من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع وخمسمائة
فيها توفي ابن ملّة أبو عثمان إسماعيل بن محمد الأصبهاني الواعظ المحتسب، صاحب تلك المجالس.
قال ابن ناصر: وضع حديثا وكان يخلّط.
وقال الذهبي: روى عن ابن ريذة وجماعة.
وفيها أبو شجاع الدّيلمي، شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنّا خسرو- بفاء ونون، وخاء معجمة، وسين وراء مهملتين، بعدهما واو- الهمذاني الحافظ، صاحب كتاب «الفردوس» و «تاريخ همذان» وغير ذلك، توفي في رجب عن أربع وسبعين سنة. وغيره أتقن منه. سمع الكثير من يوسف بن محمد المستملي وطبقته.
وقال ابن شهبة في «طبقات الشافعية»: وهو من ولد الضحّاك بن فيروز الصحابي.
ذكره ابن الصلاح فقال: كان محدّثا، واسع الرحلة، حسن الخلق
والخلق، ذكيا، صلبا في السّنّة، قليل الكلام، صنّف تصانيف اشتهرت عنه، منها «كتاب الفردوس» وكتاب في حكايات المنامات، وكتابا في تاريخ همذان.
ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب، سنة تسع وخمسمائة. انتهى.
وفيها غيث بن علي أبو الفرج الصّوري [الأرمنازي، خطيب صور] ومحدّثها.
روى عن أبي بكر الخطيب، ورحل إلى دمشق ومصر، وعاش ستا وستين سنة.
وفيها الشريف أبو يعلى بن الهبّارية - بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة، وبعد الألف راء، نسبة إلى هبّار جد أبي يعلى المذكور- محمد بن محمد بن صالح الهاشمي، الشاعر المشهور الهجّاء، الملقب نظام الدّين البغدادي. كان شاعرا مجيدا حسن المقاصد، لكنه خبيث اللسان، كثير الهجاء والوقوع في الناس، لا يكاد يسلم من لسانه أحد.
ذكره العماد الكاتب في «الخريدة» فقال: من شعراء نظام الملك، غلب على شعره الهجاء، والهزل، والسخف، وسبك في قالب ابن حجّاج، وسلك أسلوبه، وفاقه في الخلاعة. والنظيف من شعره في غاية الحسن.
انتهى كلام العماد.
وكان ملازما لخدمة نظام الملك وولده ملكشاه.
ومن معاني شعره الغريبة قوله:
قالوا أقمت وما رزقت وإنمابالسير يكتسب اللّبيب ويرزق
فأجبتهم ما كلّ سير نافعاالحظّ ينفع لا الرحيل المقلق
كم سفرة نفعت وأخرى مثلهاضرّت ويكتسب الحريص ويخفق
كالبدر يكتسب الكمال بسيرهوبه إذا حرم السعادة يمحق
وله أيضا:
خذ جملة البلوى ودع تفصيلهاما في البرية كلها إنسان
وإذا البياذق في الدّسوت تفرزنتفالرأي أن يتبيذق الفرزان
وله على سبيل الخلاعة والمجون:
يقول أبو سعيد إذ رآنيعفيفا منذ عام ما شربت
على يد أي شيخ تبت قل ليفقلت على يد الإفلاس تبت
وله في المعنى أيضا:
رأيت في الليل عرسي وهي ممسكةذقني وفي يدها شيء من الأدم
معوّج الشكل مسودّ به نقطلكنّ أسفله في هيئة القدم
حتى تنبّهت محمّر القذال ولوطال المنام على الشيخ الأديب عمي
وله كتاب «نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة» وديوان شعره [كبير] يدخل في أربع مجلدات، ومن غرائب نظمه كتاب «الصادح والباغم» نظمه على أسلوب «كليلة ودمنة» وهو أراجيز، وعدد بيوته ألفا بيت، نظمها في عشر
سنين، ولقد أجاد فيه كل الإجادة، وسيّر الكتاب على يد ولده إلى الأمير أبي الحسن صدقة بن منصور الأسدي، صاحب الحلّة، وختمه بهذه الأبيات:
هذا كتاب حسنتحار فيه الفطن
أنفقت فيه مدّهمعشر سنين عدّه
منذ سمعت باسمكاوضعته برسمكا
بيوته ألفانجميعها معاني
لفضل كلّ شاعروناظم وناثر
كعمر نوح التالدفي نظم بيت واحد
من مثله لما قدرما كل من قال شعر
أنفذته مع ولديبل مهجتي وكبدي
وأنت عند ظنيأهل لكل من
وقد طوى إليكاتوكلا عليكا
مشقة شديدهوشقة بعيده
ولو تركت جيتسعيا وما ونيت
إن الفخار والعلىإرثك من دون الورى
فأجزل صلته وأسنى جائزته.
وتوفي ابن الهبّارية بكرمان.
وفيها أبو البركات بن السّقطي، هبة الله بن المبارك البغدادي الحنبلي، اتهمه بالوضع ابن حجر في كتابه «تبيين العجب بما ورد في شهر رجب» وقال عن السقطي: هذا آفة، يعني في وضع الأحاديث.
قال في «العبر»: أحد المحدّثين الضعفاء. له «معجم» في مجلد.
كذّبه ابن ناصر.
وفيها أبو البركات العسّال، محمد بن سعد بن سعيد المقرئ الحنبلي ابن الحنبلي.
ولد في ربيع الآخر، سنة ستين وأربعمائة، وقرأ بالروايات على رزق الله التميمي وغيره، وسمع من أبي نصر الزّينبي، وأبي الغنائم، وغيرهما، وعلّق الفقه على ابن عقيل.
وكان من القراء المجوّدين الموصوفين بحسن الأداء وطيب النغمة، يقصد في رمضان لسماع قراءته في صلاة التراويح، من الأماكن البعيدة، وكان ديّنا صالحا ورعا صدوقا، وسمع منه ابن ناصر، والسّلفي، وقال:
كتب الحديث الكثير معنا وقبلنا، وهو حنبلي المذهب، علّق الفقه على ابن عقيل، وتوفي يوم الثلاثاء سابع رمضان.
وفيها يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس، السلطان أبو طاهر الحميري صاحب إفريقية، نشر العدل وافتتح عدة حصون لم يتهيأ لأبيه فتحها، وكان جوادا ممدّحا، عالما، كثير المطالعة، توفي فجأة يوم الأضحى، وخلّف ثلاثين ابنا، فتملك بعده ابنه عليّ ستة أعوام، ومات، فملّكوا بعده ابنه الحسن بن علي وهو مراهق، فامتدت دولته إلى أن أخذت الفرنج طرابلس الغرب بالسيف، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فخاف وفرّ من المهدية، والتجأ إلى عبد المؤمن. قاله في «العبر».
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع