تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة سبعين وخمسمائة

فيها قدم صلاح الدّين، فأخذ دمشق بلا ضربة ولا طعنة، وسار الصالح إسماعيل بن نور الدّين الشهيد في حاشيته إلى حلب، ثم سار صلاح الدّين، فحاصر حمص بالمجانيق، ثم سار فأخذ حماة في جمادى الآخرة، ثم سار فحاصر حلب، وأساء العشرة في حقّ آل نور الدّين، ثم ردّ وتسلّم حمص، ثم عطف إلى بعلبك فتسلّمها، ثم كرّ فالتقى عز الدّين مسعود ابن مودود بن صاحب الموصل وأخو صاحبها، فانهزم المواصلة على قرون حماة أسوأ هزيمة، ثم استناب أخاه بدمشق سيف الإسلام، وكان بمصر أخوه العادل.

وفيها توفي أحمد بن المبارك المرقّعاتي. روى عن جدّه لأمّه ثابت بن بندار، وكان يبسط المرقّعة للشيخ عبد القادر على الكرسي، توفي في صفر.

وفيها خديجة بنت أحمد بن الحسين النّهرواني. روت عن أبي عبد الله النّعالي، وكانت صالحة، توفيت في رمضان.

وفيها حامد بن محمود بن حامد بن محمد بن أبي عمرو الحرّاني، الخطيب الفقيه الحنبلي الزاهد، أبو الفضل، المعروف بابن أبي الحجر، ويلقب تقي الدّين، شيخ حرّان، وخطيبها ومدرسها ومفتيها.

ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بحرّان كما قال ابن تيمية، ورحل إلى بغداد، وسمع بها من عبد الوهاب الأنماطي الحافظ وغيره، وتفقّه بها، وبرع وناظر، ولقي بها الشيخ عبد القادر ولازمه، فرآه الشيخ يوما يمشي على سجادته- على بساط للشيخ- فقال الشيخ عبد القادر: كأني بك وقد دست على بساط السلطان، فكان كما قال.

وقال ابن الجوزي: صديقنا، قدم بغداد، وتفقّه وناظر، وعاد إلى حرّان، وأفتى ودرّس، وكان ورعا به وسوسة في الطهارة.

وذكر ابن القطيعي نحوا من ذلك، وقال: كان تاليا للقرآن، كتبت عنه، وكان ثقة. انتهى.

وقال [ناصح الدّين] بن الحنبلي: كان شيخ حرّان في وقته، بنى نور الدّين محمود المدرسة في حرّان لأجله، ودفعها إليه ودرّس بها، وتولى عمارة جامع حرّان فما قصّر فيه.

وقال ابن رجب: أخذ عنه العلم جماعة من أهل حرّان، منهم:

الخطيب فخر الدّين بن تيمية، وابن عبدوس، وغيرهما.

وسمع منه الحديث بحرّان جماعة، منهم: أبو المحاسن القرشي الدمشقي، وابن القطيعي. وروى عنه في «تاريخه» وقال: توفي لسبع خلون من شوال بحرّان.

وفيها شملة التركماني. تملّك بلاد فارس، وجدّد قلاعا، وحارب الملوك، ونهب المسلمين، وكان يخطب للخليفة. التقاه البهلوان [بن إيلدكز] ومعه عسكر من التركمان لهم ثأر على شملة فانهزم جيشه، وأصابه سهم وأسر فمات، وكان ظالما جبّارا، فرح الناس بمصرعه، وكانت أيّامه عشرين سنة. قاله في «العبر».

وفيها قايماز الملك قطب الدّين المستنجدي. عظم في دولة مولاه، وصار مقدّم الجيش في دولة المستضيء، واستبد بالأمور إلى أن همّ بالخروج، فسار بعسكره نحو الموصل، فمات في ذي الحجّة، وكان فيه كرم وقلة ظلم.

وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل القيسي اللّبلي نزيل فاس ثم مرّاكش. روى عن ابن الطلّاع، وحازم بن محمد. وسمع «صحيح مسلم» من أبي علي الغسّاني.

قال [ابن] الأبّار: كان من أهل الرواية والدراية، لازم مالك بن وهيب مدة.

وفيها أبو شجاع عمر بن محمد البسطامي البلخي كان فقيها فاضلا.

ومن شعره:

وجرّبت أبناء الزّمان بأسرهمفأيقنت أنّ القلّ في عدّهم كثر
وخبرت طغواهم ولوم فعالهمفلما التقينا صغّر الخبر الخبر

وفيها أبو الفضل يحيى بن جعفر صاحب المخزن، ونائب الوزارة.

كان حافظا للقرآن، فاضلا، عادلا، محبا للصالحين والعلماء، وذكره مأوى لهم. سمع الحديث الكثير. قام إليه الحيص بيص وهو في نيابة الوزارة، فقال:

لكلّ زمان من أماثل أهلهبرامكة يمتارهم كلّ معشر
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «لكل زمان من أماثل أهله»
أبو الفضل يحيى مثل يحيى بن خالديدا وأبوه جعفر مثل جعفر
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «لكل زمان من أماثل أهله»

فقام ناشب الواعظ، فأنشد:

وفي الجانب الشّرقيّ يحيى بن جعفروفي الجانب الغربيّ موسى بن جعفر
فذاك إلى الله الكريم شفيعناوهذا إلى المولى الكريم المطهّر

أراد جعفر الصّادق.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.