من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين وعشرين وستمائة
فيها جاء جلال الدّين بن خوارزم شاه، فبذل السيف في دقوقا، وفعل ما لا تفعله الكفرة، وأحرق دقوقا، وعزم على هجم بغداد، فانزعج الخليفة النّاصر، وحصّن بغداد، وأقام المجانيق، وأنفق ألف ألف دينار، ففجأ ابن خوارزم شاه أن الكرج قد خرجوا على بلاده، فساق إليهم والتقاهم.
قال أبو شامة: فظفر بهم، وقتل منهم سبعين ألفا، ثم أخذ تفليس بالسيف، وقتل بها ثلاثين ألفا في آخر العام.
وكان قد أخذ تبريز بالأمان، وتزوّج بابنة السلطان طغريل السّلجوقي، ثم جهز جيشا فافتتحوا كنجة، وأخذ أيضا مراغة، وكانت الكرج قد ملّكوا عليهم امرأة وتطلبوا لها من ينكحها لينوب عنها في الملك، فأرسل سلطان الرّوم إليها يخطبها لابنه فامتنعوا، وقالوا: لا يحكم علينا مسلم،
فقال: إن ابني يتنصّر ويتزوجها فأجابوه، فتنصّر ابنه وأقام معها، وأمر ونهى، نعوذ بالله من الخذلان. وكان الزوج يسمع عنها القبائح ويسكت، وكانت تعشق مملوكا لها، ورآها يوما في الفراش مع المملوك فأنكر ذلك، فقالت:
إن رضيت وإلّا أنت أخبر. ثم نقلته إلى قلعة وحجرت عليه، ثم سمعت بشابين مليحين، فأحضرت أحدهما وتزوجت به، وأحضرت آخر بديع الحسن من أهل كنجة، فطلبت منه أن يتنصّر للتزوج به.
وفي سلخ رمضان توفي الخليفة النّاصر لدين الله أبو العبّاس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي الهاشمي العبّاسي. بويع بالخلافة في أول ذي القعدة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وله ثلاث وعشرون سنة، وكان أبيض، تركيّ الوجه، أقنى الأنف، خفيف العارضين، رقيق المحاسن، فيه شهامة وإقدام، وله عقل ودهاء، وهو أطول بني العبّاس خلافة، كما أن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس أطول بني أميّة دولة، وكما أن المستنصر بالله العبيدي أطول العبيديين دولة، وكما أن السلطان سنجر بن ملكشاه أطول بني سلجوق دولة.
قال الموفّق عبد اللطيف: كان يشقّ الدّروب والأسواق أكثر الليل والناس يتهيبون لقاءه، أظهر الفتوة والبندق والحمام المناسيب في أيامه، وتفنن الأعيان والأمراء في ذلك ودخل فيه الملوك.
وقال الذهبي: وكان مستقلا بالأمور بالعراق، متمكنا من الخلافة، يتولى الأمور بنفسه، ما زال في عزّ وجلالة واستظهار وسعادة. أصابه فالج في
آخر أيامه، وتوفي في سلخ رمضان وله سبعون سنة إلّا أشهرا. وولي بعده ولده الظاهر.
وقال ابن النجار: دانت السلاطين للناصر، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين، وذلّت له العتاة والطّغاة، وانقهرت لسيفه الجبابرة، وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن تقدّمه. من السلاطين والخلفاء والملوك، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، وكان أسد بني العبّاس تتصدع لهيبته الجبال، وكان حسن الخلق، لطيف الخلق، كامل الظرف، فصيح اللّسان، بليغ البيان، له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة. كانت أيامه غرّة في وجه الدّهر، ودرّة في تاج الفخر.
وقال الموفق عبد اللطيف: أحيا هيبة الخلافة- وكانت قد ماتت بموت المعتصم- ثم ماتت بموته، وكان الملوك والأكابر بمصر والشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا.
وقال ابن واصل: كان مع ذلك رديء السيرة في الرعية، مائلا إلى الظّلم والعسف. وكان يفعل أفعالا متضادة. وكان يتشيّع ويميل إلى مذهب الإمامية، بخلاف آبائه، حتّى إن ابن الجوزي سئل بحضرته من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته، فكنّى بفضل الصّديق ولم يقدر أن يصرح.
وقال الذهبي: أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه، منهم ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن النجار، وابن الدامغاني، وآخرون.
وقال سبط ابن الجوزي وغيره: قلّ بصر الناصر في آخر عمره، وقيل:
ذهب بالكلّية، ولم يشعر بذلك أحد من الرّعية، حتّى الوزير وأهل الدّار.
وكان له جارية قد علّمها الخطّ بنفسه، فكانت تكتب مثل خطّه، فتكتب على التواقيع.
وقال شمس الدّين الجزري: كان الماء الذي يشربه النّاصر تأتي به الدّواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ ويغلى سبع غلوات كل يوم غلوة، ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام، ثم يشرب منه، ومع هذا ما مات حتّى سقي المرقد مرات، وشقّ ذكره، وأخرج منه الحصى ثم مات منه.
ومن لطائفة أن خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب، فوقّع فيها: بمن يمنّ يمن، ثمن يمن ثمن.
وفيها ابن يونس صاحب «شرح التنبيه» الإمام شرف الدّين أحمد بن العلّامة ذي الفنون كمال الدّين موسى ابن الشيخ المفتي رضي الدّين يونس الموصلي الشافعي. توفي في ربيع الآخر عن سبع وأربعين سنة.
قال ابن خلّكان: كان كثير المحفوظات، غزير المادة، نسج على منوال أبيه في التفنن، وما سمعت أحدا يلقي الدروس مثله. ولقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلّا وتصغر الدنيا في عيني.
وقال الذهبي: عاش بعده أبوه سبع عشرة سنة.
وفيها إبراهيم بن عبد الرحمن القطيعي المواقيتي أبو إسحاق الخيّاط. روى «الصحيح» غير مرة عن أبي الوقت [السّجزي]، وتوفي في شعبان، وكان ثقة فاضلا مؤقّتا.
وفيها أبو إسحاق بن البرني إبراهيم بن مظفّر بن إبراهيم الواعظ، شيخ دار الحديث المهاجرية بالموصل. روى عن ابن البطّي وجماعة، وكان عالما متفننا.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن أبي المكارم بن شكر بن نعمة بن علي ابن أبي الفتح بن حسن بن قدامة بن أيوب بن عبد الله بن رافع المقدسي، الخطيب الحنبلي، خطيب قرية مردا من عمل نابلس.
قال الحافظ الضياء: سافر إلى بغداد في طلب العلم، واشتغل وحصّل في مدة يسيرة ما لم يحصّله غيره في مدة طويلة. وسمع الحديث ببغداد وبجبل قاسيون، وسمعت شيخنا الإمام عماد الدّين إبراهيم بن عبد الواحد غير مرة يغبطه بما هو عليه من كثرة الخير، ثم ذكر له كرامات من تكثير الطعام في وقت احتيج فيه إلى تكثيره، ومن المعافاة من الصرع بما يكتبه.
وقال المنذري: توفي بمردا.
وفيها أحمد بن علي بن أحمد الموصلي الفقيه الحنبلي الزاهد أبو العبّاس المعروف بالوتّارة، ويقال: ابن الوتّارة قال المنذري: سمع على علو سنّه من المتأخرين.
وقال النّاصح ابن الحنبلي: كان يعرف «مسائل الهداية» لأبي الخطاب، ويأكل من كسب يده، ولباسه الثوب الخام، وانتفع به جماعة، وصارت له
حرمة قوية بالموصل واحترام من جانب صاحبها ومن بعده.
وتوفي بالموصل رابع عشر ذي الحجة.
وفيها أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة محمد ابن مختار الأفضلي المصري مجد الملك، الشاعر الأديب الكبير.
قال ابن خلّكان: كان فاضلا، حسن الخطّ، وكتب كثيرا، وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه، وله ديوان جمع فيه أشياء لطيفة، دلّت على جودة اختياره. وله ديوان شعر أجاد فيه، نقلت من خطّه لنفسه:
هي شدّة يأتي السّرور عقيبهاوأسى يبشّر بالسّرور العاجل
وإذا نظرت فإن بؤسا دائماللمرء خير من نعيم زائل
وتوفي في الثاني عشر من المحرم، ودفن بالموضع المعروف بالكوم الأحمر، ظاهر مصر، ﵀.
والأفضلي: بفتح الهمزة وسكون الفاء، وفتح الضاد المعجمة وبعدها لام، نسبة إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر.
وتوفي والده في ذي الحجّة سنة عشرين وستمائة.
وفيها أبو عبد الله الحسين بن عمر بن باز، المحدّث الموصلي.
رحل وسمع من شهدة وطبقتها، وكتب الكثير، وولي مشيخة دار الحديث بالموصل التي بناها صاحب إربل. توفي في ربيع الآخر.
وفيها ابن شكر، الصاحب الوزير، صفي الدّين أبو محمد عبد الله [بن علي] بن الحسين بن عبد الخالق الشّيبي الدّميري المالكي.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وتفقه وساد.
قال أبو شامة: كان خليقا بالوزارة، لم يتولّها [بعده] مثله.
وقال الذهبي: كان يبالغ في إقامة النواميس، مع التواضع للعلماء، ويتعانى الحشمة الضخمة والصدقات والصّلات، ولقد تمكّن من العادل تمكّنا لا مزيد عليه، ثم غضب عليه ونفاه، فلما مات عاد ابن شكر إلى مصر ووزر للكامل، ثم عمي في الآخر. توفي في شعبان.
وفيها ابن البنّاء. راوي «جامع الترمذي» عن الكروخي، أبو الحسن علي بن أبي الكرم نصر بن المبارك العراقي ثم المكّي الجلال.
حدّث بمصر، والإسكندرية، وقوص، وأماكن، وتوفي بمكة في صفر أو في ربيع الأول.
وفيها زين الدّين قاضي القضاة بالدّيار المصرية أبو الحسن علي ابن العلّامة يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقي ثم البغدادي الشافعي. عاش اثنتين وسبعين سنة، وتوفي في جمادى الآخرة، وروى عن أبي زرعة وغيره.
وفيها الملك الأفضل نور الدّين علي بن السلطان صلاح الدّين يوسف بن أيوب.
ولد سنة خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة، وسمع من عبد الله بن برّي وجماعة، وله شعر وترسل وجودة كتابة. تسلطن بدمشق ثم حارب أخاه العزيز صاحب مصر على الملك، ثم زال سلطانه، وتملّك سميساط، وأقام بها مدة. وكان فيه عدل وحلم وكرم وإنما أدركته حرفة الأدب. توفي فجأة في صفر، وكان فيه تشيّع. قاله في «العبر».
زاد ابن خلّكان: ونقل إلى حلب، ودفن بتربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروي.
وفيها عمر بن بدر الموصليّ الحنفي ضياء الدّين. حدّث عن ابن كليب وجماعة، وتوفي بدمشق في شوالها، عن بضع وستين سنة.
وفيها الفخر الفارسي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفيروزآبادي الشافعيّ الصوفيّ. روى الكثير عن السّلفي، وصنّف التصانيف في التصوف والمحبة وفيها أشياء منكرة. توفي في أثناء ذي الحجّة وقد نيّف على التسعين. قاله في «العبر».
وقال اليافعي: هو صاحب العلوم الربّانية النافعة، وقد نقم عليه الذهبي.
وقال ابن شهبة في «طبقاته»: سمع من السّلفي، وابن عساكر،
وغيرهما، وكان صوفيا، محقّقا، فاضلا، بارعا، فصيحا، بليغا، له مصنّفات كثيرة، منها كتاب «مطية النقل وعطية العقل» في الأصول والكلام، وغير ذلك من المصنفات، وبنى زاوية بالقرافة بمعبد ذي النّون المصري ودفن بها.
وفيها القزويني مجد الدّين أبو المجد، محمد بن الحسين بن أبي المكارم الصوفي الفقيه.
ولد سنة أربع وخمسين وخمسمائة بقزوين. وسمع «شرح السّنّة» و «معالم التنزيل» من حفدة العطاردي، وسمع من جماعة، وحدّث بالعراق، والشام، والحجاز، ومصر، وأذربيجان، والجزيرة. وبعد صيته. توفي بالموصل في شعبان.
وفيها الفخر بن تيميّة أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيميّة الحرّاني، الفقيه الحنبلي، المقرئ الواعظ، فخر الدّين، شيخ حرّان وخطيبها.
ولد في أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بحرّان، وقرأ القرآن على والده، وله نحو عشر سنين، وكان والده زاهدا يعدّ من الأبدال.
وشرع في الاشتغال بالعلم من صغره، وتردّد إلى فتيان بن ميّاح، وابن عبدوس، وغيرهما ثم ارتحل إلى بغداد، وسمع بها الحديث من المبارك بن خضر، وابن البطّي، وابن الدّجاجي، وخلق، وتفقه ببغداد على أبي الفتح ابن المنّي، وابن بكروس، وغيرهما، ولازم ابن الجوزي وسمع منه كثيرا من مصنفاته، وقرأ عليه «زاد المسير في [علم] التفسير» قراءة بحث وفهم،
وجدّ في الاشتغال والبحث، ثم أخذ في التدريس، والوعظ، والتصنيف، وإلقاء التفسير بكرة كل يوم بجامع حرّان، واظب على ذلك حتّى فسّر القرآن العظيم خمس مرات.
قال ابن خلّكان: ذكره محاسن بن سلامة الحرّاني في «تاريخ حرّان» وابن المستوفي في «تاريخ إربل» فقال: له القبول التام عند الخاص والعام، وكان بارعا في تفسير القرآن وجميع العلوم، له فيها يد بيضاء.
وقال ابن نقطة: ثقة، فاضل، صحيح السماع، مكثر. سمعت منه بحرّان.
وقال ابن النجار: سمعت منه ببغداد، وحرّان، وكان شيخا فاضلا، حسن الأخلاق، صدوقا، متدينا.
وقال ابن رجب: كان صالحا تذكر له كرامات وخوارق، وله تصانيف كثيرة، منها: «التفسير الكبير» في أكثر من ثلاثين مجلدا، وهو تفسير حسن، ومنها ثلاث مصنفات في المذهب، وله ديوان خطب مشهور، و «الموضح في الفرائض» ومصنفات في الوعظ وغير ذلك، وبينه وبين الموفق كلام ورسائل في مسألة خلود أهل البدع المحكوم بكفرهم في النّار، كان يقول بخلودهم والموفّق لا يطلق عليهم الخلود.
وله شعر حسن، توفي- ﵀ يوم الخميس عاشر صفر بحرّان.
كذا ذكره ولده عبد الغني، وقال: مات الوالد في الصلاة، فإني ذكّرته بصلاة العصر وأخذته إلى صدري فكبّر وجعل يحرّك حاجبه وشفتيه بالصلاة حتّى شخص بصره، ﵀.
وقد ذكر ولده له مناقب صالحة رؤيت له بعد وفاته، وهي كثيرة جدا، جمعها في جزء.
وفيها أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد بن الزّيتوني البوازيجي- بفتح الموحدة والواو وزاي وتحتية وجيم، نسبة إلى بوازيج بلد قرب تكريت - سمع من ابن الفاخر، وابن بندار، وابن الرّحبي، وغيرهم.
قال ابن السّاعي: كان حنبليا، خيّرا، محسنا، صالحا، صاحب سند ورواية، أنشدني:
ضيّق العذر في الضراعة أنّالو قنعنا بقسمنا لكفانا
ما لنا نعبد العباد إذا كان إلى الله فقرنا وغنانا
وفيها محمد بن علي بن مكّي بن ورخز البغدادي، الفقيه الحنبلي المعدّل، أبو عبد الله. تفقه على ابن المنّي، وأفتى وناظر، وشهد عند الريحاني، ورتّب مشرفا على وكلاء الخليفة الناصر، وكان فقيها فاضلا خيّرا ديّنا ثقة خبيرا بالمذهب. قاله ابن رجب.
وقال ابن السّاعي أنشدني:
يجمع المرء ثم يترك ما يجمع من كسبه لغير شكور
ليس يحظى إلّا بذكر جميلأو بعلم من بعده مأثور
توفي يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى، ودفن بمقبرة باب حرب.
وفيها عمرو بن رافع بن علوان الزّرعي.
قال ناصح الدّين بن الحنبلي: قدم من زرع في عشر الستين، وهو ابن نيف وعشرين سنة، ونزل عندنا في المدرسة هو ورفقة له واشتغلوا على
والدي، فحفظوا القرآن، وسمعوا درسه، وحفظوا كتاب «الإيضاح» وكان هذا الفقيه الحنبلي عمرو يحفظ كثيرا وسريعا. وعمل الفرائض فأسرع في معرفتها. ورحل إلى حرّان وأقام بها مديدة يشتغل، ثم رجع إلى دمشق، ثم إلى زرع، وأقام بها يفتي، ثم أضرّ في آخر عمره، ومات بزرع، ﵀.
وفيها الزّكي بن رواحة هبة الله بن محمد الأنصاري، التاجر المعدّل، واقف المدرسة الرّواحية بدمشق، وأخرى بحلب. توفي في رجب بدمشق.
وفيها أبو السعادات أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور السّلمي السّنجاري الشافعي، الشاعر المنعوت بالبهاء. كان فقيها، وتكلّم في الخلاف، إلّا أنه غلب عليه الشعر، وأجاد فيه، واشتهر به، وخدم به الملوك، وأخذ جوائزهم، وطاف البلاد، ومدح الأكابر.
قال ابن خلّكان: وشعره كثير يوجد بأيدي الناس، ولم أدر هل دوّن شعره أم لا، ثم وجدت له في خزانة التّربة الأشرفية بدمشق «ديوانا» في مجلد كبير.
ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها كمال الدّين بن الشهرزوري:
وهواك ما خطر السّلوّ ببالهولأنت أعلم في الغرام بحاله
ومتى وشى واش إليه فإنهسال هواك فذاك من عذّاله
أوليس للكلف المعنّى شاهدمن حاله يغنيك عن تسآله
جدّدت ثوب سقامه وهتكت ستر غرامه، وصرمت حبل وصاله
أفزلّة سبقت له أم خلّةمألوفة من تيهه ودلاله
يا للعجابة من أسير دأبهيفدي الطليق بنفسه وبماله
بأبي وأمي نابل بلحاظهلا يتّقى بالدّرع حدّ نباله
ريّان من ماء الشّبيبة والصّباشرقت معاطفه بطيب زلاله
تسري النّواظر في مراكب حسنهفتكاد تغرق في بحار جماله
فكفاه عين كماله في نفسهوكفى كمال الدّين عين كماله
كتب العذار على صحيفة خدّهنونا وأعجمها بنقطة خاله
فسواد طرّته كليل صدودهوبياض غرّته كيوم وصاله
وله أيضا من جملة قصيدة:
ومهفهف حلو الشمائل فاتر الألحاظ فيه طاعة وعقوق
وقف الرّحيق على مراشف ثغرهفجرى به من خدّه راووق
سدّت محاسنه على عشّاقهسبل السّلوّ فما إليه طريق
وله من جملة قصيدة أخرى:
هبّت نسيمات الصّبا سحرةففاح منها العنبر الأشهب
فقلت إن مرت بوادي الغضامن أين هذا النّفس الطّيّب
وله أشياء حسنة.
وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في أوائل هذه السنة. انتهى ملخصا.
وفيها الوزير صفي الدّين أبو محمد عبد الله بن علي بن شكر، له بدمشق آثار حسنة، منها عمارة المصلى بميدان الحصى، وتبليط جامع بني أميّة، وعمارة مسجد الفوّارة، وتجديد جامع حرستا، وجامع المزّة، وغير ذلك.
وفيها أبو الحسن علي بن الجارود، الأديب الفاضل الشاعر.
فمن شعره:
أحكم فإنّك في الجمال أميرواعدل فقلبي في يديك أسير
واكفف لحاظك أيها الرشأ الذييسطو على أسد الشرى ويجور
يا عاذلي خفّض عليك فإننيمذ خطّ لام عذاره معذور
وفيها أبو الدّر ياقوت بن عبد الله الرّومي، الملقب مهذّب الدّين، الشاعر المشهور. مولى أبي منصور التّاجر الحلبي.
قال ابن خلّكان: اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في النظم فجاد فيه، ولما تميّز ومهر سمّى نفسه عبد الرحمن، وكان مقيما في المدرسة النظامية ببغداد، وعدّه ابن الدّبيثي في جملة من اسمه عبد الرحمن، وذكر أنه نشأ ببغداد، وحفظ القرآن الكريم، وقرأ شيئا من الأدب، وكتب خطا حسنا، وقال الشعر، وأكثر منه في الغزل والتصابي، وذكر المحبة، وراق شعره.
ومن شعره:
ألست من الولدان أحلى شمائلافكيف سكنت القلب وهو جهنّم
وقال ابن النجار في «تاريخ بغداد»: وجد أبو الدّر المذكور في داره ميتا
يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى الأولى من السنة، وكان قد خرج من النظامية فسكن في دار بدرب دينار الصغير، فلم يعلم متى مات، وقد ناهز الستين، والله أعلم.
وقال ابن خلّكان: أيضا: الروميّ- بضم الراء وسكون الواو، بعدها ميم، نسبة إلى بلاد الرّوم، وهو إقليم مشهور متسع كثير البلاد-.
وهاهنا نكتة غريبة يحتاج إليها ويكثر السؤال عنها، وهي أن أهل الرّوم يقال لهم: بنو الأصفر، واستعمله الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك قول عدي ابن زيد العبادي من جملة قصيدته المشهورة:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم لم يبق منهم مذكور
ولقد تتبعت ذلك كثيرا فلم أجد فيه أحدا شفى الغليل، حتّى ظفرت بكتاب قديم نقلت منه ما صورته، عن العبّاس، عن أبيه قال: انحرق ملك الرّوم في الزمان الأول، فبقيت امرأة، فتنافسوا في الملك حتّى وقع بينهم شرّ، فاصطلحوا أن يملّكوا أوّل من يشرف عليهم، فجلسوا مجلسا لذلك، وأقبل رجل معه عبد حبشيّ يريد الرّوم، فأبق العبد منه، فأشرف عليهم، فقالوا:
انظروا في أي شيء وقعتم، فزوّجوه تلك المرأة، فولدت غلاما، فسموه الأصفر، فخاصمهم المولى، فقال: صدق أنا عبده، فأرضوه وأعطوه، حتّى رضي، فبسبب ذلك قيل للرّوم: بنو الأصفر لصفرة لون الولد، لكونه مولّدا بين الحبشي والمرأة البيضاء، والله أعلم. انتهى وفيها أبو المكارم، يعيش [بن ريحان] بن مالك بن هبة الله بن ريحان الأنباري ثم البغدادي، الفقيه الحنبلي الزاهد.
ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة تقريبا، وسمع من ابن الدّجّاجي، وصدقة بن الحسين، وأبي زرعة المقدسي، وآخرين.
قال المنذري: كان من فضلاء الفقهاء، متدينا، معتزلا عن الناس، ولنا منه إجازة. وتوفي ليلة الخميس خامس عشر ذي الحجة ودفن من الغد بباب حرب
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع