من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد الهاشمي العبّاسي المتوكلي. شريف صالح خيّر. روى عن الخطيب، وابن المسلمة، وعاش ثمانين سنة. ختم التراويح ليلة سبع وعشرين في رمضان، ورجع إلى منزله فسقط من السطح فمات، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الحسن الدّينوري علي بن عبد الواحد. روى عن القزويني، وأبي محمد الخلّال وجماعة، وهو أقدم شيخ لابن الجوزي. توفي في جمادي الآخرة.
وفيها أبو الحسن بن الفاعوس علي بن المبارك بن علي البغدادي الحنبلي الإسكاف الزاهد. كان يقصّ يوم الجمعة، وللناس فيه عقيدة لصلاحه وتقشّفه وإخلاصه. روى عن القاضي أبي يعلى وغيره، وسمع منه أبو المعمر الأنصاري، وكان يأتي ساقي الماء في مجلس إملائه فيتناول منه ليوهم الحاضرين أنه مفطر وأنه يشرب، ويكون صائما غالبا.
توفي ابن الفاعوس ليلة السبت تاسع عشر شوال وصلّي عليه من الغد بجامع القصر، وكان يوما مشهودا، ودفن قريبا من قبر الإمام أحمد، رضي الله
عنه. وغلّقت في ذلك اليوم أسواق بغداد، وكان أهل بغداد يصيحون في جنازته: هذا يوم سنّيّ حنبليّ، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو العزّ القلانسيّ محمد بن الحسين بن بندار الواسطي، مقرئ العراق، وصاحب التصانيف في القراءات. أخذ عن أبي يعلى غلام الهرّاس، وسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وفيه ضعف وكلام. توفي في شوال عن خمس وثمانين سنة.
وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد البطليوسي- بفتحتين وسكون اللام نسبة إلى بطليوس مدينة بالأندلس- النحوي كان عالما بالآداب واللغات، متبحرا فيها متبحرا في معرفتها وإتقانها، سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه، ويقرؤون عليه، ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، ثقة، ضابطا، ألّف كتبا نافعة ممتعة، منها كتاب «المثلث» في مجلدين أتى فيه بالعجائب، ودلّ على اطلاع عظيم - فإن مثلثة قطرب في كراسة واحدة، واستعمل فيها الضرورة وما لا يجوز وغلط في بعضها- وله كتاب «الاقتضاب في شرح أدب الكتاب» وشرح «سقط الزند» لأبي العلاء [المعري شرحا استوفى فيه المقاصد، وهو أحسن من شرح أبي العلاء] صاحب «الديوان» وله كتاب في الحروف الخمسة وهي السين والصاد والضاد والظاء والدال، جمع فيه كل غريب، وله كتاب «الحلل في شرح أبيات الجمل» و «الخلل في أغاليط الجمل» أيضا وكتاب «التنبيه على
الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة» وكتاب «شرح الموطأ» وغير ذلك. وقيل:
إنه لم يخرج من المغرب. وبالجملة فكل شيء تكلم فيه ففي غاية الجودة، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله:
أخو العلم حيّ خالد بعد موتهوأوصاله تحت التّراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرىيظنّ من الأحياء وهو عديم
وله في طول الليل:
أرى ليلنا شابت نواصيه كبرةكما شبت أم في الجوّ روض بهار
كأنّ الليالي السّبع في الجوّ جمّعتولا فصل فيما بينها لنهار
ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس، وتوفي في منتصف رجب بمدينة بلنسية.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع