تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاثين وخمسمائة

فيها كبس عسكر حلب بلاد الفرنج بالساحل، فأسروا، وسبوا، وغنموا، وشرع أمر الفرنج يتضعضع.

وفيها حصل بين السلطان مسعود وبين الخليفة الراشد بالله خلف، وجمعت العساكر من الفريقين، وذهب الخليفة إلى الموصل، ودخل السلطان مسعود بغداد، واحتوى على دار الخلافة، واستدعى الفقهاء، وأخرج خطّ والد الخليفة المسترشد أنّه من خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه، فخلعه في يوم الاثنين، سادس عشر ذي القعدة بحكم الحاكم، وفتيا الفقهاء، واستدعى بعمه المقتفي بن المستظهر بالله، فبويع له بالخلافة.

قال ابن الجوزي في «الشذور»: وقد ذكر الصولي شيئا فتأملته، فإذا هو عجيب. قال الناس: إن كل سادس يقوم بأمر النّاس منذ أول الإسلام لا بد أن يخلع، فاعتبرت أنا هذا فوجدته كذلك، انعقد الأمر لنبينا محمد- ﷺ ثم قام أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن، وخلع، ثم معاوية، ويزيد ابن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك، وابن الزّبير، فخلع وقتل. ثم لم ينتظم لبني أميّة أمر، فولي السفّاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، فخلع وقتل، ثم المأمون، والمعتصم، والواثق،

والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، فخلع وقتل، ثم المعتز، ثم المقتدي، ثم المعتمد، ثم المعتضد، ثم المكتفي، ثم المقتدر، فخلع، ثم ردّ ثم قتل، ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع. فخلع، ثم القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، والراشد، فخلع، ثم ولي المقتفي.

وفيها توفي أبو منصور البأآر- كالقفّال- نسبة إلى عمل البئر- إبراهيم ابن الفضل الأصبهاني الحافظ. روى عن أبي الحسين بن النّقور وخلق.

قال ابن السمعاني: رحل وسمع، وما أظن أحدا بعد ابن طاهر المقدسي رحل وطوّف مثله، أو جمع الأبواب كجمعه، إلّا أن البأآر لحقه الإدبار في آخر الأمر، فكان يقف في سوق أصبهان ويروي من حفظه بسنده، وسمعت أنه يضع في الحال.

وقال لي إسماعيل بن محمد الحافظ: أشكر الله كيف ما لحقته.

وأما ابن طاهر المقدسي فجرب عليه الكذب مرّات. قاله في «العبر».

وفيها سلطان بن يحيى بن علي بن عبد العزيز زين القضاة أبو المكارم القرشي الدمشقي. روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء وجماعة وناب في القضاء عن أبيه ووعظ وأفتى.

وفيها علي بن أحمد بن منصور بن قيس الغسّاني أبو الحسن المالكي، النحوي الزاهد، شيخ دمشق ومحدّثها. روى عن أبي القاسم السميساطي، وأبي بكر الخطيب، وعدة.

قال السّلفي: لم يكن في وقته مثله بدمشق، كان زاهدا عابدا، ثقة.

وقال ابن عساكر: كان متحرّزا، متيقظا، منقطعا في بيته بدرب النقاشة أو ببيته الذي في المنارة الشرقية بالجامع، مفتيا يقرئ الفرائض والنحو.

وفيها أبو سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه الأصبهاني المزكّي.

راوي «مسند البرقاني» عن أبي الفضل الرازي، توفي في ذي القعدة.

وفيها أبو عبد الله محمد بن حمّويه الجويني الزاهد، شيخ الصوفية بخراسان. له مصنّف في التصوف، وكان زاهدا، عارفا، قدوة، بعيد الصيت. روى عن موسى بن عمران الأنصاري وجماعة، وعاش اثنتين وثمانين سنة، وهو جدّ بني حمّويه.

قال السخاوي: دفن في داره ببحيراباذا، إحدى قرى جوين، وقرأ الفقه والأصول على إمام الحرمين، ثم انجذب إلى الزهد وحجّ مرّات، وكان مستجاب الدعاء، وصنّف كتاب «لطائف الأذهان في تفسير القرآن» و «سلوة الطالبين في سيرة سيد المرسلين» ﷺ» وكتابا في علم الصوفية، وغير ذلك.

ولد سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وأخذ طريقة التصوف عن أبي الفضل علي بن محمد الفارمذي عن أبي القاسم الطّوسي عن أبي عثمان سعيد بن سلام المغربي عن الزجاجي، عن الجنيد. انتهى.

وفيها أبو بكر محمد بن علي بن أبي ذرّ الصالحاني، مسند

أصبهان في زمانه، وآخر من حدّث عن أبي طاهر بن عبد الرحيم الكاتب.

كان صالحا صحيح السماع، توفي في جمادى الآخرة عن اثنتين وتسعين سنة، وآخر أصحابه عين الشمس. قاله في «العبر».

وفيها [أبو] عبد الله الفراوي- بضم الفاء، نسبة إلى فراوة بلد قرب خوارزم- محمد بن الفضل بن أحمد الصّاعدي النيسابوري، راوي «صحيح مسلم» عن الفارسي، ومسند خراسان، وفقيه الحرم. كان شافعيا مفتيا مناظرا، صحب إمام الحرمين مدّة، وعاش تسعين سنة.

قال ابن شهبة: يعرف بفقيه الحرم، لأنه أقام بالحرمين مدة طويلة، ينشر العلم، ويسمّع الحديث، ويعظ الناس، ويذكّرهم. أخذ الأصول والتفسير عن أبي القاسم القشيري، وتفقّه بإمام الحرمين، وسمع من خلق كثير، وتفرّد ب «صحيح مسلم».

وقال ابن السمعاني: هو إمام مفت، مناظر، واعظ، حسن الأخلاق والمعاشرة، جواد، مكرم للغرباء، ما رأيت في شيوخنا مثله. ثم حكي عن بعضهم أنه قال: الفراوي ألف راوي.

قال الذهبي: وقد أملى أكثر من ألف مجلس، توفي في شوال، ودفن إلى جانب ابن خزيمة.

وفيها كافور النبويّ من خدّام النّبيّ، ﷺ، كان أسود، خصيا، طويلا، لا لحية له.

ومن شعره:

حتّام همّك في حلّ وترحالتبغي العلا والمعالي مهرها غالي
يا طالب المجد دون المجد ملحمةفي طيّها تلف للنّفس والمال
ولليالي صروف قلّما انجذبتإلى مراد امرئ يسعى لآمال

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.