من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو المعالي عبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن البغدادي الصفّار المقرئ. روى عن ابن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون.
وفيها أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي الحافظ الحنبلي، مفيد بغداد. سمع الصّريفيني ومن بعده.
قال أبو سعد: حافظ، متقن، كثير السماع.
وقال ابن رجب: ولد في رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وسمع الكثير من خلق كثير، وكتب بخطه الكثير، وسمع العالي والنازل، حتى إنه قرأ على ابن الطيّوري جميع ما عنده.
قال ابن ناصر عنه: كان بقية الشيوخ، وكان ثقة ولم يتزوج قطّ.
وقال الحافظ أبو موسى المديني في «معجمه»: هو حافظ عصره ببغداد.
وذكره ابن السمعاني فقال: حافظ، ثقة، متقن، واسع الرواية، دائم البشر، سريع الدمعة عند الذكر، حسن المعاشرة، جمع الفوائد، وخرّج
التخاريج، لعله ما بقي جزء مروي إلّا وقد قرأه، وكان متفرغا للتحديث إما أن يقرأ عليه، أو ينسخ [شيئا].
وذكره تلميذه ابن الجوزي في عدة مواضع من كتبه، كمشيخته، و «طبقات الأصحاب المختصرة» و «التاريخ» و «صفة الصفوة» و «صيد الخاطر» وأثنى عليه كثيرا، وقال: كان ثقة ثبتا ذا دين وورع، وكنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته، وكان على طريقة السلف، وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره، ودخلت عليه في مرضه وقد بلي وذهب لحمه، فقال: إن الله- ﷿ لا يتّهم في قضائه. وما رأينا في مشايخ الحديث أكثر سماعا منه، ولا أكثر كتابة للحديث منه، مع المعرفة به، ولا أصبر على الإقراء، ولا أكثر دمعة وبكاء، مع دوام البشر وحسن اللقاء، وكان لا يغتاب أحدا ولا يغتاب عنده أحد. وكان سهلا في إعارة الأجزاء، لا يتوقف.
توفي- ﵀ يوم الخميس حادي عشر المحرم، ودفن من الغد بالشونيزية وهي مقبرة أبي القاسم الجنيد، غربي بغداد.
وفيها علي بن طراد، الوزير الكبير، أبو القاسم الزّينبي العبّاسي، وزير المسترشد والمقتفي. سمع من عمه أبي نصر الزّينبي، وأبي القاسم بن البسري، وكان صدرا مهيبا نبيلا، كامل السؤدد، بعيد الغور، دقيق النظر، ذا رأي ودهاء وإقدام، نهض بأعباء بيعة المقتفي وخلع الراشد في نهار واحد، وكان الناس يتعجبون من ذلك، ولما تغيّر عليه المقتفي وهمّ بالقبض عليه، احتمى منه بدار السلطان مسعود، ثم خلّص ولزم داره، واشتغل بالعبادة والخير، إلى أن مات في رمضان، وكان يضرب المثل بحسنه في صباه.
وفيها محمد بن الخضر بن أبي المهزول المعروف بالسّابق من
أهل المعرّة، كان شاعرا مجوّدا، دخل بغداد، وجالس ابن ناقيا، والأبيوردي، وأبا زكريا التبريزي، وأنشدهم، ولقي ابن الهبّارية، وعمل رسالة لقبها «تحية الندمان».
ومن شعره في مليح حلقوا رأسه:
وجهك المستنير قد كان بدرافهو شمس لنفي صدغك عنه
ثبتت آية النهار عليهإذ محا القوم آية الليل منه
وفيها أبو البركات محمد بن علي بن صدقة بن جلب، الصائغ الحنبلي، أمين الحكم بباب الأزج. سمع من أبي محمد التميمي، وقرأ الفقه على القاضي أبي خازم.
وذكر ابن القطيعي عن أبي الحسين بن أبي البركات الصائغ قال:
سمعت أبي قال: جاءت فتوى إلى القاضي أبي خازم وفيها مكتوب:
ما يقول الإمام أصلحه اللّهـ[إلهي] وللسبيل هداه
في محبّ أتى إليه حبيبفي ليالي صيامه فأتاه
أفتنا هل صباح ليلته أفطر أم لا وقل لنا ما تراه
قال: فقال لي القاضي أبو خازم: أجب يا أبا البركات، فكتبت الجواب، وبالله التوفيق:
أيها السائلي عن الوطء في ليلة الصيام الذي إليه دعاه
وجده بالذي أحب وقد أحرق نار الغرام منه حشاه
كيف يعصي ولو تفكّر في قدرة ربّي مفكّرا ما عصاه
أأمنت الذي دحا الأرض أن يطبق دون الورى عليك سماه
ليس فيما أتيت ما يبطل الصوم جوابي فاعلم هداك الله
توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر رجب، ودفن بباب حرب، وسبب موته أن زوجته سمّته في طعام قدمته له، وأكل معه منه رجلان، فمات أحدهما من ليلته والآخر من غده، وبقي أبو البركات مريضا مديدة، ثم مات، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الفتوح الإسفراييني محمد بن الفضل بن محمد، ويعرف أيضا بابن المعتمد، الواعظ المتكلم. روى عن أبي الحسن بن الأخرم المديني، ووعظ ببغداد، وجعل شعاره إظهار مذهب الأشعري، وبالغ في ذلك، حتى هاجت فتنة كبيرة بين الحنابلة والأشعرية، فأخرج من بغداد، فغاب مدة ثم قدم وأخذ يثير الفتنة ويبث اعتقاده ويذم الحنابلة، فأخرج من بغداد، وألزم بالإقامة ببلده، فأدركه الموت ببسطام في ذي الحجة، وكان رأسا في الوعظ أوحد في مذهب الأشعري، له تصانيف في الأصول والتصوف.
قال ابن عساكر: أجرأ من رأيته لسانا وجنانا، وأسرعهم جوابا، وأسلسهم خطابا. لازمت حضور مجلسه، فما رأيت مثله واعظا ولا مذكّرا.
قاله في «العبر».
وفيها أبو القاسم الزّمخشري، محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي النحوي اللغوي المفسر المعتزلي، صاحب «الكشاف» و «المفصّل» عاش إحدى وسبعين سنة، وسمع ببغداد من ابن البطر، وصنّف عدة تصانيف،
وسقطت رجله، فكان يمشي في جاون خشب، وكان داعية إلى الاعتزال، كثير الفضائل. قاله في «العبر».
وقال ابن خلّكان: الإمام الكبير في التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، وعلم البيان. كان إمام عصره من غير مدافع، تشد إليه الرحال في فنونه. أخذ النحو عن أبي مضر منصور، وصنّف التصانيف البديعة، منها «الكشاف» في تفسير القرآن العظيم، لم يصنّف قبله مثله، و «الفائق» في تفسير الحديث، و «أساس البلاغة» في اللغة، و «ربيع الأبرار وفصوص الأخبار» و «متشابه أسامي الرواة» و «النصائح الكبار» و «النصائح الصغار» و «ضالة الناشد» و «الرائض في علم الفرائض» و «المفصل» في النحو، وقد اعتنى بشرحه خلق كثير، و «الأنموذج» في النحو، و «المفرد والمؤلّف» في النحو، و «رؤوس المسائل» في الفقه، و «شرح أبيات سيبويه» و «المستقصى في أمثال العرب» و «صميم العربية» و «سوائر الأمثال» و «ديوان التمثيل» و «شقائق النعمان» و «شافي العيّ من كلام الشافعي» و «القسطاس» في العروض، و «معجم الحدود» و «المنهاج» في الأصول، و «مقدمة من الآداب» و «ديوان الرسائل» و «ديوان الشعر» و «الرسالة الناصحة» والأمالي في كل فنّ، وغير ذلك.
وكان قد سافر إلى مكّة- حرسها الله تعالى- وجاور بها زمانا، فصار يقال له «جار الله» لذلك، فكان هذا الاسم علما عليه. وسمعت من بعض المشايخ أن إحدى رجليه كانت ساقطة و [أنّه] كان يمشي في جاون خشب، وكان سبب سقوطها أنه في بعض أسفاره في بلاد خوارزم أصابه ثلج كثير وبرد شديد في الطريق فسقطت منه رجله، وأنه كان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك، خوفا من أن يظن من لم يعلم الحال أنها قطعت لريبة.
ورأيت في تاريخ [بعض] المتأخرين، أن الزّمخشري لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن [سبب] قطع رجله، فقال: دعاء الوالدة، وذلك أنني في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله، وأفلت من يدي، فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فقالت والدتي: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سنّ الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي، وعملت عليّ عملا أوجب قطعها.
وكان الزّمخشري المذكور معتزلي الاعتقاد متظاهرا به، حتّى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنّف كتاب «الكشّاف» استفتح الخطبة بقوله: «الحمد لله الذي خلق القرآن» فيقال: إنه قيل متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيّره بقوله:
«الحمد لله الذي جعل القرآن» وجعل عندهم بمعنى خلق. ورأيت في كثير من النسخ «الحمد لله الذي أنزل القرآن» وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنّف.
وكان الحافظ أبو الطاهر السّلفي كتب إليه من الإسكندرية وهو يومئذ مجاور بمكة يستجيزه في مسموعاته ومصنفاته، فردّ جوابه بما لا يشفي الغليل، فلما كان في العام الثاني كتب إليه أيضا مع بعض الحجّاج استجازة أخرى، ثم قال في آخرها: ولا يحوج- أدام الله توفيقه- إلى المراجعة، فالمسافة بعيدة، وقد كاتبه في السنة الماضية فلم يجبه بما يشفي الغليل، وفي ذلك الأجر الجزيل. فكتب [إليه] الزّمخشري جوابه بأفصح عبارة وأبلغها، ولم يصرح له بمقصوده.
ومن شعره السائر قوله:
ألا قل لسعدى ما لنا فيك من وطروما النّجل من أعين البقر
فإنّا اقتصرنا بالذين تضايقتعيونهم والله يجزي من اقتصر
مليح ولكن عنده كلّ جفوةولم أر في الدّنيا صفاء بلا كدر
ولم أنس إذ غازلته قرب روضةإلى جنب حوض فيه للماء منحدر
فقلت له: جئني بورد وإنماأردت به ورد الخدود وما شعر
فقال: انتظرني رجع طرف أجئ بهفقلت له: هيهات ما لي منتظر
فقال: ولا ورد سوى الخدّ حاضرفقلت له: إنّي قنعت بما حضر
ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصورا:
وقائلة: ما هذه الدّرر التيتساقط من عينيك سمطين سمطين؟
فقلت لها: الدّر الذي كان قد حشاأبو مضر أذني تساقط من عيني
ومن شعره:
أقول لظبي مرّ بي وهو راتعأأنت أخو ليلى فقال: يقال
فقلت وفي حكم الصبابة والهوىيقال أخو ليلى فقال: يقال
فقلت وفي ظل الأراكة والحمىيقال ويستسقي فقال: يقال
ومما أنشد لغيره في كتاب «الكشّاف» في سورة البقرة، عند قوله تعالى: إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة:
] فإنه قال: أنشدت لبعضهم:
يا من يرى مدّ البعوض جناحهافي ظلمة اللّيل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرهاوالمخّ في تلك العظام النّحل
اغفر لعبد تاب عن فرطاتهما كان منه في الزمان الأول
وكانت ولادة الزمخشري يوم الأربعاء سابع عشري رجب، سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر، وتوفي ليلة عرفة بجرجانيّة خوارزم، بعد رجوعه من مكّة. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وقال ابن الأهدل: كان من أئمة الحنفية، معتزلي العقيدة، عظم صيته في علوم الأدب، وسلّم مناظروه له. انتهى ملخصا أيضا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع