من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربعين وخمسمائة
فيها توفي أبو سعد البغدادي الحافظ أحمد بن محمد بن أبي سعد أحمد بن الحسن الأصبهاني. ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وسمع من عبد الرحمن، وعبد الوهاب ابني مندة وطبقتهما، وببغداد من عاصم بن الحسن.
قال [أبو] سعد بن السمعاني: حافظ، ديّن، خيّر، يحفظ «صحيح مسلم» وكان يملي من حفظه.
وقال الذهبي: حجّ مرّات، ومات في ربيع الآخر بنهاوند، ونقل إلى أصبهان.
وقال ابن ناصر الدّين: كان ثقة متقنا ديّنا خيّرا واعظا، و «صحيح مسلم» من بعض حفظه.
وفيها أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن البحيري.
روى عن القشيري، وأحمد بن منصور المغربي. توفي في جمادى الأولى عن سبع وثمانين سنة.
وفيها [أبو الفتح] محمد بن محمد بن الخشّاب الكاتب، أحد الفضلاء. فمن شعره:
أراك اتّخذت سواكا أراكالكيما أراك وأنسى سواكا
سواك فما أشتهي أن أرىفهب لي رضابا وهب لي سواكا
ومن هنا أخذ القائل:
ما أردت الأراك إلّا لأنيإن ذكرت الأراك قلت أراكا
وهجرت السواك إلّا لأنيإن ذكرت السواك قلت سواكا
وقال الآخر:
طلبت منك سواكاوما طلبت سواكا
وما طلبت أراكاإلّا أردت أراكا
وكان حسن الخطّ [والعبارة] والتّرسل، له حظ من العربية، وكان يضرب به المثل في الكذب ووضع الخيالات والحكايات المستحيلات، منهمكا على الشرب مع كبر سنه.
وفيها [أبو عبد الله] محمد بن مزّاح الأزدي.
من شعره في ثقيل:
لنا صديق زائد ثقلهفظفره كالجبل الرّاسي
تحمل منه الأرض أضعاف ماتحمله من سائر النّاس
ولبعض الأندلسيين:
ليس بإنسان ولكنّهيحسبه النّاس من النّاس
أثقل في أنفس إخوانهمن جبل راس على راس
وفيها أبو إسحاق الضرير، إبراهيم بن محمد الطّليطلي، وهو القائل:
أتاك العذار على غرّةفإن كنت في غفلة فانتبه
وقد كنت تأبى زكاة الجمالفصار شجاعا تطوّقت به
وفيها أبو الحسن محمد بن الحسن أبو علي بن أبي جعفر الطّوسي، شيخ الرافضة وعالمهم، وابن شيخهم وعالمهم، رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق وحملوا إليه، وكان ورعا عالما كثير الزهد.
وأثنى عليه السمعاني.
وقال العماد الطبري: لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه.
وفيها أبو منصور بن الجواليقي، موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن البغدادي الحنبلي.
قال ابن رجب: هو شيخ أهل اللغة في عصره. ولد في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير من أبي القاسم بن البسري، وأبي طاهر بن أبي الصّقر، وابن الطّيوري، وخلق، وبرع في علم اللغة والعربية، ودرّس العربية في النظامية بعد شيخه أبي زكريا مدة، ثم قرّبه المقتفي لأمر الله تعالى، فاختص بإمامته في الصلوات، وكان المقتفي يقرأ عليه شيئا من الكتب، وانتفع به، وبان أثره في توقيعاته، وكان من أهل السّنّة المحامين عنها، ذكر ذلك ابن شافع.
وقال ابن السمعاني في حقه: إمام اللغة والأدب، وهو من مفاخر
بغداد، وهو متدين ثقة ورع، غزير الفضل، كامل العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنّف التصانيف وانتشرت عنه، وشاع ذكره، ونقل بخطه الكثير.
وكذلك قال عنه تلميذه ابن الجوزي. وقال: وقرأت عليه كتابه «المعرّب» وغيره من تصانيفه.
وقال ابن خلّكان: صنف التصانيف، وانتشرت عنه، مثل «شرح كتاب أدب الكاتب» وكتاب «المعرّب» و «تتمة درّة الغوّاص» للحريري.
وكان يصلي بالمقتفي بالله، فدخل عليه- وهو أول ما دخل- فما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين. فقال: ابن التلميذ النصراني- وكان قائما وله إدلال الخدمة والطب-: ما هكذا يسلّم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال: يا أمير المؤمنين: سلامي هو ما جاءت به السّنّة النبوية. وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه [المرضي] لما لزمته كفّارة، لأن الله تعالى ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلّا الإيمان، فقال: صدقت وأحسنت وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه.
وقال المنذري: سمع منه جماعة، منهم: ابن ناصر، وابن السمعاني، وابن الجوزي، وأبو اليمن الكندي، وتوفي سحر يوم الأحد خامس عشر المحرم، ودفن بباب حرب عند والده، رحمهما الله تعالى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع