني ولو بذلتلي الحياة بحظي منه لم أبع
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «بيني وبينك ما لو شئت لم يضع»
يكفيك أنّك إن حمّلت قلبي مالا تستطيع قلوب الناس يستطع
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «بيني وبينك ما لو شئت لم يضع»
ته أحتمل واستطل أصبر وعزّ أهنوولّ أقبل وقل أسمع ومر أطع
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «بيني وبينك ما لو شئت لم يضع»

ومن شعره:

ودّع الصبر محبّ ودّعكذائع من سرّه ما استودعك
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «ودع الصبر محب ودعك»
يقرع السّنّ على أن لم يكنزاد في تلك الخطا إذا شيّعك
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «ودع الصبر محب ودعك»
يا أخا البدر سناء وسناحفظ الله زمانا أطلعك
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «ودع الصبر محب ودعك»
إن يطل بعدك ليلي فلكمبتّ أشكو قصر الليل معك
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «ودع الصبر محب ودعك»

وله القصائد الطنّانة ومن بديع قصائده القصيدة النونية التي منها:

نكاد حين تناجيكم ضمائرنايقضي علينا الأسى لولا تأسينا
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «أضحى التنائي بديلا من تدانينا»
حالت لبعدكم أيامنا فغدتسودا وكانت بكم بيضا ليالينا
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «حتى م ذا الدهر بالتشتيت يرمينا»
بالأمس كنّا ولا نخشى تفرقناواليوم نحن وما يرجى تلاقينا

وهي طويلة كل أبياتها نخب.

وله في ولّادة «الرسالة الطنانة» وكذا «الرسالة الجهورية» وشرح كلّ من رسالتيه هاتين.

وما جراياته مع ابن جهور لما حبسه وفرّ منه بعد أن استعطفه بكل ممكن فلم يطلقه، مشهورة فلا نطيل بها.

وفيها أبو علي حسّان بن سعيد المنيعي- نسبة إلى منيع جدّ- كان حسّان هذا رئيس مرو الرّوذ الذي عمّ خراسان ببرّه وإفضاله، وأنشأ الجامع المنيعي، وكان يكسي في العام نحو ألف نفس، وكان أعظم من وزير، ﵀. روى عن أبي طاهر بن محمش وجماعة، وكان خطيب جامعه إمام الحرمين، وأصل ماله من التجارة، حتّى قال السلطان: في مملكتي من لا يخافني، وإنما يخاف الله ﷿، يعنيه، وكان على قدم من الجدّ والاجتهاد والمعرفة. روى عنه البغوي وجماعة.

قال الإسنائي: هو من ذريّة خالد بن الوليد ﵁.

وفيها أبو عمر المليحي- بالفتح والتحتية، نسبة إلى مليح بلد بمصر- عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم الهروي المحدّث. راوي «الصحيح» عن النّعيمي في جمادى الآخرة، وله ست وتسعون سنة. سمع بنيسابور من المخلدي، وأبي الحسين الخفّاف، وجماعة، وكان [ثقة] صالحا، أكثر عنه محيي السّنّة.

وفيها كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم، أمّ الكرام المروزيّة، المجاورة بمكّة. روت «الصحيح» عن الكشميهني، وروت عن زاهر السرخسي، وكانت تضبط كتابها وتقابل بنسخها. لها فهم ونباهة، وما تزوجت قطّ، وقيل: إنها بلغت المائة. قاله في «العبر».

وعدّها ابن الأهدل من الحفّاظ.

وفيها أبو الغنائم بن الدّجاجي، محمد بن علي البغدادي. روى عن علي بن عمر الحربي، وابن معروف، وجماعة. توفي في شعبان، وله ثلاث وثمانون سنة.

وفيها أبو علي محمد بن وشاح الزّينبي. روى عن أبي حفص بن شاهين، وجماعة.

قال الخطيب: كان معتزليا.

وقال في «العبر»: توفي في رجب.

وفيها العلّامة العلم الحافظ، أبو عمر بن عبد البرّ، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ بن عاصم النّمري القرطبي، أحد الأعلام،

وصاحب التصانيف، توفي في سلخ ربيع الآخر، وله خمس وتسعون سنة وخمسة أيام. روى عن سعيد بن نصر، وعبد الله بن أسد، وابن ضيفون، وأجاز له من مصر، أبو الفتح بن سيبخت الذي يروي عن أبي القاسم البغوي، وليس لأهل المغرب أحفظ منه، مع الثقة، والدّين، والنزاهة، والتبحّر في الفقه، والعربية، والأخبار. قاله في «العبر».

وقال ابن خلّكان: إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما.

روى بقرطبة عن أبي القاسم خلف بن القاسم الحافظ، وأبي عمر الباجي، وأبي عمر الطّلمنكي وأضعافهم، وكتب إليه من أهل المشرق أبو القاسم السقطي المكّي، وعبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبو ذر الهروي، وغيرهم.

قال القاضي [أبو] علي بن سكّرة: سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد الباجي يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البرّ في الحديث.

قال الباجي أيضا: أبو عمر أحفظ أهل المغرب.

وقال أبو علي الحسين الغسّاني الأندلسي: ابن عبد البرّ شيخنا من أهل قرطبة، بها طلب العلم وتفقّه، ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك الفقيه الإشبيلي، وكتب بين يديه، ولزم أبا الوليد بن الفرضي الحافظ، وعنه أخذ كثيرا من علم الحديث، ودأب في طلب العلم، وتفنن فيه، وبرع

براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس، وألّف في «الموطأ» كتبا مفيدة، منها كتاب «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» ورتب أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله، وهو سبعون جزءا.

قال أبو محمد بن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه؟ ثم وضع كتاب «الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من المعاني والآثار» شرح فيه «الموطأ» على وجهه، ونسق أبوابه، وجمع في أسماء الصحابة ﵃ كتابا جليلا مفيدا سمّاه «الاستيعاب» وله كتاب «جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله» وكتاب «الدّرر في اختصار المغازي والسّير» وكتاب «العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم» وكتاب صغير في قبائل العرب وأنسابهم وغير ذلك، وكان موفقا في التأليف، معانا عليه، ونفع الله به، وكان مع تقدمه في علم الأثر، وبصره في الفقه ومعاني الحديث، له بسطة كبيرة في علم النسب.

وفارق قرطبة، وجال في غرب الأندلس، وسكن دانية من بلادها، وبلنسية، وشاطبة، في أوقات مختلفة. وتولى قضاء الأشبونة، وشنترين في

أيام ملكها المظفر بن الأفطس، وصنّف كتاب «بهجة المجالس وأنس المجالس» في ثلاثة أسفار، جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وذكر ابن عبد البرّ المذكور والده أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد البرّ، وأنه توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين وثلاثمائة ﵀.

وكان ولده أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أهل الأدب البارع والبلاغة، وله رسائل وشعر، فمن شعره:

لا تكثرنّ تأملاواحبس عليك عنان طرفك
للشاعر ابن عبد البر القرطبي، اقرأ القصيدة
فلربما أرسلتهفرماك في ميدان حتفك

قيل: إنه مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.