تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة سبع وخمسمائة

فيها توفي أبو بكر الحلواني أحمد بن علي بن بدران، ويعرف بخالوه. ثقة زاهد متعبد. روى عن القاضي أبي الطّيب الطبري وطائفة.

وفيها رضوان، صاحب حلب ابن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان السلجوقي، ومنه أخذت الفرنج أنطاكية، وملك بعده ابنه ألب أرسلان الأخرس.

وفيها الحافظ شجاع بن فارس أبو غالب الذّهلي السّهروردي- بضم السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء ومهملة، نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان - ثم البغدادي، وله تسع وسبعون سنة. نسخ ما لا يدخل تحت الحصر من التفسير، والحديث، والفقه، لنفسه وللناس، حتّى إنه كتب شعر ابن الحجّاج سبع مرّات، وروى عن ابن غيلان، وعبد العزيز الأزجي، وخلق، وتوفي في جمادى الأولى.

قال ابن ناصر الدّين: هو حافظ عمدة إمام.

وفيها عبد الله بن مرزوق أبو الخير الأصم الهروي، مولى شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري. كان من الحفّاظ الزهّاد المتقنين. قاله ابن ناصر الدّين.

وفيها الشّاشي المعروف بالمستظهري، فخر الإسلام أبو بكر محمد ابن أحمد بن الحسين، شيخ الشافعية. ولد بميّافارقين سنة تسع وعشرين، وتفقه على محمد بن بيان الكازروني، ثم لزم ببغداد الشيخ أبا إسحاق، وابن الصباغ، وصنّف وأفتى، وولي تدريس النظامية، وتوفي في شوال، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق، وقيل: معه في قبر واحد. ومن تصانيفه «حلية العلماء» وسماه «المستظهري» وغيره، وانتهت إليه رئاسة الشافعية بعد انقراض مشايخه، فكان ينشد:

خلت الدّيار فسدت غير مسوّدومن العناء تفرّدي بالسؤدد
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

ذكره في بعض دروسه ووضع المنديل على عينيه وبكى بكاء شديدا.

قال ابن شهبة: كان مهيبا، وقورا، متواضعا، ورعا، وكان يلقب بين الطلبة في حداثته بالجنيد، لشدة ورعه، وله شعر حسن. وقع بينه وبين الدامغاني، فأنشأ فيه الشاشي:

حجاب وإعجاب وفرط تصلفومدّ يد نحو العلا بتكلّف
للشاعر ذو المفاخر الهمذاني النِيرَماني، اقرأ القصيدة
ولو كان هذا من وراء كفايةلهان ولكن من وراء تخلّف

ومن تصانيفه «الشافي في شرح الشامل» في عشرين مجلدا، ومات وقد بقي منه نحو الخمس وكتاب «الحلية» في مجلدين، وذكر فيه خلافا كثيرا للعلماء، صنفه للخليفة المستظهر بالله، ولذلك يلقب بالمستظهري، وتصنيف لطيف في [المسألة] السريجية واختار فيه عدم الوقوع. انتهى ملخصا.

وفيها أبو منصور علي بن محمد بن علي بن إسماعيل الأنباري، القاضي الفقيه الحنبلي الواعظ.

ولد يوم الخميس خامس عشري ذي الحجة، سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وقرأ القرآن على ابن الشّرمقاني.

وسمع الحديث من أبي طالب بن غيلان، والجوهري وأبي إسحاق البرمكي، وأبي بكر بن بشران، وغيرهم.

وسمع من القاضي أبي يعلى، وتفقه عليه حتّى برع في الفقه، وأفتى ووعظ، وكان مظهرا للسّنّة في مجالسه.

وشهد عند ابن الدامغاني، وأبي بكر السّامي، وغيرهما. وولي القضاء بباب الطاق، وحدّث وانتشرت الرواية عنه. روى عنه عبد الوهاب الأنماطي، والسّلفي، وغيرهما، وتوفي يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، وتبعه من الخلق ما لا يحصى كثرة، ولا يعدّهم إلّا أسرع الحاسبين. قاله ابن رجب.

وفيها أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي الحافظ القيسراني، ذو الرحلة الواسعة، والتصانيف والتعاليق، عاش ستين سنة، وسمع بالقدس أولا من ابن ورقاء، وببغداد من أبي محمد الصّريفيني، وبنيسابور من الفضل بن المحب، وبهراة من بيبى، وبأصبهان، وشيراز، والرّي، ودمشق، ومصر، من هذه الطبقة، وكان من أسرع الناس كتابة، وأذكاهم وأعرفهم بالحديث، والله يرحمه ويسامحه. قاله الذهبي.

وقال إسماعيل محمد بن الفضل الحافظ: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر.

وقال السّلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت البخاريّ، ومسلم، وأبا داود، وابن ماجة سبع مرات بالوراقة.

وقال الحافظ ابن ناصر الدّين: كان حافظا، مكثرا، جوّالا في البلاد، كثير الكتابة، جيد المعرفة، ثقة في نفسه، حسن الانتقاد ولولا ما ذهب إليه من إباحة السماع لا نعقد على ثقته الإجماع.

وفيها أبو المظفّر الأبيوردي- بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء التحتية وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة، نسبة إلى أبيورد، ويقال لها: أبا ورد وباورد، وهي بلدة بخراسان - محمد بن أبي العبّاس أحمد بن إسحاق الأموي المعاوي اللّغوي الشاعر الأخباري النسابة، صاحب

التصانيف والبلاغة والفصاحة، وكان رئيسا عالي الهمة، ذا بأو وتيه وصلف، توفي بأصبهان مسموما. قاله في «العبر».

وقال ابن خلّكان: كان من الأدباء المشاهير، راوية، نسابة، شاعرا ظريفا، قسم ديوانه إلى أقسام، منها: «العراقيات» ومنها «الوجديات»، ومنها «النجديات» وغير ذلك، وكان من أخبر الناس بعلم الأنساب، نقل عنه الحفاظ الأثبات الثقات.

وقد روى عنه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في غير موضع من كتابه الذي وضعه في «الأنساب» وقال في حقه في ترجمة المعاوي: إنه كان أوحد أهل زمانه في علوم عدّة، وقد أوردنا عنه في غير موضع من هذا الكتاب أشياء، وكان يكتب في نسبه المعاوي، وأليق ما وصف به بيت أبي العلاء المعري:

وإنّي وإن كنت الأخير زمانهلآت بما لم تستطعه الأوائل
للشاعر ابن زمرك، من قصيدة «نجوم أمدتها بدور كوامل»

انتهى كلام المقدسي.

وذكره أبو زكريا بن مندة في «تاريخ أصبهان» فقال: فخر الرؤساء أفضل الدولة، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، يتصرف، في فنون جمة من العلوم، عارف بأنساب العرب، فصيح الكلام، حاذق في تصنيف الكتب، وافر العقل، كامل الفضل، فريد دهره ووحيد عصره. وكان فيه تيه وكبر وعزة

نفس، وكان إذا صلى يقول: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها.

وذكر عنه ابن السمعاني أنه كتب رقعة إلى أمير المؤمنين المستظهر بالله، وعلى رأسها الخادم المعاوي، فكره الخليفة النسبة إلى معاوية، فحكّ الميم ورد الرقعة إليه، فصار العاوي.

ومن محاسن شعره:

ملكنا أقاليم البلاد فأذعنتلنا رغبة أو رهبة عظماؤها
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «ألا من لنفس لا تزال مشيحة»
فلما انتهت أيامنا علقت بناشدائد أيام قليل رخاؤها
وكان إلينا في السّرور ابتسامهافصار علينا في الهموم بكاؤها
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «ألا من لنفس لا تزال مشيحة»
وصرنا نلاقي النائبات بأوجهرقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنتعلينا الليالي لم يدعنا حياؤها

وقوله أيضا:

تنكّر بي دهري ولم يدر أننيأعزّ وأحداث الزّمان تهون
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤهوبتّ أريه الصّبر كيف يكون
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «مقارعة الأيام اعيت تفنني فلم»

ومن شعره:

وهيفاء لا أصغي إلى من يلومنيعليها ويغريني بها أن أعيبها
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «وهيفاء لا أصغي إلى من يلومني»
أميل بإحدى مقلتيّ إذا بدتإليها وبالأخرى أراعي رقيبها
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «وهيفاء لا أصغي إلى من يلومني»
وقد غفل الواشي فلم يدر أننيأخذت لعيني من سليمى نصيبها

ومن معانيه البديعة قوله من جملة أبيات في وصف الخمرة:

ولها من ذاتها طربفلهذا يرقص الحبب
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «بأبي ريم تبلج لي»

وله من قصيدة:

فسد الزمان فكلّ من صاحبتهراج ينافق أو مداج خاشي
وإذا اختبرتهم ظفرت بباطنمتجهّم وبظاهر هشّاش
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «ومتيم زهرت بواقصة له»

وله تصانيف كثيرة، منها «تاريخ أبيورد ونسا» و «المختلف والمؤتلف» [و «طبقات كل فنّ» و «ما اختلف وائتلف] في أنساب العرب».

وله في اللغة مصنفات لم يسبق إلى مثلها، وكان حسن السيرة، جميل الأثر.

وكانت وفاته يوم الخميس بين الظهر والعصر عشري ربيع الأول مسموما بأصبهان. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وفيها ابن اللّبانة، أبو بكر محمد بن عيسى اللّخمي الأندلسي الأديب، من جلّة الأدباء وفحول الشعراء، له تصانيف عديدة في الآداب، وكان من شعراء دولة المعتمد بن عبّاد. قاله في «العبر».

وفيها المؤتمن بن أحمد بن علي بن نصر الرّبعي البغدادي الحافظ، ويعرف بالسّاجي، حافظ محقّق، واسع الرحلة، كثير الكتابة، متين الورع والديانة. روى عن أبي الحسين بن النّقور، وأبي بكر الخطيب، وطبقتهما بالشام، والعراق، وأصبهان، وخراسان، وتفقه وكتب «الشامل» عن مؤلّفه ابن الصبّاغ، وتوفي في صفر عن اثنتين وستين سنة، وكان قانعا متعففا.

وفيها كما قال السيوطيّ في «تاريخ الخلفاء»: جاء صاحب الأندلس

مودود بعسكر ليقاتل ملك الفرنج، الذي بالقدس، فوقع بينهم معركة هائلة، ثم رجع مودود إلى دمشق، فصلى الجمعة يوما في الجامع، وإذا بباطني وثب عليه فجرحه فمات من يومه، فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه: وإنّ أمّة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها. انتهى كلام السيوطي.

ومودود هذا غير مودود الأعرج صاحب الموصل أيضا، فإن ذاك توفي سنة خمس وستين وخمسمائة، كما يأتي إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.