تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع عشرة وخمسمائة

فيها توفي أبو علي بن بلّيمة، الحسن بن خلف القيرواني المقرئ، مؤلّف «تلخيص العبارات في القراءات» توفي في رجب، في الإسكندرية، وهو في عشر التسعين. قرأ على جماعة، منهم: أبو العبّاس أحمد بن نفيس.

وفيها الطّغرائي، الوزير مؤيد الدّين أبو إسماعيل، الحسين بن علي الأصبهاني، صاحب «ديوان الإنشاء» للسلطان محمد بن ملكشاه، واتصل بابنه مسعود ثم أخذ الطّغرائي أسيرا وذبح بين يدي الملك محمود، في ربيع الأول، وقد نيّف على الستين. وكان من أفراد الدّهر، وحامل لواء النظم والنثر، وهو صاحب «لامية العجم». قاله في «العبر».

وقال ابن خلّكان: ذكره ابن السمعاني وأثنى، عليه وأورد قطعة من شعره في صفة الشمعة.

وللطغرائي المذكور ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته

المعروفة ب «لامية العجم» وكان عملها ببغداد، في سنة خمس وخمسمائة، يصف حاله ويشكو زمانه، وهي التي أولها:

أصالة الرأي صانتني عن الخطلوحلية الفضل زانتني لدى العطل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

ومن رقيق شعره قوله:

يا قلب ما لك والهوى من بعد ماطاب السلوّ وأقصر العشاق
أوما بدا لك في الإفاقة والألىنازعتهم كأس الغرام أفاقوا
مرض النّسيم فصحّ والدّاء الذيتشكوه لا يرجى له إفراق
وهدا خفوق البرق والقلب الذيتطوى عليه أضالعي خفّاق

وله أيضا:

أجمّا البكا يا مقلتيّ فإنناعلى موعد للبين لا شكّ واقع
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أجما البكا يا مقلتي فإننا»
إذا جمع العشاق موعدهم غدافوا خجلتا إن لم تعنّي المدامع

وذكر العماد الكاتب في كتاب «نصرة الفترة وعصرة القطرة » أن الطّغرائيّ المذكور، كان ينعت بالأستاذ، وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وأنه لما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمود المصافّ بالقرب من همذان، وكانت النصرة لمحمود، فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود، فأخبر به وزير محمود، وهو الكمال نظام الدّين أبو طالب [علي] بن أحمد بن حرب السّميرمي، فقال الشهاب أسعد- وكان طغرائيا في ذلك الوقت، نيابة عن النصير الكاتب: هذا الرجل ملحد، يعني

الأستاذ، فقال وزير محمود: من يكن ملحدا يقتل، فقتل ظلما.

وقد كانوا خافوا منه، و [قيل] قتل سنة أربع عشرة [وقيل ثمان عشرة] وقد جاوز ستين سنة، وفي شعره ما يدلّ على أنه بلغ سبعا وخمسين سنة، لأنه قال: وقد جاءه مولود:

هذا الصغير الذي وافى على كبريأقرّ عيني ولكن زاد في فكري
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «هذا الصغير الذي وافى على كبري»
سبع وخمسون لو مرّت على حجرلبان تأثيرها في ذلك الحجر

والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك.

وقتل الكمال السّميرمي، الوزير المذكور، يوم الثلاثاء سلخ صفر، سنة ست عشرة وخمسمائة، في السوق ببغداد، عند المدرسة النظامية، قيل: قتله عبد أسود كان للطّغرائي المذكور، لأنه قتل أستاذه.

والطّغرائي: بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، نسبة إلى من يكتب الطّغرى، وهي الطّرّة التي تكتب فوق البسملة في أعلى الكتب بالقلم الغليظ، ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب عنه، وهي لفظة أعجمية. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وفيها أبو علي بن سكّرة، الحافظ الكبير، حسين بن محمد بن فيرّه بن حيّون الصّدفي السرقسطي الأندلسي. سمع من أبي العبّاس بن دلهاث وطائفة، وحجّ سنة إحدى وثمانين، فدخل على الحبّال، وسمع ببغداد من مالك البانياسي وطبقته، وأخذ «التعليقة الكبرى» عن أبي علي الشّاشي

المستظهري. وأخذ بدمشق عن الفقيه نصر المقدسي، وردّ إلى بلاده بعلم جمّ، وبرع في الحديث وفنونه، وصنّف التصانيف، وقد أكره على القضاء، فوليه ثم اختفى حتّى أعفي واستشهد في مصافّ قتندة، في ربيع الأول، وهو من أبناء الستين، وأصيب المسلمون يومئذ.

قال ابن ناصر الدّين: هو حافظ متقن كبير ثقة مأمون.

وفيها توفي بالجند- كما قال ابن الأهدل - الفقيه الإمام زيد بن عبد الله بن جعفر اليفاعي اليمني- نسبة إلى يفاعة مكان باليمن- تفقه على الشيخ الإمام أبي بكر بن جعفر المخائي- والمخا من سواحل اليمن - وكانت وفاة المخائي سنة خمسمائة، وقد تخرّج به جماعة، وكان يحفظ «المجموع» للمحاملي و «الجامع في الخلاف» لأبي جعفر، وتفقه زيد اليفاعي بأبي إسحاق الصّردفي وزوّجه الصّردفي ابنته كما تقدم، ثم ارتحل زيد إلى مكّة المرّة الأولى، فقرأ على تلميذ الشيخ أبي إسحاق ارتحل زيد إلى مكّة المرّة الأولى، فقرأ على تلميذ الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: الحسين بن علي الشّاشي، مصنّف «العدة» وغيره، ثم رجع إلى الجند، واجتمع عليه الموافق والمخالف من أهل اليمن، وقرأ عليه الإمام يحيى صاحب «البيان» نكت الشيخ أبي إسحاق في الخلاف، وعدة كتب، وقرأ عليه أيضا عبد الله الهمداني، وعبد الله بن يحيى الصّعبي، وذلك في دولة أسعد بن أبي الفتوح الحميري، الذي قتله أصحابه بحصن تعز ودفنوه فيه، ونبشه سيف الإسلام أبو أيوب، ودفنه في مقابر المسلمين.

وكان زيد صغير الجسم، وله مهابة عظيمة.

وسئل زيد عن الفقيه إبراهيم بن علي بن الإمام الحسين بن علي الطبري صاحب «العدة» كيف حاله في العلم، فقال: هو مجوّد لولا أنه اشتغل بالعبادة [مع الصوفية، فقيل له: هذه طريقة غير ملومة، فقال: كان جدّه الحسين الطبري يكره ذلك ويقول: اشتغال العالم بالعبادة] فرار من العلم.

وقد نص الشافعيّ- رحمه الله تعالى- أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وحديث «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا» دليل على ذلك.

وعلم الباطن هو نتيجة العلم الظاهر، [لأن الأنبياء قادة الخلق إلى الله، والعلماء ورثتهم، ولم يرثوا غير العلم الظاهر]، فمن استعمل رسوم الشريعة الظاهرة كما جاءت عن الأنبياء فقد اهتدى وهدى، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا، ولا شكّ أن العالم بأحكام الله إذا استبطن التقوى واستشعر العمل، أورثه ذلك العلم بالله الذي هو أجلّ العلوم، والمراد بالعلم بالله علم التوحيد الذي هو إثبات وحدانيته بنفي الشريك والأضداد، إيمانا جازما، وإثبات الصفات، والملائكة، والأنبياء، والكتب المنزلات.

وأفضل العلوم بعده علم الفقه، الذي يستفاد من الكتاب والسّنّة اللذين

ضمن الله العصمة في جانبهما، ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام والمشاهدة.

كذا نقله صاحب الأصل عن غير واحد من المحقّقين، منهم: الشيخ القطب أبو الحسن الشاذلي نفع الله به. انتهى كلام ابن الأهدل بحروفه.

وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم أبي القاسم بن هوازن القشيري، وكان إماما، مناظرا، مفسّرا، أديبا، علّامة، متكلّما. وهو الذي [كان] أصل الفتنة ببغداد بين الأشاعرة والحنابلة، ثم فتر أمره. وقد روى عن أبي حفص بن مسرور وطبقته، وآخر من روى عنه سبطه أبو سعيد ابن الصفّار. توفي في جمادى الآخرة، وهو في عشر الثمانين، وأصابه فالج في آخر عمره. قاله في «العبر».

وقال ابن الأهدل: ولما توفي دفن بمشهدهم المعروف بهم.

وفيه يقول إمام الحرمين:

يميس بغصن إذا ما بداويبدو كشمس ويرنو كريم
معاني النجابة مجموعةلعبد الرحيم بن عبد الكريم

وحكايته عنه في «النهاية» من أعظم الإنصاف.

ومنه قوله في ولده فضل الله:

كم حسرة لي في الحشامن ولدي حين نشا
كنّا نشا فلاحهفما نشا كما نشا

انتهى.

وفيها أبو القاسم علي بن جعفر البغدادي الصقلي بن القطّاع، المصري الدّار والوفاة، اللغوي.

كان أحد أئمة الأدب، خصوصا اللغة، وله تصانيف نافعة، منها كتاب «الأفعال» أحسن فيه كل الإحسان، وهو أجود من «الأفعال» لابن القوطيّة.

وكان ذاك قد سبقه إليه، وله كتاب «أبنية الأسماء» جمع فيه فأوعى، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه، وله عروض حسن جيد، وله كتاب «الدّرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة» وكتاب «لمح الملح» جمع فيه خلقا كثيرا من شعراء الأندلس، وكانت ولادته في عاشر صفر، سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بصقلية. وقرأ الأدب على فضلائها، كابن عبد البرّ وأمثاله، وأجاد النحو غاية الإجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج، ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسمائة، وبالغ أهل مصر في إكرامه، وكان ينسب إلى التساهل في الرواية، ونظم الشعر في سنة ست وأربعين، ومن شعره في ألثغ:

وشادن في لسانه عقدحلّت عقودي وأوهنت جلدي
للشاعر ابن القطاع الصقلي، من قصيدة «وشادن في لسانه عقد»
عابوه جهلا بها فقلت لهمأما سمعتم بالنّفث في العقد
للشاعر ابن القطاع الصقلي، من قصيدة «وشادن في لسانه عقد»

وله في غلام اسمه حمزة:

يا من رمى النّار في فؤاديوأمطر العين بالبكاء
للشاعر ابن القطاع الصقلي، من قصيدة «يا من رمى النار في فؤادي»
اسمك تصحيفه بقلبيوفي ثناياك برء دائي
للشاعر ابن القطاع الصقلي، من قصيدة «يا من رمى النار في فؤادي»

اردد

سلامي فإنّ نفسيلم يبق منها سوى الذّماء
وارفق بصبّ أتى ذليلاقد مزج اليأس بالرجاء
للشاعر ابن القطاع الصقلي، من قصيدة «يا من رمى النار في فؤادي»
أنهكه في الهوى التّجنّيفصار في رقة الهواء

وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. هكذا ذكره في كتابه «الدّرة الخطيرة في شعراء الجزيرة» عند ذكر ترجمة نفسه، رحمه الله تعالى، في أواخر الكتاب المذكور، وتوفي بمصر. قاله ابن خلّكان.

وفيها أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسي المرييّ، المقرئ، تلميذ عبد الله بن سهل. تصدّر للإقراء مدة، وحدّث عن ابن عبد البرّ وجماعة، وفي روايته عن ابن عبد البرّ كلام. توفي في عشر التسعين.

وفيها أبو الحسن بن الموازيني، علي بن الحسن السّلمي، أخو محمد. روى عن ابن سعدان، وابني عبد الرحمن بن أبي نصر، وطائفة، وعاش أربعا وثمانين سنة.

وفيها محمود بن إسماعيل أبو منصور الأصبهاني الصيرفي الأشقر، راوي «المعجم الكبير» عن ابن فاذشاه، عن مؤلّفه الطبراني، وله ثلاث وتسعون سنة. توفي في ذي القعدة.

قال السّلفي: كان صالحا.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.