من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وعشرين وستمائة
وفيها وقع برد وزنوا بردة فكانت مائة رطل بالبغدادي.
وفيها توفي الشمس البخاري أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السّعدي المقدسي ثم الدمشقي المعروف بالبخاري، شمس الدّين أبو العبّاس أخو الحافظ ضياء الدّين محمد، ووالد الفخر علي، مسند عصره.
ولد في العشر الأواخر من شوال، سنة أربع وستين وخمسمائة بالجبل، وسمع بدمشق من أبي المعالي بن صابر وغيره، وببغداد من ابن الجوزي وطبقته، وبنيسابور وواسط من جماعة. وتفقه في مذهب الإمام أحمد، وبرع في المذهب، وأقام مدة يشتغل بالخلاف على الرّضي النيسابوري، ولهذا عرف بالبخاري، ثم رجع إلى الشام وسكن حمص مدة.
قال المنذري: وهو أول من ولي القضاء بها.
وقال ابن الذهبيّ: كان إماما، عالما، مفتيا، مناظرا، ذا سمت ووقار. وكان كثير المحفوظ [كثير الخير]، حجّة، صدوقا، كثير الاحتمال، تامّ المروءة، [فصيحا، مفوّها]، لم يكن في المقادسة أفصح منه، واتّفقت الألسنة على شكره وشهرته وفضله. وما كان عليه يغني عن الإطناب في ذكره.
وروى عنه [أخوه] الضياء الحافظ وغيره، وأجاز للمنذري، وقال: إنه توفي ليلة الخميس خامس جمادى الآخرة، ودفن من الغد إلى جانب خاله الشيخ موفق الدّين.
وفيها أحمد بن محمود بن أحمد بن ناصر البغدادي الحريمي الحذّاء أبو العبّاس بن أبي البركات.
ولد سنة ثلاث وأربعين تقديرا، وسمع ما أفاده والده من ابن البطّي، وابن بندار، وابن الدّجّاجي، وغيرهم، وتفقه في مذهب الإمام أحمد على والده، وحدّث، وأجاز للمنذري.
قال ابن الساعي: توفي يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الأولى ودفن بمقبرة باب حرب.
وفيها أحمد بن ناصر بن أحمد بن محمد بن ناصر، الإسكاف الفقيه، أبو العبّاس بن أبي البركات الفقيه الحنبلي الحربي.
قرأ طرفا من الفقه على والده، وسمع الحديث من ابن البطّي، ويحيى ابن ثابت بن بندار، وابن الدّجّاجي وغيرهم، وكتب عنه ابن النجار. وقال:
كان شيخا، حسنا، فهما، متيقظا. توفي يوم الأحد حادي عشري جمادى الأولى، ودفن بباب حرب.
وفيها ابن الأستاذ أبو محمد عبد الرّحمن بن عبد الله بن علوان الحلبي المحدّث الصالح، والد قاضي حلب.
ولد سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. وسمع من طائفة، وحجّ من بغداد، فسمع بها من أحمد بن محمد العبّاسي، وكان له عناية متوسطة بالحديث، توفي في عاشر جمادى الآخرة.
وفيها الإمام الرافعي أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن الحسن، الإمام العلّامة إمام الدّين الشافعي، صاحب «الشرح» المشهور الكبير على «المحرر» وصاحب «الوجيز». انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه. وكان مع براعته في العلم صالحا، زاهدا، ذا أحوال وكرامات ونسك وتواضع.
قال ابن قاضي شهبة: إليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار، ولقد برز فيه على كثير ممن تقدّمه، وحاز قصب السبق، فلا يدرك شأوه إلّا من وضع يديه حيث وضع قدمه. تفقّه على والده وغيره، وسمع الحديث من جماعة.
وقال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله. كان ذا فنون، حسن السيرة، جميل الأمر، صنف «شرح الوجيز» في بضعة عشر مجلدا لم يشرح «الوجيز» بمثله.
وقال النووي: إنه كان من الصالحين المتمكنين، وكانت له كرامات [كثيرة] ظاهرة.
وقال أبو عبد الله محمد بن محمد الإسفراييني: هو شيخنا، إمام الدّين، وناصر السّنة صدقا. كان أوحد عصره في العلوم الدينية، أصولا وفروعا، ومجتهد زمانه في المذهب، وفريد وقته في التفسير. [كان له مجلس بقزوين للتفسير] ولتسميع الحديث. صنّف شرحا ل «مسند الشافعي» وأسمعه وصنّف شرحا ل «الوجيز»، ثم صنّف أوجز منه.
وقيل: إنه لم يجد زيتا للمطالعة في قرية بات بها فتألم، فأضاء له عرق كرمة فجلس يطالع ويكتب عليه.
ومن شعره:
أقيما على باب الرّحيم أقيماولا تنيا في ذكره فتهيما
هو الرّبّ من يقرع على الصّدق بابهيجده رؤوفا بالعباد رحيما
وقال ابن خلّكان: توفي في هذه السنة بقزوين وعمره نحو ست وستين سنة.
ومن تصانيفه «العزيز في شرح الوجيز» الذي يقول فيه النووي بعد وصفه: واعلم أنه لم يصنّف في مذهب الشافعيّ- ﵁ ما يحصّل لك مجموع ما ذكرته أكمل من كتاب الرافعي ذي التحقيقات، بل اعتقادي واعتقاد كل مصنّف أنه لم يوجد مثله في الكتب السابقات ولا المتأخرات فيما ذكرته من المقاصد المهمات.
والرافعي: منسوب إلى رافعان، بلدة من بلاد قزوين. قاله النووي.
وقال الإسنوي: وسمعت قاضي القضاة جلال الدّين القزويني يقول:
إن رافعان بالعجمي، مثل الرافعي بالعربي، فإن الألف والنون في آخر الاسم عند العجم كياء النسبة في آخره عند العرب، فرافعان نسبة إلى رافع، قال: ثم إنه ليس بنواحي قزوين بلدة يقال لها رافعان ولا رافع، بل هو منسوب إلى جدّ له يقال له: رافع، أي وهو رافع بن خديج.
وحكى ابن كثير قولا أنه منسوب إلى رافع مولى رسول الله، ﷺ.
وفيها علي بن النّفيس بن بورنداز أبو الحسن البغدادي.
ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وسمع من أبي الوقت [السّجزي]، ومحمود فورجه، وجماعة، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها شبل الدولة، كافور الحسامي طواشي حسام الدّين محمد، ولد ستّ الشام، وخادم ستّ الشام. له فوق جسر ثورا من صالحية دمشق، المدرسة، والتربة، والخانقاه، وأوقف عليها الأوقاف، ونقل لها الكتب الكثيرة، وفتح للناس طريقا من الجبل إلى دمشق قريبة على عين الكرش، وبنى المصنع الذي على رأس الزقاق، والخانقاه للصوفية إلى جانب مدرسته، ومصنعا آخر عند مدرسته، وكان ديّنا، وافر الحشمة. روى عن الخشوعي، ودفن بتربته إلى جانب مدرسته.
وفيها الظّاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي العباسي.
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وبويع بالخلافة بعد أبيه في العام الماضي، وكانت خلافته تسعة أشهر ونصفا، وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، حتّى بالغ ابن الأثير وقال: أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنّة العمرين.
وقال أبو شامة: كان أبيض مشربا بحمرة، حلو الشمائل، شديد القوى، قيل له: ألا تتفسح ؟ قال: لقد لقس الزرع، فقيل: يبارك الله في عمرك، فقال: من فتح [دكانا] بعد العصر أيش يكسب. ثم إنه أحسن إلى النّاس وفرّق الأموال، وأبطل المكوس وأزال المظالم.
وقال الذهبي: توفي في ثالث عشر رجب، وبويع بعده ابنه المستنصر بالله.
وفيها أحمد بن عبد المنعم الحكيم البغدادي. كان حسن المعرفة بالأدب والطلب.
ومن شعره:
إذا لم أجد لي في الزّمان مؤانساجعلت كتابي مؤنسي وجليسي
وأغلقت بابي دون من كان ذا غنىوأمليت من مال القناعة كيسي
وفيها ابن أبي لقمة، أبو المحاسن محمد بن السيد بن فارس الأنصاري الدمشقي الصفّار المعمّر.
ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وسمع من هبة الله بن طاووس، والفقيه نصر الله المصّيصي، وجماعة. تفرّد بالرّواية عنهم، وأجاز له من
بغداد سنة أربعين علي بن الصبّاغ وطبقته، وكان ديّنا، كثير التلاوة والذّكر.
توفي في ثالث ربيع الأول.
وفيها ابن البيّع أبو المحاسن محمد بن هبة الله بن عبد العزيز الدّينوري الزّهري. سمع من عمّه أبي بكر محمد بن أبي حامد، ومحمد ابن طراد الزّينبي، وجماعة، انفرد بالرواية عنهم، وكان شيخا جليلا نبيلا رضيا، توفي في شوال.
وفيها أبو القاسم العتّابي المبارك بن علي بن أبي الجود الورّاق آخر أصحاب ابن الطّلّاية. كان رجلا صالحا، توفي في المحرم.
