من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو نصر الغازي أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الحافظ.
قال ابن السمعاني: ثقة حافظ، ما رأيت في شيوخي أكثر رحلة منه.
سمع أبا القاسم ابن مندة، وأبا الحسين بن النّقور، والفضل بن المحبّ، وطبقتهم. وكان جماعة من أصحابنا يفضّلونه على إسماعيل التيمي الحافظ.
توفي في رمضان.
وقال الذهبيّ: عاش ثلاثا وثمانين سنة.
وفيها أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد ابن الحافظ بقي بن مخلد أبو القاسم القرطبي المالكي، أحد الأئمة. روى عن أبيه، وابن الطّلاع، وأجاز له أبو العبّاس بن دلهاث، وتوفي في سلخ العام عن سبع وثمانين سنة.
وفيها الفقيه الحنبلي أبو بكر الدّينوري أحمد بن أبي الفتح محمد بن أحمد، من أئمة الحنابلة ببغداد. تفقّه على أبي الخطّاب، وبرع في الفقه، وتقدم في المناظرة على أبناء جنسه، حتّى كان أسعد الميهني شيخ الشافعية يقول: ما اعترض أبو بكر الدّينوري على دليل أحد إلّا ثلم فيه ثلمة.
وله تصانيف في المذهب، منها كتاب «التحقيق في مسائل التعليق» وتخرّج به أئمة منهم: أبو الفتح بن المنّي، والوزير ابن هبيرة.
قال ابن الجوزي: حضرت درسه بعد موت شيخنا ابن الزّاغوني نحوا من أربع سنين.
قال: وأنشدني- أي لنفسه-:
تمنّيت أن تمسي فقيها مناظرابغير عناء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقّةتلقّيتها فالعلم كيف يكون
وقال ابن الجوزي: كان يرق عند ذكر الصالحين ويبكي، ويقول:
للعلماء عند الله قدر، فلعل الله أن يجعلني منهم. توفي يوم السبت غرة جمادى الأولى، ودفن عند رجلي أبي منصور الخيّاط، قريبا من قبر الإمام أحمد، ﵁.
وفيها إسماعيل بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك، المؤذّن الفقيه، أبو سعد النيسابوري الشافعي. روى عن أبيه، وأبي حامد الأزهري، وطائفة، وتفقّه على إمام الحرمين، وبرع في الفقه، ونال جاها ورئاسة عند سلطان كرمان. وتوفي ليلة الفطر وله نيّف وثمانون سنة.
وفيها سعيد بن أبي الرجاء محمد بن أبي [منصور] بكر أبو الفرج الأصبهاني الصّيرفي الخلّال السّمسار. توفي في صفر عن سنّ عالية، فإنه
سمع سنة ست وأربعين من أحمد بن محمد بن النّعمان القصّاص، وروى «مسند أحمد بن منيع» و «مسند العدني » و «مسند أبي يعلى» وأشياء كثيرة، وكان صالحا ثقة.
وفيها عبد المنعم بن أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن أبو المظفّر القشيري النيسابوري، آخر أولاد الشيخ وفاة، عاش سبعا وثمانين سنة، وحدّث عن سعيد البحيري، والبيهقي، والكبار، وأدرك ببغداد أبا الحسين بن النّقور وجماعة.
وفيها أبو الحسن الجذامي علي بن عبد الله بن محمد بن سعيد بن موهوب الأندلسي، أحد الأئمة، أجاز له أبو عمر بن عبد البرّ، وأكثر عن أبي العبّاس بن دلهاث العذري، وصنّف تفسيرا وكتابا في الأصول، وعمّر إحدى وتسعين سنة.
وفيها علي بن علي بن عبيد الله أبو منصور الأمين، والد عبد الوهاب ابن سكينة. روى «الجعديات» عن الصّريفيني، وكان خيّرا زاهدا، يصوم صوم داود، وكان أمينا على أموال الأيتام ببغداد، عاش أربعا وثمانين سنة.
وفيها فاطمة بنت علي بن المظفّر بن زعبل، أم الخير، البغدادية الأصل، النيسابورية المقرئة. روت «صحيح مسلم» و «غريب» الخطابي عن أبي الحسين الفارسي، وعاشت سبعا وتسعين سنة، وكانت تلقن النساء، وقيل: توفيت في العام المقبل. قاله في «العبر».
وفيها أبو الحسن الكرجي محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر، الفقيه الشافعي، شيخ الكرج وعالمها ومفتيها.
قال ابن السمعاني: إمام ورع فقيه مفت محدّث أديب. أفنى عمره في طلب العلم ونشره. وروى عن مكّي السلّار وجماعة، وله القصيدة المشهورة في السّنّة نحو مائتي بيت، شرح فيها عقيدة السلف، وله تصانيف في المذهب والتفسير.
وقال ابن كثير في «طبقاته»: له كتاب «الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول» حكى فيه عن أئمة عشرة من السلف، الأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، واللّيث، وإسحاق بن راهويه أقوالهم في أصول العقائد. انتهى. كذا قال، ولم يذكر العاشر، وله مختصر في الفقه يقال له «الذرائع في علم الشرائع» وله تفسير، وكان لا يقنت في الفجر، ويقول: لم يصح في ذلك حديث، وقد قال الشافعي: إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط.
وقال ابن شهبة: ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وتوفي في شعبان.
والكرجيّ: بكاف وراء مفتوحتين، وبالجيم. انتهى.
وفيها الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله الهاشمي العبّاسي، خطب له بولاية العهد أكثر أيام والده وبويع بعده، وكان شابا أبيض، مليح الوجه، تام
الشكل، شديد البطش، شجاع النفس، حسن السيرة، جوادا كريما، شاعرا فصيحا، لم تطل دولته. خرج من بغداد إلى الجزيرة وأذربيجان، فخلعوه لذنوب ملفّقة، فدخل مراغة وعسكر فيها، وسار إلى أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود، فحاصرها وتمرّض هناك، فوثبت عليه جماعة من الباطنية فقتلوه وقتلوا، وقيل: قتلوه صائما يوم سادس عشري رمضان، وله ثلاثون سنة. وخلّف نيفا وعشرين ابنا. وقد غزا أهل همذان وعبرها في أيام عزله، وظلم وعسف وقتل كغيره. قاله في «العبر».
وفيها أبو شروان بن خالد الوزير أبو نصر القاشاني، وزر للمسترشد والسلطان محمود، وكان من عقلاء الرجال ودهاتهم، وفيه دين وحلم وجود، مع تشيّع قليل.
وكان محبا للعلماء موصوفا بالجود والكرم، أرسل إليه القاضي الأرجاني يطلب منه خيمة، فلم يكن عنده، فجهز له خمسمائة دينار، وقال:
اشتر بهذه خيمة، فقال:
لله درّ ابن خالد رجلاأحيا لنا الجود بعد ما ذهبا
سألته خيمة ألوذ بهافجاد لي ملء خيمة ذهبا
وكان هو السبب في عمل «مقامات الحريري» وإيّاه عنى الحريريّ في أول «مقاماته» بقوله: فأشار عليّ من إشارته حكم وطاعته غنم.
وفيها القاضي الأعز محمد بن هبة الله بن خلف التميمي، ولي بانياس، وكان ذا كرم ومروءة، ومات بدمشق، وهو الذي يكثر هجوه ابن منير الشاعر، من ذلك قوله من قصيدة:
هو قاض كما يقول ولكنما عليه من القضاء علامة
عمّة تملأ الفضاء عليهفوق وجه كعشر عشر القلامة
وعليها من التّصاوير ما لميجمع القدس مثله والقمامة
وفيها أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث بن محمد بن يونس بن عبد الله بن مغيث القرطبي العلّامة. أحد الأئمة بالأندلس. كان رأسا في الفقه، واللغة، والأنساب، والأخبار، وعلو الإسناد. روى عن أبي عمر بن الحذّاء، وحاتم بن محمد، والكبار، وتوفي في جمادى الآخرة عن خمس وثمانين سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع