من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبع عشرة وخمسمائة
في أولها التقى الخليفة المسترشد بالله، ودبيس الأسدي، وكان دبيس قد طغى وتمرّد، ووعد عسكره بنهب بغداد، فجرد المسترشد يومئذ سيفه، ووقف على تلّ، فانهزم جمع دبيس، وقتل خلق منهم، وقتل من جيش الخليفة نحو العشرين، وعاد مؤيدا منصورا. وذهب دبيس فعاث ونهب، وقتل بنواحي البصرة.
وفيها توفي ابن الطّيوري أبو سعد، أحمد بن عبد الجبّار الصيرفي، ببغداد، في رجب، عن ثلاث وثمانين سنة، وكان صالحا أكثر بإفادة أخيه المبارك، وروى عن ابن غيلان، والخلّال، وأجاز له الصّوري، وأبو علي الأهوازي.
وفيها ابن الخيّاط الشاعر المشهور أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التّغلبي الدمشقي الكاتب، كان من الشعراء المجيدين، طاف البلاد، وامتدح الناس، ودخل بلاد العجم، وامتدح بها، ولما اجتمع بأبي الفتيان بن حيّوس، الشاعر بحلب، وعرض عليه شعره، قال: قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي، فقلما نشأ ذو صناعة مهر فيها إلا وكان دليلا على موت الشيخ من أبناء جنسه.
وشعره في الذّروة العليا، ولو لم يكن له إلّا قصيدته البائية لكفاه، فكيف وأكثر قصائده غرر، وهي:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبهفقد كاد ريّاها يطير بلبّه
وإياكما ذاك النّسيم فإنهمتى هبّ كان الوجد أيسر خطبه
خليليّ لو أحببتما لعلمتمامحلّ الهوى من مغرم القلب صبّه
تذكّر والذّكرى تشوق وذو الهوىيتوق ومن يعلق به الحبّ يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائهوشوق على بعد المزار وقربه
وفي الرّكب مطويّ الضلوع على جوىمتى يدعه داعي الغرام يلبّه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحةتضمّن منها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنّة معرضوفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحيّ أنّةحذارا وخوفا أن تكون لحبّه
وهي طويلة.
وله بيتان من قصيدة:
وبالجزع حيّ كلما عنّ ذكرهمأمات الهوى مني فؤادا وأحياه
تمنّيتهم بالرقمتين ودارهمبوادي الغضا يا بعد ما أتمنّاه
قال صاحب «العبر»: يعرف ابن الخياط بابن سني الدولة الطرابلسي، عاش سبعا وستين سنة، وكتب أولا لبعض الأمراء، ثم مدح الملوك والكبار، وبلغ في النظم الذّروة العليا. أخذ يحدّث عن أبي الفتيان محمد بن حيّوس، وأخذ عنه ابن القيسراني.
قال السّلفي: كان شاعر الشام في زمانه، قد اخترت من شعره مجلّدة لطيفة فسمعتها منه.
قال ابن القيسراني: وقّع الوزير هبة الله بن بديع لابن الخيّاط مرّة بألف دينار، توفي في رمضان بدمشق.
وفيها حمزة بن العبّاس العلوي أبو محمد الأصبهاني الصوفي. روى عن أبي الطاهر بن عبد الرّحيم، وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها ظريف بن محمد بن عبد العزيز أبو الحسن الحيري النيسابوري. روى عن أبي حفص بن مسرور وطائفة، وكان ثقة من أولاد المحدّثين. توفي في ذي القعدة، وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها أبو محمد الشّنتريني- بفتح المعجمة أوله والفوقية، وسكون النون وكسر الراء، نسبة إلى شنترين، مدينة من عمل باجة. قاله السيوطي.
وقال ابن خلّكان: هي بلدة في غرب جزيرة الأندلس- عبد الله بن محمد بن سارة البكري، الشاعر المفلق اللغوي، وله ديوان معروف.
قال ابن خلّكان: كان شاعرا ماهرا، ناظما ناثرا، إلّا أنه كان قليل الحظ، إلّا من الحرمان لم يسعه مكان، ولا اشتمل عليه سلطان، ذكره صاحب «قلائد العقيان» وأثنى عليه ابن بسام في «الذخيرة» وقال: إنه تتبع المحقرات، وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة، فلما كان من خلع
الملوك ما كان، أوى إلى إشبيلية أوحش حالا من الليل وأعثر انفرادا من سهيل، وتبلّغ بالوراقة، وله منها جانب، وبها بصر ثاقب، فانتحلها على كساد سوقها، وخلو طريقها، وفيها يقول:
أمّا الوارقة فهي أنكد حرفةأوراقها وثمارها الحرمان
شبّهت صاحبها بصاحب إبرةتكسو العراة وجسمها عريان
وله أيضا:
ومعذّر راقت حواشي حسنهفقلوبنا وجدا عليه رقاق
لم يكس عارضة السواد وإنمانفضت عليه سوادها الأحداق
وله في غلام أزرق العينين:
ومهفهف أبصرت في أطواقهقمرا بأطراف المحاسن يشرق
تقضي على المهجات منه صعدةمتألّق فيها سنان أزرق
وأورد له صاحب [كتاب] «الحديقة»:
أسنى ليالي الدّهر عندي ليلةلم أخل فيها الكأس من أعمالي
فرّقت فيها بين جفني والكرىوجمعت بين القرط والخلخال
وله في الزهد:
يا من يصيخ إلى داعي السّفاه وقدنادى به النّاعيان: الشّيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذّكرى ففيم ثوىفي رأسك الواعيان: السّمع والبصر
ليس الأصمّ ولا الأعمى سوى رجللم يهده الهاديان: العين والأثر
لا الدّهر يبقى ولا الدّنيا ولا الفلك الأعلى ولا النّيّران الشمس والقمر
ليرحلنّ عن الدّنيا وإن كرهافراقها الثّاويان: البدو والحضر
وله ديوان شعر أكثره جيد، وكانت وفاته بمدينة المريّة من جزيرة الأندلس.
وفيها أبو نعيم عبيد الله بن أبي علي الحسن بن أحمد الحداد الأصبهاني، الحافظ مؤلف «أطراف الصحيحين» كان عجبا في الإحسان إلى الرحّالة وإفادتهم، مع الزهد، والعبادة، والفضيلة التامة. روى عن عبد الوهاب بن مندة، ولقي بنيسابور أبا المظفر موسى بن عمران وطبقته، وبهراة العميري، وببغداد النّعالي، توفي في جمادى الأولى، عن أربع وخمسين سنة.
وفيها أبو سعد محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني، ويعرف بالخيّاط الحنبلي، من أهل أصبهان.
قدم بغداد واستوطنها مدة طويلة، وسمع من مشايخها، وانتخب وعلّق، وكتب بخطه كثيرا، وحصّل الأصول والنّسخ، وجمع كثيرا جدا من الحديث، والفقه، وأنفذه إلى أصبهان، وأدركه أجله ببغداد. حدّث ببغداد عن أبي القاسم بن مندة إجازة، وعن غيره سماعا، وكتب عنه ابن عامر العبدريّ وابن ناصر.
قال ابن النجار: كان من أهل السّنّة المحقّقين، المبالغين، المشدّدين، ظاهر الصلاح، قليل المخالطة للناس. كان حنبليا متعصبا لمذهبه، مشددا في ذلك.
توفي يوم الخميس سادس عشري ذي الحجة، ودفن بباب حرب، ولم يخلّف وارثا ولم يتزوج قطّ.
وفيها أبو الغنائم بن المهتدي بالله محمد بن محمد بن أحمد الهاشمي الخطيب. روى عن أبي الحسن القزويني، والبرمكي، وطائفة، وتوفي في ربيع الأول.
وفيها أبو الحسن الزّعفراني، محمد بن مرزوق البغدادي، الحافظ التاجر، أكثر عن ابن المسلمة، وأبي بكر الخطيب، وسمع بدمشق، ومصر، وأصبهان، وتوفي في صفر، عن خمس وسبعين سنة، وكان متقنا ضابطا، يفهم ويذاكر.
وفيها أبو صادق، مرشد بن يحيى بن القاسم المديني ثم المصري.
روى عن ابن حمّصة، وأبي الحسن الطّفّال، وعلي بن محمد الفارسي، وعدة، وكان أسند من بقي بمصر، مع الثقة والخير، توفي في ذي القعدة، عن سنّ عالية.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع