من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو العبّاس الأقليشي أحمد بن معد بن عيسى التّجيبي الأندلسي الدّانيّ. سمع أبا الوليد بن الدبّاغ وطائفة، وبمكّة من الكروخي، وكان زاهدا عارفا علّامة متقنا، صاحب تصانيف، وله شعر في الزهد ومن تصانيفه كتاب «النجم».
وفيها أحمد الحريزي، كان عاملا للمقتفي على نهر الملك، وكان من أظلم العالم، يظهر الدين ويجلس على السجادة وبيده سبحة يسبّح بها، ويقرأ القرآن، ويعذب الناس بين يديه، يعلّق الرجال بأرجلهم والنساء بثديهنّ، ويومئ إلى الجلّاد الرأس الوجه، دخل إلى الحمام، فدخل عليه ثلاثة فضربوه بالسيوف حتّى قطّعوه، فحمل إلى بغداد ودفن بها، فأصبح وقد خسف بقبره. قاله ابن شهبة.
وفيها أبو عثمان العصائديّ إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري.
روى عن طاهر بن محمد الشحّامي وطائفة، وكان ذا رأي وعقل، عمّر تسعين سنة.
وفيها سعيد بن أحمد بن الإمام أبي محمد الحسن بن أحمد [بن البنّاء] البغدادي أبو القاسم الحنبلي. سمع ابن البسري، وأبا نصر الزّينبي، وعاش ثلاثا وثمانين سنة. توفي في ذي الحجة.
وفيها أبو الفتح محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب.
سمع رزق الله التميمي، والحميدي، ومات في صفر.
وفيها محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر الحافظ الثقة البغدادي السلامي أبو الفضل محدّث العراق.
ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وسمع علي بن البسري، وأبا طاهر بن أبي الصقر، والبانياسي، وطبقتهم، وأجاز له من خراسان أبو صالح المؤذّن، والفضل بن المحب، وأبو القاسم بن عليّك وطبقتهم، وعني بالحديث بعد أن برع في الفقه وتحول من مذهب الشافعي إلى مذهب الحنابلة.
قال ابن النجار: كان ثقة ثبتا، حسن الطريقة، متدينا، فقيرا، متعففا، نظيفا، نزها، وقف كتبه، وخلّف ثيابا خلقة وثلاثة دنانير، ولم يعقب.
وقال فيه أبو موسى المديني الحافظ: هو مقدّم أصحاب الحديث في وقته ببغداد.
وقال ابن رجب: كان والده شابا تركيا، محدّثا فاضلا، من أصحاب أبي بكر الخطيب الحافظ. توفي في شبيبته، وأبو الفضل هذا صغير، فكفله جده لأمه أبو حكيم الحيري الفرضي، فأسمعه في صغره شيئا يسيرا من الحديث، وأشغله بحفظ القرآن، والفقه على مذهب الشافعي. ثم إنه صحب
أبا زكريا التبريزي اللغوي، وقرأ عليه الأدب واللغة، حتى مهر في ذلك. ثم جدّ في سماع الحديث، وصاحب ابن الجواليقي.
وكان في أول الأمر أبو الفضل أميل إلى الأدب، وابن الجواليقي أميل إلى الحديث، وكان الناس يقولون: يخرج ابن ناصر لغوي بغداد، وابن الجواليقي محدّثها، فانعكس الأمر فصار ابن ناصر محدّث بغداد، وابن الجواليقي لغويها، وخالط ابن ناصر الحنابلة، ومال إليهم وانتقل إلى مذهبهم لمنام رأى فيه النّبيّ، ﷺ، وهو يقول له: «عليك بمذهب الشّيخ أبي منصور الخيّاط».
قال السّلفي: سمع ابن ناصر معنا كثيرا، وهو شافعي أشعري، ثم انتقل إلى مذهب أحمد في الأصول والفروع، ومات عليه، وله جودة حفظ وإتقان، وهو ثبت إمام.
