تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وخمسين وستمائة

فيها جاء سيل بدمشق، فبلغ السيل بسوق الفاكهة من صالحية دمشق ستة أذرع.

وفيها توفي الشّهاب القوصيّ أبو المحامد، وأبو العرب، وأبو الفداء، وأبو الطّاهر إسماعيل بن حامد بن عبد الرّحمن بن المرجّى بن المؤمّل بن محمد بن علي بن إبراهيم بن نفيس بن سعيد بن سعد بن عبادة بن الصّامت الرئيس الفقيه الشافعي الأنصاري الخزرجي القوصي، وكيل بيت المال بالشام، وواقف الحلقة القوصية بالجامع.

ولد بقوص في المحرّم، سنة أربع وسبعين وخمسمائة، ورحل إلى مصر القاهرة سنة تسعين، ثم قدم إلى دمشق سنة إحدى وتسعين واستوطنها.

وسمع الكثير ببلاد متعددة، واتصل بالصّاحب صفي الدّين بن شكر. وروى عن إسماعيل بن ياسين، والأرتاحي، والخشوعي، وخلق كثير. وخرج لنفسه «معجما» في أربع مجلدات كبار، قال الذهبي: فيه غلط كثير.

وكان أديبا، أخباريا، فصيحا، مفوّها، بصيرا بالفقه، وترسّل إلى البلاد، وولي وكالة بيت المال، وتقدم عند الملوك، ودرّس بحلقته بجامع دمشق. وكان يلبس الطيلسان المحنّك والبزّة الجميلة، ويركب البغلة.

وتوفي بدمشق في ربيع الأول، ودفن بداره التي وقفها دار حديث.

وفيها إقبال الشّرابي. بنى مدرسة بواسط وإلى جانبها جامعا، وبنى ببغداد مدرسة في سوق السلطان، وجدّد بمكّة الرّباط الذي اشتهر به، وعين عرفة التي في الموقف. وأجرى ماءها لانتفاع الحجّ به، وأوقف على ذلك أوقافا سنيّة.

وفيها سيف الدّين أبو الحسن، علي بن يوسف بن أبي الفوارس القيمري صاحب المارستان بصالحية دمشق. كان من جلّة الأمراء، وأبطالهم المذكورين، وصلحائهم المشهورين. وهو ابن أخت صاحب قيمر.

توفي بنابلس، ونقل فدفن بقبته التي بقرب مارستانه بالصالحية، والدّعاء عند قبره مستجاب.

وفيها ضياء الدّين أبو محمد، صقر بن يحيى بن سالم بن يحيى ابن عيسى بن صقر، المفتي الإمام المعمّر الكلبي الحلبي الشافعي.

ولد قبل الستين وخمسمائة، وروى عن يحيى الثقفي وجماعة، وتوفي في صفر بحلب.

وفيها النّظام البلخي، محمد بن محمد بن محمد بن عثمان الحنفيّ نزيل حلب.

ولد ببغداد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وتفقه بخراسان، وسمع «صحيح مسلم» من المؤيد الطّوسي، وكان فقيها، مفتيا، بصيرا بالمذهب.

توفي بحلب في جمادى الآخرة.

وفيها النّور البلخي أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أحمد بن خلف المقرئ بالألحان.

ولد بدمشق سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وسمع بالقاهرة من التّاج المسعودي، واجتمع بالسّلفي، وأجاز له. وسمع بالإسكندرية في سنة خمس وسبعين، وسمع من المطهّر الشحّامي، وتوفي في الرابع والعشرين من ربيع الآخر، وكان صالحا خيّرا معمّرا.

وفيها أبو الحجّاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البيّاسي - بفتح الباء الموحدة والياء المثناة من تحت المشددة، نسبة إلى بيّاسة مدينة كبيرة من كورة جيّان -.

ولد يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو أحد فضلاء الأندلس وحفّاظها المتقنين.

كان أديبا، بارعا، فاضلا، مطلعا على أقسام كلام العالم، من النظم، والنثر، وراويا لوقائعها وحروبها وأيّامها.

قال ابن خلّكان: بلغني أنه كان يحفظ كتاب «الحماسة» تأليف أبي تمّام، و «ديوان المتنبي» و «سقط الزّند» وغير ذلك من الأشعار.

وتنقل في بلاد الأندلس، وطاف أكثرها، وألّف لصاحب إفريقية كتابا سمّاه «الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام» ابتدأه بقتل عمر بن الخطّاب، وختمه بخروج الوليد بن طريف الشّاري على هارون الرّشيد، وهو في مجلدين. وله كتاب «الحماسة» في مجلدين أيضا، ذكر فيه أشياء حسنة، منها قول المجنون:

تعلّقت ليلى وهي غرّ صغيرةولم يبد للأتراب من ثديها حجم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلقت ليلى وهي غر صغيرة»
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّناإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلقت ليلى وهي غر صغيرة»

ومنها قول الوأواء الدمشقي:

وزائر راع كلّ النّاس منظرهأحلى من الأمن عند الخائف الوجل
ألقى على اللّيل ليلا من ذوائبهفهابه الصّبح أن يبدو من الخجل
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «وزائر راع وجه البين منظره»
أراد بالهجر قتلي فاستجرت بهفاستلّ بالوصل روحي من يدي أجلي
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «وزائر راع وجه البين منظره»
وصرت فيه أمير العاشقين وقدصارت ولاية أهل العشق من قبلي

ومنها قول علي بن عطية البلنسي الزقّاق:

مرتجة الأعطاف أمّا قوامهافلدن وأما ردفها فرداح
ألمّت فبات اللّيل من قصر بهايطير وما غير السّرور جناح
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ومرتجة الأعطاف أما قوامها»
وبتّ وقد زارت بأنعم ليلةتعانقني حتّى الصّباح صباح
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ومرتجة الأعطاف أما قوامها»
على عاتقي من ساعديها خمائلوفي خصرها من ساعديّ وشاح

وتوفي- رحمه الله تعالى- يوم الأحد الرابع من ذي القعدة بمدينة تونس.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.