قال الذهبي: حدثنا عنه الأبرقوهيّ.
وفيها أبو العزّ موفق الدّين مظفّر بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن شامي بن أحمد بن ناهض بن عبد الرزاق العيلاني- بالعين المهملة، نسبة إلى قيس عيلان- الحنبلي الأديب الشاعر العروضي الضرير المصري.
ولد لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمصر، وسمع الحديث من أبي القاسم بن البستي، وابن الصّابوني، وأبي طاهر السّلفي، والبوصيري، وغيرهم. ولقي جماعة من الأدباء، وقال الشّعر الجيّد، وبرع في علم العروض، وصنّف فيه تصنيفا مشهورا دلّ على حذقه. ومدح جماعة كثيرة من الملوك، والشعراء، والوزراء، وغيرهم. وحدّث بتصنيفه وبشيء من شعره.
قال المنذري: سمعت منه وكان بقية فضلاء طبقته.
وذكر ابن خلّكان أنه قال: دخلت يوما على القاضي هبة الله بن سناء الملك الشاعر فقال لي: يا أديب صنفت نصف بيت ولي أيام أفكر في تمامه قلت: وما هو؟ قال:
بياض عذاري من سواد عذاره
قلت: قد حصل تمامه، وأنشدت:
كما جلّ ناري فيه من جلنّاره
فاستحسنه وعمل عليه.
ومن نظمه الأبيات المشهورة السائرة الرائقة الفائقة:
قالوا عشقت وأنت أعمىظبيا كحيل الطّرف ألمى
وحلاه ما عاينتهافنقول قد شغفتك دهما
وخياله بك في المنام فما أطاف ولا ألمّا
من أين أرسل للفؤاد وأنت لم تنظره سهما
ومتى رأيت جمالهحتّى كساك هواه سقما
وبأيّ جارحة وصلت لوصفه نثرا ونظما
والعين داعية الهوىوبه ينمّ إذا تنمّى
فأجبت إني موسويّ العشق إنصافا وفهما
أهوى بجارحة السّماع ولا أرى ذات المسمّى
وقال ابن خلّكان: وأخبرني أحد أصحابه أن شخصا قال له: رأيت في بعض تآليف أبي العلاء المعرّي ما صورته: أصلحك الله وأبقاك، لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي، لكي نحدث عهدا بك يا زين
الأخلاء، فما مثلك من ضيّع عهدا وغفل، وسأله من أي الأبحر هذا؟ وهل هو بيت واحد أم أكثر؟ فإن كان أكثر فهل أبياته على رويّ واحد أم هي مختلفة الرّويّ. قال: فأفكر ساعة، ثم أجابه بجواب حسن، فلما قال لي المخبر ذلك، قلت له: اصبر عليّ حتّى أنظر [فيه] ولا تقل ما قاله، ثم أفكرت فيه فوجدته يخرج من بحر الرّجز، وهذا المجزوء منه، وتشتمل هذه الكلمات على أربعة أبيات، على رويّ اللّام، وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضيين، ومن لم يكن من العروضيين ومن لم يكن له بهذا الفنّ معرفة، فإنه ينكرها، لأجل قطع الموصول منها، ولا بد من الإتيان بها لتظهر صورة ذلك وهي:
أصلحك الله وأبقاك لقد كان من ال
واجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا ال
خالي لكي نحدث عهدا بك يا زين الأخل
لاء فما مثلك منضيّع عهدا أو غفل
وهذا إنما يذكره أهل هذا الشأن للمعاياة لا أنه من الأشعار المستعملة، فلما استخرجته عرضته على ذلك الشخص، فقال: هكذا قاله مظفّر الأعمى.
وكانت ولادة مظفّر الدّين المذكور لخمس بقين من جمادى الآخرة،
سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمصر، وتوفي بها سحرة يوم السبت من المحرم. انتهى ملخصا، أي ودفن بسفح المقطّم.
وفيها الجمال المصري، قاضي القضاة أبو الوليد يونس بن بدران بن فيروز بن صاعد بن محمد بن علي الشّيبي الشّافعي.
ولد في حدود الخمسين وخمسمائة، وسمع من السّلفي، وولي الوكالة السلطانية بالشام، ودرّس بالأمينيّة، ثم ولي القضاء، ودرّس بالعادليّة، واختصر «الأم» للشافعي، ولم يكن بذاك المحمود في الولاية.
توفي في ربيع الآخر، ودفن بداره بقرب القليجيّة، وقد تكلّم في نسبه.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع