تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

فيها توفي ابن الطّلّاية أبو العبّاس أحمد بن أبي غالب بن أحمد البغدادي الحنبلي، الورّاق الزاهد العابد. سمع من عبد العزيز الأنماطي وغيره، وانفرد بالجزء التاسع من «المخلّصيّات» حتّى أضيفت عليه، وقد زاره السلطان مسعود في مسجده بالحربية، فتشاغل عنه بالصلاة، وما زاده على أن قال له: يا مسعود، اعدل، وادع لي، الله أكبر، وأحرم بالصلاة، فبكى السلطان وأبطل المكوس والضرائب وتاب، وكان الشيخ من أعاجيب دهره في الاستقامة، لازم مسجده سبعين سنة لم يخرج منه إلا للجمعة، وكان متقللا من الدّنيا، متعبدا، لا يفتر ليلا ولا نهارا، لم يكن في زمنه أعبد منه، لازم ذلك حتّى انطوى طاقين، قانعا بثوب خام، وجرة ماء، وكسر يابسة، رحمه الله تعالى.

وفيها الرّفّاء عين الزّمان أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، الشاعر المشهور. كان رافضيا هجّاء فائق النظم، له

ديوان شعر، وكان أبوه ينشد الأشعار ويغني في أسواق طرابلس، ونشأ أبو الحسين المذكور، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم اللغة والآداب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضيا كثير الهجاء، خبيث اللّسان، ولما كثر ذلك منه سجنه بوري بن أتابك طغتكين، صاحب دمشق مدة، وعزم على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه، وكان بينه وبين ابن القيسراني مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة المتماثلين.

ومن شعره من جملة قصيدة:

وإذا الكريم رأى الخمول نزيلهفي منزل فالحزم أن يترحّلا
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
كالبدر لمّا أن تضاءل جدّ فيطلب الكمال فحازه متنقّلا
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
سفها لحلمك أن رضيت بمشربرنق ورزق الله قد ملأ الملا
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
ساهمت عيسك مرّ عيشك قاعداأفلا فليت بهنّ ناصية الفلا
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
فارق ترق كالسيف سلّ فبان فيمتنيه ما أخفى القراب وأخملا
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
لا تحسبنّ ذهاب نفسك ميتةما الموت إلّا أن تعيش مذلّلا
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
للقفر لا للفقر هبها إنمامغناك ما أغناك أن تتوسّلا
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
لا ترض من دنياك ما أدناك مندنس وكن طيفا جلا ثمّ انجلى
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة

وهي طويلة كلها حسن.

ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها:

من ركّب البدر في صدر الرّدينيوموّه السّحر في حدّ اليمانيّ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
وأنزل النّيّر الأعلى إلى فلكمداره في القباء الخسروانيّ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
طرف رنا أم قراب سلّ صارمهوأغيد ماس أم أعطاف خطّيّ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
أذلّني بعد عزّ والهوى أبدايستعبد اللّيث للظبي الكناسيّ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة

[ومنها أيضا]:

وما يجنّ عقيقيّ الشفاه من الريق الرّحيقيّ والثّغر الجمانيّ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
لو قيل للبدر من في الأرض تحسدهإذا تجلّى لقال ابن الفلانيّ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
أربى عليّ بشتّى من محاسنهتألّفت بين مسموع ومرئيّ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
إباء فارس في لين الشآم مع الظّرف العراقيّ والنّطق الحجازيّ
وما المدامة بالألباب أفتك منفصاحة البدر في ألفاظ تركيّ

وله أيضا:

أنكرت مقلته سفك دميوعلا وجنته فاعترفت
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
لا تخالوا خاله في خدّهقطرة من دم جفني نطفت
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
ذاك من نار فؤادي جذوةفيه ساخت وانطفت ثم طفت
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة

وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس، ووفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب، ودفن بجبل جوشن، وزرت قبره ورأيت عليه مكتوبا:

من زار قبري فليكن موقناأن الذي ألقاه يلقاه
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
فيرحم الله امرءا زارنيوقال لي: يرحمك الله

ومنير: بضم الميم وكسر النون، وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها راء. انتهى ما قاله ابن خلّكان ملخصا.

وفيها رجّار الفرنجي، صاحب صقلية، هلك في ذي القعدة بالخوانيق، وامتدت أيامه.

وفيها أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الأزجي القاضي أبو علي.

سمع من أبي محمد التميمي وغيره، وتفقّه على أبي الخطّاب الكلوذاني، وولي قضاء المدائن وغيرها.

ذكره ابن السمعاني فقال: أحد فقهاء الحنابلة وقضاتهم، كتبت عنه يسيرا. توفي يوم السبت سابع عشر شعبان.

وفيها أبو الفتح الكروخي- بالفتح وضم الراء، آخره معجمة، نسبة إلى كروخ، بلد بنواحي هراة- عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل الهروي، الرجل الصالح، راوي «جامع الترمذي». كان ورعا ثقة، كتب بالجامع نسخة ووقفها، وكان يعيش من النسخ، حدّث ببغداد، ومكّة، وعاش ستا وثمانين سنة، توفي في ذي الحجّة.

وفيها أبو الحسن البلخي علي بن الحسن الحنفي الواعظ الزاهد، درّس بالصّادريّة، ثم جعلت له دار الأمير طرخان مدرسة، وقام عليه الحنابلة لأنّه تكلّم فيهم، وكان يلقّب برهان الدّين، وكان زاهدا معرضا عن الدّنيا، وهو الذي قام في إبطال (حيّ على خير العمل) من حلب، وكان معظما

مفخما في الدولة، درّس أيضا بمسجد خاتون ومدرسته داخل الصدرية. قاله في «العبر».

وفيها أبو الفرج عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف البغدادي محدّث بغداد، كان خيّرا متواضعا متقنا مكثرا، صاحب حديث وإفادة. روى عن أبي نصر الزّينبي وخلق، وتوفي في المحرم، عن أربع وثمانين سنة.

وفيها القاضي أبو المعالي الحسن بن محمد بن أبي جعفر البلخي الشافعي، تفقّه على البغوي، وروى عنه أبو سعد بن السمعاني، وأثنى عليه، وذكر أنه توفي في رمضان. قاله الإسنوي.

وفيها عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسين بن محمد ابن عمر بن زيد عماد الدين أبو محمد النّيهي - بكسر النون، وسكون التحتية، وهاء، نسبة إلى نيه، بلدة صغيرة بين سجستان وإسفرايين- الشافعي.

قال ابن السمعاني في «الأنساب»: كان إماما فاضلا عالما عاملا، حافظا للمذهب، راغبا في الحديث ونشره، ديّنا مباركا، كثير الصلاة والعبادة، حسن الأخلاق، تفقّه على البغوي، وتخرّج عليه جماعة كثيرة من العلماء، وروى الحديث عن جماعة، وحضرت مجالس أماليه بمرو مدة مقامي.

وقال غيره: كان شيخ الشافعية بتلك الدّيار، وله كتاب في المذهب وقف عليه ابن الصلاح وانتخب منه غرائب، وتوفي في شعبان.

وفيها عبد الرحمن بن محمد البوشنجي الخطيبي الفقيه الشافعي، تفقّه على أبي نصر بن القشيري وغيره. احترق في فتنة الغزّ بمرو في المنارة.

قاله ابن الأهدل.

وفيها الملك العادل علي بن السلّار الكردي ثم المصري، وزير الظافر. أقبل من ولاية الإسكندرية إلى القاهرة ليأخذ الوزارة بالقهر، فدخل وحكم، ففرّ الوزير نجم الدّين سليم بن [محمد بن] مصال، وجمع العساكر وجاء، فجهز ابن السلّار جيشا لحربه، فالتقوا بدلاص. فقتل ابن مصال وطيف برأسه في سنة أربع وأربعين، وكان ابن السلّار سنّيا شافعيا شجاعا مقداما، بنى للسّلفيّ مدرسة معروفة، لكنه جبار عنيد، ظالم، شديد البأس، صعب المراس، وكان زوج أم عبّاس بن باديس، فقتله نصر بن عبّاس هذا على فراشه بالقاهرة في المحرم، وولي عبّاس الملك.

وفيها الشهرستاني الأفضل، محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتح الشافعي المتكلم، صاحب التصانيف، أخذ علم النظر والأصول عن أبي القاسم الأنصاري، وأبي نصر بن القشيري، ووعظ ببغداد، وظهر له القبول التام.

قال في «العبر»: واتهم بمذهب الباطنية.

وقال ابن قاضي شهبة: صنّف كتبا كثيرة، منها «نهاية الإقدام في علم

الكلام»، وكتاب «الملل والنّحل» و «تلخيص الأقسام لمذاهب الأعلام».

وقال ابن خلّكان: كان إماما، مبرّزا، فقيها، متكلما، واعظا، توفي في شعبان.

وقال ابن الأهدل: سمع الحديث من ابن المديني، وكتب عنه ابن السمعاني، وعظم صيته في الدّنيا.

وشهرستان: اسم لثلاث مدن.

الأولى: بين نيسابور وخوارزم.

والثانية: قصبة ناحية نيسابور.

والثالثة: مدينة على نحو ميلين من أصبهان. انتهى.

وفيها أبو علي محمد بن عبد الله بن محمد البسطامي الشافعي المعروف بإمام بغداد. كان فقيها مناظرا، وشاعرا مجيدا، تفقّه على إلكيا الهرّاسي، وسمع من ابن العلّاف، ولم يحدّث شيئا، وتوفي ببلخ [سنة] ثمان وأربعين وخمسمائة. ذكره ابن السمعاني.

وفيها أبو طاهر السّنجي- بالكسر والسكون، نسبة إلى سنج بجيم قرية بمرو- محمد بن محمد بن عبد الله المروزي الحافظ، خطيب مرو، تفقّه على أبي المظفّر السمعاني، وعبد الرحمن البزّاز. وسمع من طائفة، ولقي ببغداد ثابت بن بندار وطبقته، ورحل مع أبي بكر بن السمعاني، وكان ذا معرفة وفهم، مع الثقة والفضل والتعفف، توفي في شوال، عن بضع وثمانين سنة.

وفيها أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكشميهني المروزي الخطيب، شيخ الصوفية ببلده، وآخر من روى عن محمد بن أبي عمران «صحيح البخاري» عاش ستا وثمانين سنة.

وفيها أبو عبد الله بن القيسراني محمد بن نصر بن صغير بن خالد الأديب، حامل لواء الشعر في عصره، تولى إدارة الساعات التي بدمشق مدة، ثم سكن حلب، وكان عارفا بالهيئة، والنجوم، والهندسة، والحساب، مدح الملوك والكبار، وعاش سبعين سنة، ومات بدمشق.

قال ابن خلّكان: كان [هو، و] ابن منير ينسب إلى التحامل على الصحابة، رضوان الله عليهم، ويميل إلى التشيع، فكتب إليه ابن القيسراني، وقد بلغه أنه هجاه، قوله:

ابن منير هجوت منيحبرا أفاد الورى صوابه
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
ولم تضيّق بذاك صدريفإن لي أسوة الصحابة
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة

ومن محاسن شعره قوله:

كم ليلة بتّ من كأسي وريقتهنشوان أمزج سلسالا بسلسال
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
وبات لا تحتمي عنّي مراشفهكأنّما ثغره ثغر بلا وال
للشاعر ابن القيسراني، من قصيدة «خاطر بقلبك إما صبوة الغالي»

وقوله في مدح خطيب:

شرح المنبر صدرالتلقّيك رحيبا
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
أترى ضمّ خطيبامنك أم ضمخ طيبا
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة

وقوله في الغزل:

بالسفح من لبنان ليقمر منازله القلوب
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
حملت تحيته الشمال فردّها عنّي الجنوب
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
فرد الصفات غريبهاوالحسن في الدّنيا غريب
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
لم أنس ليلة قال ليلما رأى جسمي يذوب
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة
بالله قل لي من أعلّك يا فتى؟ قلت: الطبيب
للشاعر ابن القيسراني، اقرأ القصيدة

وكانت ولادته بعكا سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي ليلة الأربعاء حادي عشري شعبان بدمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس.

وفيها محمد بن يحيى العلّامة أبو سعد النيسابوري محيي الدّين، شيخ الشافعية، وصاحب الغزالي، انتهت إليه رئاسة المذهب بخراسان وقصده الفقهاء من البلاد، وصنف التصانيف، منها «المحيط في شرح الوسيط».

وهو القائل:

وقالوا يصير الشّعر في الماء حيّةإذا الشمس لاقته فما خلته صدقا
فلمّا التوى صدغاه في ماء وجههوقد لسعا قلبي تيقّنته حقّا

توفي في رمضان شهيدا على يد الغزّ- قبحهم الله- عن اثنتين وسبعين سنة، ورثاه جماعة، منهم: علي البيهقي فقال:

يا سافكا دم عالم متبحّرقد طار في أقصى الممالك صيته
بالله قل لي يا ظلوم ولا تخفمن كان محيي الدّين كيف تميته

وفيها محمود بن الحسين بن بندار، أبو نجيح، الطّلحي الواعظ المحدّث الحنبلي. سمع الحديث الكثير، وطلبه بنفسه، وقرأ وسمع بأصبهان كثيرا من يحيى بن مندة الحافظ وغيره، ورحل إلى بغداد وسمع بها من ابن الحصين، والقاضي أبي الحسين، وكتب بخطه كثيرا، وخطه حسن متقن، ووعظ وقال الشعر، وسمع منه ابن سعدون القرطبي. وحدّث عنه محمد بن مكّي الأصبهاني بها وغيره.

وفيها نصر بن أحمد بن مقاتل السّوسي ثم الدمشقي. روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء وجماعة، وكان شيخا مباركا، توفي في ربيع الأول.

وفيها هبة الله بن الحسين بن أبي شريك الحاسب، مات ببغداد في صفر. سمع من أبي الحسين بن النّقور، وكان حشريا مذموما.

وفيها أبو الحسين المقدسي الزاهد، صاحب الأحوال والكرامات، دوّن الشيخ الضياء سيرته في جزء، وقبره بحلب يزار.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.