تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة اثنتي عشرة وخمسمائة

في الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر، توفي الإمام المستظهر بالله أبو العبّاس، أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن الأمير محمد بن القائم العبّاسي، وله اثنتان وأربعون سنة. وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكان قوي الكتابة، جيد الأدب والفضيلة، كريم الأخلاق، مسارعا في أعمال البرّ، توفي بالخوانيق، وغسّله ابن عقيل شيخ الحنابلة، وصلّى عليه ابنه المسترشد بالله، وخلّف جماعة أولاد.

وتوفيت جدّته أرجوان بعده بيسير، وهي سرّية محمد الذخيرة. قاله في «العبر».

وقال السيوطيّ في «تاريخ الخلفاء»: ولد في شوال سنة سبعين وأربعمائة، وبويع له عند موت أبيه وله ستّ عشرة سنة.

قال ابن الأثير: كان لين الجانب، كريم الأخلاق، يسارع في أعمال البرّ، حسن الخطّ، جيد التوقيعات، لا يقاربه فيها أحد، يدلّ على فضل غزير، وعلم واسع، سمحا، جوادا، محبا للعلماء والصلحاء، ولم تصف له الخلافة، بل كانت أيامه مضطربة، كثيرة الحروب، ومن شعره:

أذاب حرّ الهوى في القلب ما جمدالمّا مددت إلى رسم الوداع يدا
وكيف أسلك نهج الاصطبار وقدأرى طرائق في مهوى الهوى قددا
إن كنت أنقض عهد الحبّ يا سكنيمن بعد حبي فلا عاينتكم أبدا

انتهى كلام السيوطي ملخصا.

وفيها شمس الأئمة أبو الفضل، بكر بن محمد بن علي الأنصاري الجابري الزّرنجري- بفتح الزاي والراء والجيم، وسكون النون، نسبة إلى زرنجرى، قرية ببخارى- الفقيه شيخ الحنفية بما وراء النهر، وعالم تلك الدّيار، ومن كان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة.

ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتفقه على شمس الأئمة محمد بن أبي سهل السّرخسي، وشمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحلواني، وسمع من أبيه، ومن أبي مسعود البجلي وطائفة. وروى «البخاري» عن أبي سهل الأبيوردي، عن ابن حاجب الكشّاني.

وفيها نور الهدى أبو طالب، الحسين بن محمد الزّينبي، أخو طراد، توفي في صفر، وله اثنتان وتسعون سنة. وكان شيخ الحنفية ورئيسهم بالعراق. روى عن ابن غيلان وطبقته، وحدّث بالصحيح غير مرة، عن كريمة المروزية، وكان صدرا نبيلا علّامة.

وفيها أبو القاسم الأنصاري، العلّامة سلمان بن ناصر بن عمران النيسابوري الشافعي المتكلم، تلميذ إمام الحرمين، وصاحب التصانيف، وكان صوفيّا زاهدا، من أصحاب القشيري. روى الحديث عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي وجماعة، وتوفي في جمادى الآخرة.

قال ابن شهبة: كان فقيها، إماما في علم الكلام والتفسير، زاهدا، ورعا، يكتسب من خطّه، ولا يخالط أحدا، وشرح «الإرشاد» للإمام، وله كتاب «الغنية». أصابه في آخر عمره ضعف في بصره ويسير وقر في أذنه.

انتهى ملخصا.

وفيها أبو البركات العاقولي، طلحة بن أحمد بن طلحة بن أحمد ابن الحسين بن سليمان، الفقيه الحنبلي القاضي.

ولد يوم الجمعة بعد صلاتها، ثالث عشري شعبان، سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بدير العاقول، وهي على خمسة عشر فرسخا من بغداد، ودخل بغداد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، واشتغل بالعلم سنة اثنتين وخمسين، وسمع من أبي محمد الجوهري سنة ثلاث وخمسين، ومن القاضي أبي يعلي، وأبي الحسين بن حسنون وغيرهم.

قال ابن الجوزي: قرأ الفقه على القاضي يعقوب، وهو من متقدمي أصحابه، وكان عارفا بالمذهب، حسن المناظرة.

وقال ابن شافع: سماعه صحيح، وكان ثقة أمينا، ومضى على السلامة والستر.

وقال ابن رجب: روى عنه ابن ناصر، والشيخ عبد القادر بالإجازة.

وتوفي طلحة العاقولي ليلة الثلاثاء، ثاني أو ثالث شعبان.

وفيها عبيد بن محمد بن عبيد أبو العلاء القشيري التاجر، مسند نيسابور. روى عن أبي حسّان المزّكّي، وعبد الرحمن النّصرويي، وطائفة، ودخل المغرب للتجارة، وحدّث هناك، توفي في شعبان، وله خمس وتسعون سنة.

وفيها أبو القاسم بن الشوا، يحيى بن عثمان بن الحسين بن عثمان بن عبد الله البيع الأزجي الفقيه الحنبلي.

ولد في شوال، سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع من ابن المهتدي، وابن المسلمة، والجوهري، والقاضي أبي يعلى، وغيرهم. وتفقه على القاضي أبي يعلى، ثم على القاضي يعقوب، وكان فقيها حسنا، صحيح السماع، وحدّث بشيء يسير، وروى عنه ابن المعمّر الأنصاري في «معجمه» وتوفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.