تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وعشرين وخمسمائة

فيها توفي أبو الوفاء أحمد بن علي الشيرازي الزاهد الكبير، صاحب الرباط، والأصحاب، والمريدين ببغداد، وكان يحضر السماع.

وفيها أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز بن أبي الصّلت الدّاني الأندلسي، صاحب الفلسفة، وكان ماهرا في علوم الأوائل الطبيعي، والرياضي، والإلهي، كثير التصانيف، بديع النظم، عاش ثماني وستين سنة، وكان رأسا في معرفة الهيئة، والنجوم، والموسيقا.

تنقل في البلاد ومات غريبا، وذكره العماد الكاتب في «الخريدة» وأثنى عليه، وذكر شيئا من نظمه، ومن جملة ما ذكر قوله:

وقائلة ما بال مثلك خاملاأأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فقلت لها ذنبي إلى القوم أنّنيلما لم يحوزوه من المجد حائز
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وما فاتني شيء سوى الحظّ وحدهوأمّا المعالي فهي عندي غرائز
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وله أيضا:

جدّ بقلبي وعبثثمّ مضى وما اكترث
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وا حربا من شادنفي عقد الصّبر نفث
يقتل من شاء بعينيهـ ومن شاء بعث
فأيّ ودّ لم يخنوأيّ عهد ما نكث
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وله أيضا:

دبّ العذار بخدّه ثم انثنىعن لثم مبسمه البرود الأشنب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
لا غرو إن خشي الردى في لثمهفالرّيق سمّ قاتل للعقرب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

ومن شعره أيضا:

ومهفهف تركت محاسن وجههما مجّه في الكأس من إبريقه
ففعالها من مقلتيه ولونهامن وجنتيه وطعمها من ريقه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وأورد له أيضا في كتاب «الخريدة»:

عجبت من طرفك في ضعفهكيف يصيد البطل الأصيدا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
يفعل فينا وهو في غمدهما يفعل السيف إذا جرّدا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وشعره كثير وجيد، وآخر شعر قاله أبيات أوصى أن تكتب على قبره وهي:

سكنتك يا دار الفناء مصدّقابأني إلى دار البقاء أصير
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرإلى عادل في الحكم ليس يجور
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندهاوزادي قليل والذنوب كثير
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فإن أك مجزيّا بذنبي فإننيبشرّ عقاب المذنبين جدير
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وإن يك عفو منه عني ورحمةفثمّ نعيم دائم وسرور

ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز:

عبد العزيز خليفتيربّ السماء عليك بعدي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
أنا قد عهدت إليك ماتدريه فاحفظ فيه عهدي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فلئن عملت به فإنك لا تزال حليف رشد
ولئن نكثت لقد ضللت وقد نصحتك حسب جهدي

وقال ابن خلّكان: وجدت في مجموع لبعض المغاربة، أن أبا الصّلت المذكور مولده في دانية مدينة من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة، وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس كأبي الوليد الوقّشي قاضي دانية وغيره، وقدم الإسكندرية مع أمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ونفاه الأفضل شاهنشاه من مصر سنة خمس وخمسمائة، وتردّد بالإسكندرية إلى أن سافر سنة ست وخمسمائة، فحلّ بالمهدية، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس، منزلة جليلة، وولد له بها ولد سمّاه عبد العزيز، وكان شاعرا ماهرا، له في الشطرنج يد بيضاء. وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست وأربعين وخمسمائة.

وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة «العمل بالأسطرلاب» وكتاب «الوجيز» في علم الهيئة، وكتاب «الأدوية المفردة» وكتابا في المنطق سماه «تقويم الأذهان» وغير ذلك. ولما صنّف «الوجيز» للأفضل عرضه

على منجمه أبي عبد الله الحلبي، فلما وقف عليه قال له: هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدئ، ويستغني عنه المنتهي.

وله من أبيات:

كيف لا تبلى غلائلهوهو بدر وهي كتّان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «اسقني فاليوم نشوان»

انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وفيها أبو علي الفارقي، الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون، شيخ الشافعية.

ولد بميّافارقين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتفقّه على محمد بن بيان الكازروني، ثم ارتحل إلى الشيخ أبي إسحاق وحفظ عليه «المهذب» وتفقّه على ابن الصباغ، وحفظ عليه «الشامل».

وكان ورعا زاهدا صاحب حقّ، مجوّدا لحفظ الكتابين، يكرر عليهما.

وقد سمع من أبي جعفر بن المسلمة وجماعة، وولي قضاء واسط مدّة. وبها توفي في المحرم عن خمس وتسعين سنة، وعليه تفقّه القاضي أبو سعد بن أبي عصرون.

وفيها عبد الله بن المبارك، ويعرف بعسكر بن الحسن العكبري، المقرئ الفقيه، أبو محمد، ويعرف بابن نبال الحنبلي. سمع من أبي نصر الزّينبي، وأبي الحسين العاصمي، وغيرهما، وتفقّه على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي سعد البرداني، وكان يصحب شافعا الجيلي، فأشار عليه

بشراء كتب ابن عقيل، فباع ملكا له واشترى بثمنه كتاب «الفنون» وكتاب «الفصول» ووقفهما على المسلمين. وكان خيّرا من أهل السّنّة، وحدّث.

وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشري جمادى الأولى عن نيف وسبعين سنة.

ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وفيها عبد الواحد بن شنيف بن محمد بن عبد الواحد الدّيلمي البغدادي، الفقيه الحنبلي، أبو الفرج، أحد أكابر الفقهاء. تفقّه على أبي علي البرداني، وبرع، وكان مناظرا مجوّدا وأمينا من قبل القضاة، ويباشر بعض الولايات، وله دنيا واسعة. وكان ذا فطنة، وشجاعة، وقوة قلب، وعفة، ونزاهة، وأمانة.

قال ابن النجار: كان مشهورا بالديانة وحسن الطريقة، ولم تكن له رواية في الحديث. توفي- رحمه الله تعالى- ليلة السبت حادي عشري شعبان، وصلى عليه الشيخ عبد القادر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، ﵁.

وفيها أبو الحسن علي بن أبي القاسم بن أبي زرعة الطبري، المقرئ المحدّث، الفقيه الحنبلي الزاهد، من أهل آمل طبرستان.

ذكره ابن السمعاني فقال: شيخ صالح خيّر ديّن كثير العبادة والذكر، مستعمل السنن مبالغ فيها جهده. وكان مشهورا بالزهد والديانة، رحل بنفسه في طلب الحديث إلى أصبهان، وسمع بها جماعة من أصحاب أبي نعيم الحافظ، كأبي سعد المطرّز، وأبي علي الحداد، وغيرهما. وسمع.

ببلده آمل من أبي المحاسن الرّوياني الفقيه، وأبي بكر بن الخطّاب، وتوفي بالعسيلة بعد فراغه من الحج، والعمرة، والزيارة، في المحرم ودفن بها.

انتهى.

وفيها أبو القاسم هبة الله بن أحمد الواسطي الشّروطي. روى عن الخطيب وابن المسلمة، وتوفي في ذي الحجة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.