وقال ابن الجوزي: كان حافظا ضابطا مفتيا ثقة، من أهل السّنّة، لا مغمز فيه، وكان كثير الذكر، سريع الدمعة، وهو الذي تولى تسميعي الحديث، وعنه أخذت ما أخذت من علم الحديث.
[وقال أيضا]: قرأت عليه ثلاثين سنة، ولم أستفد من أحد كاستفادتي منه.
وقال ابن رجب: ومن غرائب ما حكي عن ابن ناصر، أنه كان يذهب إلى أن السلام على الموتى، يقدم فيه لفظة «عليكم» فيقال عليكم السلام، لظاهر حديث أبي جريّ الهجيميّ وذكر في بعض تصانيفه أن
الإحداد على الميت بترك الطيب والزينة لا يجوز للرجال [بحال] ويجوز للنساء على أقاربهم ثلاثة أيام دون زيادة عليها، ويجب على المرأة على زوجها المتوفى [عنها] أربعة أشهر وعشرا. انتهى.
وفيها عبد الملك بن محمد بن عبد الملك اليعقوبي المؤدّب أبو الكرم.
ولد بعد السبعين والأربعمائة، وسمع من أبي الثرى، وأبي الغنائم بن المهتدي، وغيرهما، وحدّث، وسمع منه ابن الخشّاب، وابن شافع، وكان رجلا صالحا من خيار أصحابنا الحنابلة، تفقّه على ابن عقيل، وسمع الحديث الكثير.
ومن شعره:
يا أهل ودّي ويا أهلا دعوتكمبالحقّ لكنّها العادات والنّوب
أشبهتم الدّهر في تلوين صبغتهفكلكم حائل الألوان منقلب
وفيها أبو الكرم الشّهرزوري، المبارك بن الحسن البغدادي عن رأيه، لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله- ﷺ قلت:
عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك ... » وهو كذلك عند النسائي في «عمل اليوم والليلة». وأبو جريّ اسمه جابر بن سليم، أو سليم بن جابر، وانظر «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» للمزي و.
شيخ المقرئين، ومصنّف «المصباح في القراءات العشر» كان خيّرا صالحا، قرأ عليه خلق كثير. أجاز له أبو الغنائم بن المأمون، والصّريفيني، وطائفة.
وسمع من إسماعيل بن مسعدة، ورزق الله التميمي، وقرأ القراءات على عبد السيد بن عتّاب، وعبد القاهر العبّاسي، وطائفة، وانتهى إليه علو الإسناد في القراءات، وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها مجلّي بن جميع، قاضي القضاة بالدّيار المصرية، أبو المعالي القرشي المخزومي الشافعي الأرسوفي الأصل المصري، تفقّه على الفقيه سلطان المقدسي تلميذ الشيخ نصر، وبرع وصار من كبار الأئمة.
وقال الحافظ زكي الدّين المنذري: إن أبا المعالي تفقّه من غير شيخ وتفقّه عليه جماعة، منهم: العراقي شارح «المهذب» وتولى قضاء الدّيار المصرية سنة سبع وأربعين، ثم عزل لتغير الدولة في أوائل سنة تسع وأربعين، ومن تصانيفه «الذخائر».
قال الإسنوي: وهو كثير الفروع والغرائب، إلّا أن ترتيبه غير معهود متعب لمن أراد استخراج المسائل منه، وفيه أيضا أوهام.
وقال الأذرعي: إنه كثير الوهم، قال: ويستمد من كلام الغزالي ويعزوه إلى الأصحاب. قال: وذلك عادته، ومن تصانيفه أيضا «أدب القضاء» سمّاه
«العمدة» ومصنّف في الجهر بالبسملة، وله مصنّف في المسألة السّريجية، اختار فيه عدم الوقوع، وله مصنّف في جواز اقتداء بعض المخالفين ببعض في الفروع. قاله ابن شهبة.
وتوفي في ذي القعدة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع