من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى عشرة وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» زلزلت بغداد يوم عرفة، فكانت الحيطان تذهب وتجيء، وكان عقيبها موت المستظهر. انتهى.
وفيها كما قال في «الدول»: جاء سيل عظيم عرم على سنجار، هدم أسوارها، وغرق خلق، وحمل باب البلد مسيرة نصف يوم، وطمره السيل سنوات، وحمل السيل سريرا فيه طفل فعلق بزيتونة وعاش الطفل وكبر.
وفيها مات بغدوين، الذي افتتح القدس، وكان جبّارا خبيثا، شجاعا، همّ بأخذ مصر، وسار في جموعه حتّى وصل بلبيس، ثم رجع عليلا، فمات بسبخة بردويل، فشقّوه وصبّروه، ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم، ودفن بقمامة، وتملّك القدس بعده القمص صاحب الرّها، وكان قدم القدس زائرا، فوصى بغدوين له بالملك بعده. انتهى كلام صاحب «الدول».
وفيها كما قال في «العبر»: ترحلت العساكر عن حصار الباطنية بالألموت لمّا بلغهم موت السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن
جغريبك بن ميكائيل بن سلجوق التركي غياث الدّين أبو شجاع. كان فارسا شجاعا فحلا، ذا برّ ومعروف، استقلّ بالملك بعد موت أخيه بركياروق وقد تمّت لهما حروب عديدة، وخلّف محمد أربعة قد ولّوا السلطنة: محمود ومسعود، وطغرلبك، وسليمان، ودفن في ذي الحجة بأصبهان في مدرسة عظيمة للحنفية، وقام بعده ابنه محمود ابن أربع عشرة سنة، ففرّق الأموال.
وقد خلّف محمد أحد عشر ألف ألف دينار سوى ما يناسبها من الحواصل، وعاش ثماني وثمانين سنة، سامحه الله تعالى. انتهى.
وفيها توفي حمد بن نصر بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن معروف الهمذاني الأعمش، أبو العلاء. كان ثقة عمدة حافظا. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو نصر الكاساني- بمهملة، نسبة إلى كاسان، بلد وراء الشّاش- أحمد بن إسماعيل بن نصر بن أبي سعيد. أخذ عن جماعة من الأعيان بالعراق والحجاز، وسمرقند، وخراسان.
وفيها أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف اليوسفي البغدادي راوي «سنن الدارقطني» عن أبي بكر بن بشران عنه، وكان رئيسا وافر الجلالة، توفي في شوال، عن ست وسبعين سنة.
وفيها أبو القاسم غانم بن محمد بن عبيد الله البرجي- وبرج من قرى أصبهان- سمع أبا نعيم الحافظ، وأجاز له ابن شاذان، والحسين الجمّال، وكان صدوقا فاضلا، توفي في ذي القعدة، عن أربع وتسعين سنة.
وفيها أبو علي بن نبهان الكاتب، محمد بن سعيد بن إبراهيم الكرخي، مسند العراق. روى عن ابن شاذان وبشرى الفاتني، وابن دوما، وهو آخر أصحابهم.
قال ابن ناصر: فيه تشيع وسماعه صحيح، بقي قبل موته سنة ملقى على ظهره لا يعقل ولا يفهم، وذلك من أول سنة إحدى عشرة، وتوفي في شوال وله مائة سنة كاملة، وله شعر وأدب.
وفيها أبو الفضل محمد بن علي [بن طالب] بن محمد بن زببيا الخرقي البزّار، الفقيه الحنبلي.
ولد في العشر الأخير من المحرم، سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وسمع من القاضي أبي يعلى، والجوهري، وابن المذهب، وغيرهم، وحدّث وروى عنه السّلفيّ وجماعة كثيرة، منهم: ابن ناصر، وذكر عنه أنه كان يعتقد عقيدة الفلاسفة تقليدا عن غير معرفة، نسأل الله العافية.
وقال ابن الجوزي: قال شيخنا ابن ناصر: لم يكن بحجة، كان على غير السمت المستقيم، توفي ليلة السبت تاسع شوال، سامحه الله ورحمه.
وفيها أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة العبدي الأصبهاني الحافظ الحنبلي، صاحب «التاريخ». روى الكثير عن جماعة، منهم: أبوه وعماه، وابن ريذة- وسمع منه «المعجم الكبير» للطبراني- وخلق. وسمع منه الكبار، منهم: الحافظ أبو القاسم إسماعيل التيمي، ومحمد بن عبد الواحد الدقّاق، وخلق لا يحصون، وقدم بغداد حاجّا في الشيخوخة، فأملى وحدّث بها، وأسمع بها أبا منصور الخيّاط، وأبا الحسين بن الطّيوري، وهما أسنّ منه، وأقدم إسنادا، وسمع منه بها أيضا ابن ناصر، وعبد الوهاب الأنماطي، والشيخ عبد القادر الجيلي، وابن الخشّاب، والحافظ السّلفي، وقال فيه يمدحه:
إنّ يحيى فديته من إمامحافظ متقن تقي حليم
جمع النّبل والأصالة والعقل وفي العلم فوق كلّ عليم
وقال عبد الغافر في «تاريخ نيسابور»: هو رجل فاضل، من بيت العلم والحديث، المشهور في الدّنيا. سمع من مشايخ أصبهان، وسافر، ودخل نيسابور، وأدرك المشايخ، وسمع منهم، وجمع وصنّف على «الصحيحين» وعاد إلى بلده.
وقال ابن السمعاني في حقه: جليل القدر، وافر الفضل، واسع الرواية، ثقة، حافظ، فاضل، مكثر، صدوق، كثير التصانيف، حسن السيرة، بعيد التكلف، أوحد بيته في عصره، صنف «تاريخ أصبهان» وغيره من المجموع.
قال ابن رجب: صنّف مناقب العبّاس في أجزاء كثيرة، ومناقب أحمد- ﵁ في مجلد كبير، وتوفي في ذي الحجة، وله أربع وسبعون سنة، وآخر أصحابه الطّرسوسي.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع