من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» كانت زلزلة بجنزة أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفا فأهلكتهم، وكانت الزلزلة عشرة فراسخ.
وفيها توفي الشيخ أبو العبّاس أحمد بن عبد الملك بن أبي جمرة المرسي. روى عن جماعة وانفرد بالإجازة عن أبي عمرو الدّاني.
وفيها زاهر بن طاهر أبو القاسم الشّحّامي النيسابوري، المحدّث المستملي الشّروطي، مسند خراسان. روى عن أبي سعد الكنجروذي، والبيهقي، وطبقتهما، ورحل في الحديث أولا وآخرا، وخرّج التخاريج، وأملى نحوا من ألف مجلس، ولكنه كان يخلّ بالصلوات، فتركه جماعة لذلك. توفي في ربيع الآخر. قاله في «العبر».
وفيها جمال الإسلام أبو الحسن علي بن المسلّم بن محمد بن علي السّلمي الدمشقي، الفقيه الشافعي الفرضي، مدرس الغزالية والأمينية، ومفتي الشام في عصره، وهو أول من درّس بالأمينية المنسوبة لأمين الدولة سنة أربع
عشرة وخمسمائة، وصنّف في الفقه، والتفسير، وتصدّر للاشتغال والرواية، فحدّث عن أبي نصر بن طلاب، وعبد العزيز الكتاني، وطائفة، وتفقّه على ابن عبد الجبّار المروزي، ثم على نصر المقدسي، ولزم الغزالي مدة مقامه بدمشق، ودرّس في حلقة الغزالي مدّة.
قال الحافظ ابن عساكر: بلغني أن الغزالي قال: خلّفت بالشام شابا إن عاش كان له شأن، قال: فكان كما تفرس فيه، سمعنا منه الكثير، وكان ثقة ثبتا عالما بالمذهب والفرائض، وكان حسن الخطّ، موفقا في الفتاوى، وكان على فتاويه عمدة أهل الشام، وكان يكثر من عيادة المرضى وشهود الجنائز، ملازما للتدريس والإفادة، حسن الأخلاق، ولم يخلّف بعده مثله. انتهى.
وفيها أبو جعفر الكلواذي - بفتح أوله والواو والمعجمة وسكون اللام، نسبة إلى كلواذى قرية ببغداد- محمد بن محفوظ بن محمد بن الحسن ابن أحمد، وهو ابن الإمام أبي الخطّاب الحنبلي. المتقدم ذكره.
ولد سنة خمسمائة، وتفقّه على أبيه، وبرع في الفقه، وصنّف كتابا سمّاه «الفريد». قاله ابن القطيعي.
وفيها أبو بكر محمد بن باجه السّرقسطي، عرف بابن الصائغ، الفيلسوف الشاعر، ذكره صاحب كتاب «قلائد العقيان» فقال: هو رمد جفن الدّين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا
ومسنونا، فما يتشرّع، ولا يأخذ في غير الأباطيل ولا يشرع إلى غير ذلك من كلام كثير.
وفيها محمود بن بوري بن طغتكين، الملك شهاب الدّين، صاحب دمشق، ولي بعد قتل أخيه شمس الملوك إسماعيل، وكانت أمّه زمرّد هي الكلّ، فلما تزوّج بها الأتابك زنكي وسارت إلى حلب، قام بتدبير المملكة معين الدّين أنر الطغتكيني، ووثب على محمود هذا جماعة من المماليك فقتلوه في شوال، وأحضروا أخاه محمدا من مدينة بعلبك فملّكوه.
وفيها هبة الله بن سهل السّيّدي أبو محمد البسطامي ثم النيسابوري.
فقيه صالح متعبد، عالي الإسناد. روى عن أبي حفص بن مسرور، وأبي يعلى الصّابوني، والكبار، وتوفي في صفر.
وفيها هبة الله بن الحسين بن يوسف، وقيل: أحمد، المنعوت بالبديع الأسطرلابي- نسبة إلى الأسطرلاب، بفتح الهمزة، وسكون السين، وضم الطاء، كلمة يونانية معناها ميزان الشمس. وقال بعضهم: «اللاب» اسم الشمس بلسان اليونان، فكأنه قيل: أسطر الشمس إشارة إلى الخطوط التي فيه، قيل: إن أوّل من وضعه بطليموس صاحب المجسطي- كان صاحب الترجمة شاعرا مشهورا، أحد الأدباء الفضلاء، وكان وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية، متقنا لهذه الصناعة، وحصل له من جهة عملها مال جزيل في خلافة المسترشد.
وذكره العماد في «الخريدة» وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع من شعره، فمن ذلك قوله:
أهدي لمجلسه الكريم وإنماأهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما لهمن عليه لأنّه من مائه
وقوله أيضا:
أذاقني حمرة المنايالمّا اكتسى خضرة العذار
وقد تبدّى السّواد فيهوكارتي بعد في العيّار
وقوله أيضا:
قال قوم عشقته أمرد الخد وقد قيل: إنّه نكريش
قلت فرخ الطاووس أحسن ما كان إذا ما علا عليه الريش
قوله نكريش: لفظة عجمية، والأصل فيها نيك ريش، معناه لحية جيدة، فنيك: جيد، وريش: لحية.
وله أيضا:
ولمّا بدا خطّ بخدّ معذّبيكظلمة ليل في ضياء نهار
خلعت عذاري في هواه فلم أزلخليع عذار في جديد عذار
قال ابن خلّكان: وكان كثير الخلاعة، يستعمل المجون في أشعاره، حتى يفضي به إلى الفاحش في اللفظ، وكان ظريفا في جميع حركاته، توفي بعلة الفالج، ودفن بمقبرة الوردية من بغداد. انتهى ملخصا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع