تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وخمسين وستمائة

فيها كان ظهور النّار بظاهر المدينة النبوية، على ساكنها الصلاة والسلام، وكانت مصداق قوله- ﷺ: «لا تقوم السّاعة حتّى تظهر نار بالحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى» وبقيت أيّاما، قيل ثلاثة أشهر، وكان نساء المدينة يغزلن على ضوئها، وظن أهل المدينة أنها القيامة. ظهرت من وادي أحيلين في الحرّة الشرقية، تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال، تأكل ما أتت عليه من أحجار وجبال، ولا تأكل الشجر. حتّى إن صاحب المدينة الشريفة، منيف بن شبحة أرسل اثنين ليأتياه بخبرها، فدنيا منها، فلم يجدا لها حرّا، فأخذ أحدهما سهما، ومدّ به إليها، فأكلت النصل دون العود، ثم قلبه ومدّ بالطرف الآخر، فأكلت الرّيش دون العود، وكانت تذيب وتسبك ما مرّت عليه من الجبال. فسدّت وادي شطاه بالحجر المسبوك بالنّار سدّا، ولا كسد ذي القرنين، واحتبس الماء خلفه، فصار بحرا مدّ البصر طولا وعرضا، كأنه نيل مصر عند زيادته. ثم خرقه الماء سنة تسعين وستمائة، فجرى الماء من الخرق سنة كاملة، يملأ ما بين جنبتي الوادي، ثم انسدّ، ثم

انخرق ثانية في العشر الأول بعد السبعمائة، فجرى سنة وأزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.

وفيها احترق المسجد النبوي ليلة الجمعة أول ليلة من رمضان، بعد صلاة التراويح، على يد الفرّاش أبي بكر المراغي، بسقوط ذبالة من يده، فأتت النّار على جميع سقوفه، ووقعت بعض السواري، وذاب الرّصاص، وذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقف الحجرة، ووقع بعضه في الحجرة الشريفة.

وقال بعض الناس في ذلك:

لم يحترق حرم النّبيّ لريبةتخشى عليه ولا دهاه العار
لكنّما أيدي الرّوافض لامستذاك الجناب فطهّرته النّار

وقال ابن تولوا المغربي:

قل للروافض بالمدينة ما لكميقتادكم للذمّ كلّ سفيه
ما أصبح الحرم الشريف محرّماإلّا لذمّكم الصّحابة فيه

وفيها غرقت بغداد الغرق الذي لم يسمع بمثله، زادت دجلة زيادة ما رأي مثلها، وغرق خلق كثير، ووقع شيء كثير من الدّور على أهلها،

وأشرف النّاس على الهلاك، وبقيت المراكب تمرّ في أزفة بغداد، وركب الخليفة في مركب، وابتهل النّاس إلى الله تعالى بالدّعاء.

وفيها تواترت الأخبار بوصول عساكر هلاكو إلى بلاد أذربيجان، قاصدة بلاد الشام، فوردت قصّاد الخليفة بأن يصطلح الملك الناصر مع الملك العزيز صاحب مصر، ويتفقا على قتال التتار، فأجاب إلى ذلك وعاد إلى الشام.

وفيها توفي ابن وثيق، شيخ القراء أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأموي الإشبيلي المجوّد الحاذق.

ولد سنة سبع وستين وخمسمائة، وذكر أنه قرأ القراءات السبع بغزّة وغيرها سنة خمس وتسعين على غير واحد من أصحاب أبي الحسن شريح، وأن أبا عبد الله ابن زرقون أجاز له، فروى عنه «التيسير» بالإجازة، وأقرأ بالموصل، والشام، ومصر. وكان عالي الإسناد. توفي بالإسكندرية في ربيع الآخر.

وفيها الأمير مجاهد الدّين إبراهيم بن أدنبا الذي بنى الخانقاه المجاهدية بدمشق، على الشرف، القبلي، وكان والي دمشق، عاقلا فاضلا.

ومن نظمه:

أشبهك الغصن في خصالالقدّ واللّين والتّثنّي
لكن تجنّيك ما حكاهالغصن يجني وأنت تجني

وله في مليح اسمه مالك:

ومليح قلت ما الاسم حبيبي قال مالك
قلت صف لي وجهك الزّاهي وصف حسن اعتدالك
قال كالغصن وكالبدر وما أشبه ذلك

توفي بدمشق، ودفن بخانقانه المذكورة.

وفيها بشارة بن عبد الله الأرمني الكاتب، مولى شبل الدّولة المعظّمي. كان يكتب خطّا حسنا. دفن بسفح قاسيون، وذريته يدّعون النظر على الذّرية، وعلى الخانقاة الشّبلية.

وفيها الحافظ ابن شاهاور عبد الله بن محمد بن شاهاور بن أنوشروان بن أبي النّجيب الرّازي.

كان حافظا، فاضلا غزير العلم، صاحب مقامات وكرامات وآثار.

وفيها العماد بن النّحاس الأصمّ أبو بكر عبد الله بن أبي المجد الحسن بن الحسين بن علي الأنصاري الدمشقي.

ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع من أبي سعد بن أبي عصرون. وكان آخر من روى عنه. ومن الفضل بن البانياسي، ويحيى الثقفي، وجماعة. وسمع بنيسابور من منصور الفراوي، وبأصبهان من

علي بن منصور الثّقفي. وكان ثقة، خيّرا، نبيلا، به صمم مفرط. سمع الناس من لفظه، ومات في الثاني والعشرين من صفر.

وفيها شمس الدّين عبد الرحمن بن نوح بن محمد المقدسي، مدرس الرّواحية، وأجلّ أصحاب ابن الصّلاح وأعرفهم بالمذهب. توفي في ربيع الآخر، وقد تفقه به جماعة.

وفيها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن قرناص الحموي أحد الأعيان العلماء الفضلاء في الفقه والأدب. تزهّد في صباه، وامتنع من قول الشعر إلّا في الزّهد ومدح النّبي- ﷺ.

ومن شعره:

يا من غدا وجهه روض العيون لماأعاره الحسن من أنواع أزهار
للشاعر عبد العزيز بن قرناص، من قصيدة «يا من غدا وجهه روض العيون لما»
نعّمت طرفي وأودعت الحشا حرقافالطرف في جنّة والقلب في نار

وله أشياء مستحسنة جدا.

وفيها زكي الدّين عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر المصري، وعرف بابن أبي الإصبع صنف كتاب «تحرير التّحبير في البديع» لم يصنّف مثله.

ومن شعره المستجاد:

تبسّم لمّا أن بكيت من الهجرفقلت: ترى دمعي، فقال: ترى ثغري
فديتك لمّا أن بكيت تنظّمتبفيك لآلي الدّمع عقدا من الدّر
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «وساق إذا ما ضحك الكأس قابلت»
فلا تدّعي يا شاعر الثّغر صنعةفكاتب دمعي قال: ذا النظم من ثغري
للشاعر ابن أبي الإصبع، من قصيدة «وساق إذا ما ضحك الكأس قابلت»

وفيها الصّوري أبو الحسن علي بن يوسف الدّمشقي، التاجر السفّار. سمع من المؤيد الطّوسي وجماعة، وكان ذا برّ وصدقة.

توفي في المحرّم.

وفيها الشيخ الكبير عيسى بن أحمد بن إلياس اليونيني الزاهد.

صاحب الشيخ عبد الله.

كان عابدا، زاهدا، صوّاما، قوّاما، خائفا، قانتا لله تعالى، متبتلا، منقطع القرين. صاحب أحوال وإخلاص، إلّا أنه كان حادّ النّفس، ولذلك قيل له سلّاب الأحوال. وكان خشن العيش في ملبسه ومأكله.

توفي في ذي القعدة، ودفن بزاويته بيونين.

وفيها ابن المقدسية، العدل شرف الدّين أبو بكر محمد بن الحسن ابن عبد السلام التّميمي السّفاقسي الأصل الإسكندراني المالكي.

ولد في أول سنة ثلاث وسبعين، وأحضره خاله الحافظ ابن المفضّل قراءة «المسلسل» بالأولية عند السّلفي، واستجازه له. ثم أسمعه من أحمد بن عبد الرحمن الحضرمي وغيره.

توفي في جمادى الأولى، وله «مشيخة» خرّجها منصور بن سليم الحافظ.

وفيها الكمال بن الشّعّار أبو البركات المبارك بن أبي بكر بن حمدان الموصلي، مؤلف «عقود الجمان في شعراء الزّمان» توفي بحلب.

وفيها مجير الدّين يعقوب بن الملك العادل، ويلقب هو بالملك المعزّ.

كان فاضلا. أجاز له أبو روح الهروي وطائفة. وتوفي في ذي القعدة، ودفن بالتّربة عند أبيه.

وفيها سبط ابن الجوزي العلّامة الواعظ، المؤرخ شمس الدّين أبو المظفّر يوسف بن قزغلي التّركي ثم البغدادي الهبيري الحنفي، سبط الشيخ أبي الفرج بن الجوزي. أسمعه جدّه منه، ومن ابن كليب وجماعة.

وقدم دمشق سنة بضع وستمائة فوعظ بها وحصل له القبول العظيم للطف شمائله، وعذوبة وعظه.

وله «تفسير» في تسع وعشرين مجلّدا، و «شرح الجامع الكبير» وكتاب «مرآة الزّمان» وهو كتاب كاسمه، وجمع مجلدا في مناقب أبي حنيفة.

ودرّس وأفتى. وكان في شبيبته حنبليا، وكان وافر الحرمة عند الملوك.

نقله الملك المعظّم إلى مذهب أبي حنيفة فانتقد عليه ذلك كثير من الناس، حتّى قال له بعض أرباب الأحوال وهو على المنبر: إذا كان للرجل كبير ما يرجع عنه إلّا بعيب ظهر له فيه، فأيّ شيء ظهر لك في الإمام أحمد حتى رجعت عنه؟ فقال له: اسكت. فقال الفقير: أما أنا فسكت، وأما أنت فتكلم، فرام الكلام فلم يستطع، فنزل عن المنبر. ولو لم يكن له إلّا كتابه «مرآة الزمان» لكفاه شرفا، فإنه سلك في جمعه مسلكا غريبا، ابتدأه من أول الزمان إلى أوائل سنة أربع وخمسين وستمائة التي توفي فيها.

مات- ﵀ ليلة الثلاثاء العشرين من ذي الحجّة بمنزله بجبل الصالحية، ودفن هناك، وحضر دفنه الملك الناصر سلطان الشام، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.