تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ست عشرة وخمسمائة

فيها توفي إيل غازي بن أرتق بن أكسب نجم الدّين التركماني، صاحب ماردين، وليها بعد أخيه سقمان، وكانا من أمراء تتش صاحب الشام، وكان إيل غازي قد استولى على حلب بعد موت أولاد تتش، واستولى على ميّافارقين، وكان فارسا شجاعا كثير الغزو كثير العطاء، ولّى بعده بماردين ابنه حسام الدّين تمرتاش.

وفيها الباقرحي- بفتح القاف وسكون الراء، ثم مهملة، نسبة إلى باقرحا من قرى بغداد- أبو علي الحسن بن محمد بن إسحاق. روى عن أبي الحسن القزويني، والبرمكي، وخلق، وتوفي في رجب.

وفيها البغوي محيي السّنّة أبو محمد. الحسين بن مسعود بن محمد ابن الفراء، ويعرف تارة بالفراء، الشافعي المحدّث المفسّر، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان. روى عن أبي عمر المليحي، وأبي الحسن الداودي، وطبقتهما. وكان سيدا، زاهدا، قانعا يأكل الخبز وحده، فليم في ذلك، فصار يأكله بالزيت. وكان أبوه يصنع الفراء. وتوفي ركن الدّين محيي السّنّة بمرو الرّوذ في شوال، ودفن عند شيخه القاضي حسين. قاله في «العبر».

وقال ابن الأهدل هو صاحب الفنون الجامعة، والمصنّفات النافعة، مع الزهد، والورع، والقناعة، وتفقّه بالقاضي حسين ولازمه، وسمع الحديث على جماعة، ثم برع، فصنّف التصانيف النافعة، منها «معالم التنزيل» و «الجمع بين الصحيحين» و «المصابيح» وغيرها. وصنّف في الفقه «التهذيب» و «شرح السّنّة» وكان لا يلقي الدرس إلّا على طهارة.

ونسبته إلى بغ قرية بقرب هراة. انتهى.

وقال السبكي في «تكملة شرح المهذب»: قلّ أن رأيناه يختار شيئا إلّا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره. هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على نبل كثير، وهو حري بذلك، فإنه جامع لعلوم القرآن، والسّنّة، والفقه.

انتهى.

قال الذهبي: ولم يحج، وأظنه جاوز الثمانين، رحمه الله تعالى.

وفيها أبو محمد السمرقندي الحافظ، عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أخو إسماعيل. ولد بدمشق، وسمع بها من أبي بكر الخطيب، وابن طلّاب، وجماعة. وببغداد من أبي الحسين بن النّقور، ودخل إلى نيسابور، وأصبهان، وعني بالحديث، وخرّج لنفسه «معجما» في مجلد،

وعاش اثنتين وسبعين سنة.

قال ابن ناصر الدّين: كان من الثقات النّقاد.

وفيها أبو القاسم بن الفحّام الصقلي، عبد الرحمن بن أبي بكر، عتيق بن خلف، مصنف «التجريد في القراءات» كان أسند من بقي بالدّيار المصرية في القراءات. قرأ على ابن نفيس وطبقته، ونيّف على التسعين، وتوفي في ذي القعدة.

وفيها أبو طالب اليوسفي، عبد القادر بن محمد بن عبد القادر البغدادي، في ذي الحجة، وهو في عشر التسعين. روى الكتب الكبار عن ابن المذهب، والبرمكي، وكان ثقة، عدلا، رضيا، عابدا. قاله في «العبر».

وفيها أبو طالب السّميرمي، علي بن أحمد الوزير، وزر ببغداد للسلطان محمود، وظلم، وفسق، وتجبّر، ومرق، حتّى قتل على يدي الباطنية. قاله في «العبر» أيضا.

وفيها أبو محمد الحريري، صاحب «المقامات» القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري، الأديب، حامل لواء البلاغة، وفارس النظم والنثر، وكان من رؤساء بلده. روى الحديث عن أبي تمّام محمد بن الحسين وغيره، وعاش سبعين سنة، وتوفي في رجب، وخلّف ولدين: النجم عبد الله، وضياء الإسلام عبيد الله، قاضي البصرة. قاله في «العبر».

وقال ابن خلّكان: كان أحد أئمة عصره، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب، من لغاتها، وأمثالها، ورموز أسرار كلامها، ومن عرفها حقّ معرفتها، استدل بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطلاعه، وغزارة مادته، وكان سبب وضعها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله، قال: كان أبي جالسا في مسجد بني حرام، فدخل شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، رثّ الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سروج، فاستخبروه عن كنيته فقال: أبو زيد، فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور، واشتهرت عنه فبلغ خبرها الوزير شرف الدّين أنو شروان بن خالد بن محمد القاشاني، وزير الإمام المسترشد بالله، فلما وقف عليها أعجبته، فأشار إلى والدي أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين، وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع. فهذا كان مستنده في نسبها إلى أبي زيد السروجي.

وذكر القاضي جمال الدّين بن الحسن بن علي الشيباني القفطي وزير حلب، في كتابه المسمى «إنباه الرواة على أنباء النحاة» أن أبا زيد المذكور اسمه المطهّر بن سلّار كان بصريا، نحويا، لغويا، صحب

الحريري المذكور، واشتغل عليه بالبصرة وتخرّج به، وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد بن المندائيّ الواسطي ملحة الإعراب وذكر أنه سمعها منه عن الحريري، وقال: قدم علينا واسط سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فسمعنا منه، وتوجه منها مصعدا إلى بغداد، فوصلها وأقام بها مدة يسيرة، وتوفي بها، وكذا ذكره السمعاني في «الذيل» والعماد في «الخريدة» وأما تسميته الراوي [لها] بالحارث بن همّام، فإنما عنى به نفسه وهو مأخوذ من قوله ﷺ: «كلّكم حارث وكلّكم همّام» فالحارث الكاسب، والهمّام الكثير الاهتمام، وما من شخص إلّا وهو حارث وهمّام، لأنّ كل أحد كاسب ومهتم بأموره.

وقد اعتنى بشرحها خلق كثير، فمنهم: من طوّل ومنهم من اختصر.

ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل «المقامات» عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد، وادعاها فلم يصدقه جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: إنها ليست من تعليقه بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة، مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشئ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيّنها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة،

ومكث زمانا فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر، فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح:

شيخ لنا من ربيعة الفرسينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان كمارماه وسط الديوان بالخرس

وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكرة، وكان يسكن في مشان البصرة، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر وسيّرها، واعتذر من عيه وحصره بالديوان، مما لحقه من المهابة.

وللحريري تآليف حسان، منها: «درة الغواص في أوهام الخواص» ومنها «ملحة الإعراب» وشرحها، وله ديوان رسائل، وشعر كثير، غير شعره الذي في «المقامات» فمن ذلك قوله وهو معنى حسن:

قال العواذل ما هذا الغرام بهأما ترى الشّعر في خدّيه قد نبتا
فقلت والله لو أن المفنّد ليتأمّل الرشد في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبةفكيف يرحل عنها والرّبيع أتى

وذكر له العماد الكاتب في «الخريدة»:

كم ظباء بحاجرفتنت بالمحاجر
ونفوس نفائسخدرت بالمخادر
وتثنّ لخاطرهاج وجدا لخاطري
وعذار لأجلهعاذلي فيه عاذري
وشجون تضافرتعند كشف الضّفائر

ويحكى أنه كان ذميما قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله، ففهم الحريري ذلك منه، فلما التمس منه أن يملي عليه، قال له: اكتب:

ما أنت أول سار غرّه قمرورائد أعجبته خضرة الدّمن
فانظر لنفسك غيري إنني رجلمثل المعيديّ فاسمع بي ولا ترني

فخجل الرجل منه وانصرف عنه.

وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين وأربعمائة. وتوفي بالبصرة في سكة بني حرام، وخلّف ولدين.

قال أبو منصور الجواليقي: أجازني «المقامات» نجم الدّين عبد الله، وقاضي قضاة البصرة ضياء الإسلام عبيد الله، عن أبيهما منشئها.

والمشان: بليدة فوق البصرة، كثيرة النخل، موصوفة بشدة الوخم، وكان أهل الحريري منها، ويقال: إنه كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة، وأنه كان من ذوي اليسار. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

ويحكى أن الحريريّ جاءه رجل يقرأ عليه «مقاماته» فلما وصل إلى قوله:

يا أهل ذا المغني وقيتم شرّاولا لقيتم ما بقيتم ضرّا
قد دفع اللّيل الذي اكفهرّاإلى حماكم شعثا مغبرّا

فصحفها «سغبا معترّا» فقال له الحريري الرواية: «شعثا مغبرّا» ولكن والله لولا أني كتبت خطي على أكثر من خمسمائة نسخة، وطارت في الآفاق لأصلحت البيت، وجعلته كما أنشدته أنت، فإن الطارق ليلا المناسب له أن يكون «سبغا معترّا» لا «شعثا مغبرّا» وعكسه الآتي نهارا.

وبالجملة فالشيخ- رحمه الله تعالى- كان أعجوبة الدّهر ونادرة الزمان، فرحمه الله تعالى وأجزل له الغفران، آمين.

وفيها الدّقّاق أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الأصبهاني الحافظ الرحّال، عن ثمانين سنة. روى عن عبد الله بن شبيب الخطيب، والباطرقاني، وعبد الرحمن بن أحمد الرّازي، وعني بهذا الفن، وكتب عمّن دبّ ودرج، وكان محدّثا، أثريا، فقيرا، متقللا. توفي في شوال.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.