من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
قال في «العبر»: فيها ظهر قبر إبراهيم خليل الله ﵊، وإسحاق ويعقوب، ورآهم جماعة لم تبل أجسادهم وعندهم في تلك المغارة قناديل من ذهب وفضّة. قاله حمزة بن القلانسي في «تاريخه».
انتهى.
وفيها توفي أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظّفري، شيخ الحنابلة، وصاحب التصانيف، ومؤلّف كتاب «الفنون» الذي يزيد على أربعمائة مجلد، وكان إماما مبرزا، كثير العلوم، خارق الذكاء، مكبّا على الاشتغال والتصنيف، عديم النظير. روى عن أبي محمد الجوهري، وتفقه على القاضي أبي يعلى وغيره، وأخذ علم الكلام عن أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبّان.
قال السّلفي: ما رأيت مثله، وما كان أحد يقدر أن يتكلّم معه لغزارة علمه، وبلاغة كلامه، وقوة حجته، توفي في جمادى الأولى، وله ثلاث وثمانون سنة. قاله جميعه في «العبر».
وقال ابن رجب في «طبقاته»: ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، في جمادى الآخرة، كذا نقله [عنه] ابن ناصر، والسّلفي، وحفظ القرآن، وقرأ بالقراءات والروايات على أبي الفتح بن شيطا، [وكان يقول: شيخيّ في القراءة: ابن شيطا]، وفي الزهد: أبو بكر الدّينوري، وأبو بكر بن زيدان، وأبو الحسين القزويني، وذكر جماعة غيرهم من الرجال والنساء.
وفي آداب التصوف: أبو منصور صاحب الزيادة العطار، وأثنى عليه. وفي الحديث: ابن النّوري، وأبو بكر بن بشران، والعشاري، والجوهري، وغيرهم. وفي الشعر والترسل: ابن شبل، وابن الفضل.
وفي الفرائض: أبو الفضل الهمذاني، وفي الوعظ: أبو طاهر بن العلّاف صاحب ابن سمعون، وفي الأصول: أبو الوليد وأبو القاسم بن التبّان. وفي الفقه: القاضي أبو يعلى المملوء عقلا وزهدا وورعا، قرأت عليه سنة سبع وأربعين ولم أخل بمجالسه وخلواته التي تتسع لحضوري والمشي معه ماشيا، وفي ركابه إلى أن توفي. وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني. والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، إمام الدّنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها. كان يعلمني المناظرة، وانتفعت بمصنفاته.
ومن مشايخي أبو محمد التميمي، كان حسنة العالم، وماشطة بغداد.
ومنهم: أبو بكر الخطيب، كان حافظ وقته. وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء. وكان ذلك يحرمني علما نافعا.
ثم قال: وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى، ولا أزاحم فقيها في حلقة ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة، وتقلبت عليّ الدول، فما أخذتني دولة سلطان ولا عامة عما اعتقد أنه الحق، فأوذيت من أصحابي، حتّى طلب الدم، وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس- فيا من خفت الكلّ لأجله لا تخيب ظني فيك- وعصمني الله تعالى في عنفوان شبابي بأنواع [من] العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطت لعّابا قطّ، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم.
والأذية التي ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها، وذلك:
أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبّان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السرّ علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السّنّة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات، ﵀.
ففي سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والترحّم على الحلّاج، وغير ذلك. ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فاختفى. ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره في تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر في أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، واصطلحوا، ولم يحضر الشريف أبو جعفر.
فمضى ابن عقيل إلى بيته وصالحه وكتب خطّه بالتبري من موالاة
أهل البدع، والترحم على أمواتهم، وعلى الحلّاج وأمثاله، وأشهد عليه جماعة كثيرة من الشهود والعلماء.
قال ابن الجوزي وأفتى ابن عقيل، ودرّس وناظر الفحول، واستفتي في الديوان في زمن القائم في زمرة من الكبار. وجمع علم الفروع والأصول، وصنّف فيها الكتب الكبار، وكان دائم التشاغل بالعلم، حتّى إني رأيت بخطه:
إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتّى إذا تعطّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا منطرح فلا أنهض إلّا وقد خطر لي ما أسطره.
وقال ابن الجوزي أيضا: وكان ابن عقيل قويّ الدّين، حافظا للحدود.
وكان كريما ينفق ما يجد، فلم يخلّف سوى كتبه وثياب بدنه، وكانت بمقدار كفنه، وأداء دينه. انتهى.
وكان- رحمه الله تعالى- بارعا في الفقه وأصوله. له في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة.
وله تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وأكبر تصانيفه كتاب «الفنون» وهو كبير جدا، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصول والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره، ونتائج فكره قيّدها فيه.
قال ابن الجوزي: وهذا الكتاب مائتا مجلد.
وقال عبد الرزاق الرسعني في «تفسيره»: قال لي أبو البقاء اللّغوي:
سمعت الشيخ أبا حكيم النّهرواني يقول: وقفت على السّفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب «الفنون».
وقال الحافظ الذهبي في «تاريخه»: لم يصنّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب. حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة.
وقال بعضهم: هو ثمانمائة مجلد.
وله في الفقه كتاب «الفصول» ويسمى «كفاية المفتي» في عشر مجلدات، وله كتب كثيرة غير ذلك.
قال السّلفي: ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء بن عقيل، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حججه، ولقد تكلم يوما مع شيخنا أبي الحسن إلكيا الهرّاسي في مسألة، فقال له شيخنا: ليس هذا بمذهبك. فقال: أنا لي اجتهاد، متى طالبني خصمي بحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقول له بحجتي. انتهى.
وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه، والردّ على مخالفيهم.
وله مسائل كثيرة ينفرد بها.
منها: أن الرّبا لا يجري إلّا في الأعيان الستة المنصوص عليها.
ومنها: أن المشروع في عطية الأولاد التسوية بين الذكور والإناث.
ومنها أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعا للأرض، لمشقة التفريق بينهما.
ومنها: أن الزروع والثمار التي تسقى بماء نجس طاهرة مباحة، وإن لم تسق بعده بماء طاهر.
ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة، وإن اشترط وطأها في عقد الكتابة.
ومنها: أنه لا زكاة في حليّ المواشط المعد للكراء.
إلى غير ذلك.
وتوفي أبو الوفاء- رحمه الله تعالى- بكرة الجمعة، ثاني عشر جمادى الأولى، وصلّي عليه في جامعي القصر والمنصور. وكان الجمع يفوت الإحصاء.
قال ابن ناصر: حزرتهم بثلاثمائة ألف. ودفن في دكة قبر الإمام أحمد ﵁. وقبره ظاهر، ﵁.
وقال ابن الجوزي: حدثني بعض الأشياخ: أنه لما احتضر ابن عقيل، بكى النساء، فقال: قد وقّعت عنه خمسين سنة، فدعوني أتهنأ بلقائه.
انتهى ما أورد ابن رجب ملخصا كثيرا.
ثم قال: وكان لابن عقيل ولدان ماتا في حياته، أحدهما:
أبو الحسن عقيل. كان في غاية الحسن، وكان شابا فهما، ذا خطّ حسن.
قال ابن القطيعي: حكى والده أنه ولد ليلة حادي عشري رمضان، سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
وحكى غيره أنه سمع من هبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وعلي بن حسين بن أيوب، وغيرهما. وتفقه على أبيه، وناظر في الأصول والفروع.
وسمع الحديث الكثير، وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن ابن
الدامغاني، فقبل قوله. وكان فقيها فاضلا، يقول الشعر، وكان يشهد مجلس الحكم، ويحضر الموكب.
وتوفي- ﵀ يوم الثلاثاء، منتصف محرم، سنة عشر، وقيل سنة ثلاث عشرة، قبل والده بشهر واحد، وكان له من العمر سبع وعشرون سنة، ودفن في داره [بالظفرية]، فلما مات أبوه نقل معه إلى دكة الإمام أحمد.
قال والده: مات ولدي عقيل، وكان قد تفقّه وناظر، وجمع أدبا حسنا فتعزّيت بقصة عمرو بن عبد ودّ الذي قتله علي ﵁، فقالت أمّه ترثيه:
لو كان قاتل عمرو غير قاتلهما زلت أبكي عليه دائم الأبد
لكنّ قاتله من لا يقاد بهمن كان يدعى أبوه بيضة البلد
فأسلاها وعزاها جلالة القاتل، وفخرها بأن ابنها مقتوله. فنظرت إلى قاتل ولدي الحكيم المالك، فهان عليّ القتل والمقتول لجلالة القاتل، وأكب عليه وقبّله، وهو في أكفانه. وقال: يا بني استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه. الرّبّ خير لك مني، ثم مضى وصلى عليه.
ومن شعر عقيل هذا:
شاقه والشوق من غيرهطلل عاف سوى أثره
مقفر إلّا معالمهواكف بالودق من مطره
فانثنى والدمع منهملكانسلال السلك عن درره
طاويا كشحا على نوبسبحات لسن من وطره
رحلة الأحباب عن وطنوحلول الشّيب في شعره
شيم للدّهر سالفةمستبينات لمختبره
وقبول الدّر مبسمهاأبلج يفترّ عن خصره
هزّ عطفيها الشباب كماماس غصن البان في شجره
ذات فرع فوق ملتمعكدجى أبدى سنا قمره
خصرها يشكو روادفهاكاشتكاء الصبّ من سهره
نصبت قلبي لها غرضافهو مصمى بمعتوره
والآخر:
أبو منصور هبة الله. ولد في ذي الحجة، سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وحفظ القرآن، وتفقه، وظهر منه أشياء تدل على عقل غزير ودين عظيم. ثم مرض وطال مرضه، وأنفق عليه أبوه مالا في المرض وبالغ.
قال أبو الوفاء: قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية، والطب والأدعية، ولله تعالى في اختيار، فدعني مع اختياره. قال: فو الله ما أنطق الله ﷾ ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ إلّا وقد اختاره للحظوة.
توفي- رحمه الله تعالى- سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وله نحو أربع عشرة سنة.
وحمل أبو الوفاء- رحمه الله تعالى- في نفسه من شدة الألم أمرا عظيما، ولكنه تصبّر ولم يظهر جزعا، وكان يقول: لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لانفطرت المرائر لفراق المحبوبين. انتهى ملخصا أيضا.
وفيها قاضي القضاة، أبو الحسن الدّامغاني، علي بن قاضي القضاة أبي عبد الله الحنفي، ولي القضاء بضعا وعشرين سنة، وكان ذا حزم، ورأي، وسؤدد، وهيبة وافرة، وديانة ظاهرة. روى عن أبي محمد الصريفيني وجماعة، وتفقّه على والده، وتوفي في المحرم، عن أربع وستين سنة.
وفيها أبو سعد المخرّمي، المبارك بن علي بن الحسن بن بندار البغدادي. الفقيه الحنبلي. روى عن القاضي أبي يعلى، وابن المهتدي، وابن المسلمة، والصّريفيني، وابن النّقور، وغيرهم. وسمع من القاضي أبي وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة ﵃ أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنّة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلّما من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: يعلى شيئا من الفقه، ثم تفقه على صاحبه الشريف أبي جعفر، ثم القاضي يعقوب، ثم القاضي البرزبيني. وأفتى ودرّس، وجمع كتبا كثيرة لم يسبق إلى جمع مثلها. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية، وتوفي في [ثاني] عشر المحرم، ودفن إلى جانب أبي بكر الخلّال عند رجلي الإمام أحمد، ﵁.
وفيها أبو الفضل بن الموازيني، محمد بن الحسن بن الحسين السّلمي الدمشقي العابد، أخو أبي الحسن. روى عن أبي عبد الله بن سلوان وجماعة.
وفيها أبو بكر محمد بن طرخان بن بلتكين بن مبارز التّركي ثم البغدادي، الشافعي، المحدّث النحوي، أحد الفضلاء. روى عن أبي جعفر بن المسلمة وطبقته، وتفقّه على الشيخ أبي إسحاق، وكان ينسخ بالأجرة، وفيه زهد وورع تام.
وفيها خوروست، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين الأصبهاني المجلّد. روى عن أبي الحسين بن فاذشاه، وابن ريذة، وتوفي في جمادي الأولى.
وفيها محمد بن عبد الباقي، أبو عبد الله الدّوريّ، السّمسار الصالح. روى عن الجوهري، وأبي طالب العشاري، ومات في صفر، عن تسع وسبعين سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع