من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وسبعين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي بن البنّا، الفقيه الزاهد، الحسن بن أحمد بن عبد الله الحنبلي البغدادي، الإمام، المقرئ، المحدّث، الفقيه، الواعظ، صاحب التصانيف.
ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة، وقرأ القراءات السبع على أبي الحسن الحمامي وغيره، وسمع الحديث على القاضي أبي يعلى، وهو من قدماء أصحابه، وحضر عند ابن أبي موسى، وناظر في مجلسه، وتفقه أيضا على أبي الفضل التميمي، وأخيه أبي الفرج، وقرأ عليه القرآن جماعة، مثل عبد الله البارع، وأبي العز القلانسي، وغيرهما. وسمع منه الحديث خلق كثير، وقرأ عليه الحافظ الحميدي كثيرا. ودرّس الفقه كثيرا، وأفتى زمانا طويلا، وصنّف كتبا في الفقه، والحديث، والفرائض، وأصول الدّين، وفي علوم مختلفات.
قال ابن الجوزي: ذكر عنه أنه قال: صنّفت خمسمائة مصنّف. وتراجم كتبه مسجوعة.
وقال ابن شافع: كتبت الحديث عن نحو من ثلاثمائة شيخ، ما رأيت فيهم من كتب بخطه أكثر من ابن البنّا. قال: وقال لي هو ﵀: ما رأيت
بعيني من كتب أكثر مني. قال: وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة، محبّا لأهل العلم، مكرما لهم، وتوفي ﵀ ليلة السبت خامس رجب، ودفن بباب حرب، ﵀.
وفيها أبو يعلى حمزة بن الكيال البغدادي، الفقيه الحنبلي. ذكره ابن أبي يعلي في «طبقاته» وأنه ممّن تردد إلى والده زمانا مواصلا، وسمع منه علما واسعا، وكان عبدا صالحا. وقيل: إنه كان يحفظ الاسم الأعظم.
وقال ابن شافع في «تاريخه»: كان رجلا صالحا ملازما لبيته ومسجده، حافظا للسانه، معتزلا عن الفتن، توفي يوم الأربعاء، سابع عشري شهر رمضان، ودفن بمقبرة باب الدّير.
وفيها أبو علي الوخشي- بالفتح والسكون، نسبة إلى وخش، بلد بنواحي بلخ- الحسن بن علي البلخي، الحافظ، الثقة، المكثر الكبير، رحل وطوّف، وجمع وصنّف، وعاش ستا وثمانين سنة. روى عن تمّام الرّازي، وأبي عمر بن مهدي، وطبقتهما، بالشام، والعراق، ومصر، وخراسان، وكان من الثقات.
وفيها أبو القاسم الزّنجاني، سعد بن علي بن محمد بن علي بن الحسين، شيخ الحرم والحفّاظ، كان حافظا، قدوة، علما، ثقة، زاهدا، نزيل الحرم، وجار بيت الله. روى عن أبي عبد الله بن نظيف الفرّاء، وعبد الرحمن بن ياسر، وخلق.
وسئل محمد بن طاهر المقدسي عن أفضل من رأى؟ فقال: سعد
الزّنجاني، [وشيخ الإسلام الأنصاري، فقيل له: أيّهما أفضل؟ فقال الأنصاري كان متفننا، وأما الزّنجاني] فكان أعرف بالحديث منه.
وسئل إسماعيل التّيمي عنه، فقال: إمام كبير، عارف بالسّنة.
وقال ابن الأهدل: كان صاحب كرامات وآيات، يزدحم الناس عليه عند الطواف كازدحامهم على الحجر.
وقال غيره: توفي في أول سنة إحدى وسبعين، أو في آخر سنة سبعين، عن تسعين سنة.
وفيها عبد الباقي بن محمد بن غالب أبو منصور الأزجي العطّار، وكيل القائم والمقتدي، صدوق، جليل، روى عن المخلّص وغيره، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي، ابن [بنت السّكّري.
روى عن المخلّص.
وقال عبد الوهاب الأنماطي: هو ثقة.
وآخر من روى عنه ابن الطلاية] الزاهد، وتوفي في رجب.
وفيها عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، أبو بكر النحوي، صاحب التصانيف، منها «المغني في شرح الإيضاح» ثلاثون مجلدا، وكان شافعيا أشعريا. قاله في «العبر».
وقال ابن قاضي شهبة: كان شافعي المذهب، متكلما، على طريقة الأشعري، وفيه دين، وله فضيلة تامة في النحو، وصنّف كتبا كثيرة، فمن
أشهرها كتاب «الجمل» وشرحه، وكتاب «العمدة» في التصريف وكتاب «المفتاح» و «شرح الفاتحة» في مجلد، وغير ذلك. أخذ النحو بجرجان عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي، ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي، وأخذ عنه علي بن أبي زيد الفصيحي.
وذكره السّلفيّ في «معجمه» فقال: دخل عليه لص وهو في الصلاة، فأخذ جميع ما وجد، والجرجانيّ ينظر إليه، ولم يقطع صلاته.
وله نظم فمنه:
كبّر على العقل لا ترضهومل إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارا تعش سعيدافالسعد في طالع البهائم
انتهى ملخصا.
وفيها أبو عاصم الفضيلي الفقيه، الفضيل بن يحيى الهروي، شيخ أبي الوقت، توفي في جمادى [الأولى] وله ثمان وثمانون سنة. قاله في «العبر».
وقال الإسنويّ في ترجمة والد هذا: أبو محمد إسماعيل بن الفضيل الهروي المعروف بالفضيل، نسبة إلى جدّ له يسمى الفضيل، تصغير الفضل. ذكره أبو نصر عبد الرحمن الهروي في «تاريخ هراة» فقال: هو الفحل المقرم والإمام المقدّم في فنون الفضل وأنواع العلم، توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
قال: وهو والد الإمام أبي عاصم الصغير الهروي، كذا نقله ابن الصلاح في «طبقاته» وأنشد له:
تعوّد أيّها المسكين صمتافنعم جواب من آذاك ذاكا
وإن عوفيت مما عبت فافتحبحمد للذي عافاك فاكا
وذكر الذهبي أن أبا عاصم الفضيلي الفقيه، واسمه الفضيل، ممّن توفي سنة إحدى وسبعين، فإن كان كذلك، فيكون الابن قد مات قبل والده بنحو العشرين. انتهى كلام الإسنوي.
قلت: وعلى هذا، فالأب جاوز المائة بلا ريب، والله أعلم.
وفيها أبو الفضل القومساني، نسبة إلى قومسان، من نواحي همذان، محمد بن عثمان بن زيرك، شيخ عصره بهمذان، فضلا، وعلما، وجلالة، وزهادة، وتفننا في العلوم، مات عن بضع وسبعين سنة. روى عن علي بن أحمد بن عبدان، وجماعة.
وفيها محمد بن أبي عمران، أبو الخير المرندي- بفتحتين، وسكون النون ومهملة، نسبة إلى مرند بلد بأذربيجان الصفّار آخر أصحاب الكشميهني، ومن به ختم سماع البخاري عاليا، ضعفه ابن طاهر.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع