تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وخمسين وستمائة

في المحرّم قطع هولاكو الفرات، ونهب نواحي حلب، وأرسل متوليها توران شاه ابن السلطان صلاح الدّين بأنكم تضعفون عنّا ونحن نقصد سلطانكم النّاصر. فاجعلوا لنا عندكم شحنة بالقلعة وشحنة بالبلد، فإن انتصر علينا النّاصر فاقتلوا الشحنتين أو أبقوهما، وإن انتصرنا فحلب والبلاد لنا، وتكونون آمنين. فأبى عليه توران شاه، فنزل على حلب في ثاني صفر فلم يصبح عليهم الصباح إلّا وقد حفروا عليهم خندقا عمق قامة، وعرض أربعة أذرع، وبنوا حائطا ارتفاع خمسة أذرع، ونصبوا عشرين منجنيقا، وألحوا بالرّمي، وشرعوا في نقب السّور.

وفي تاسع صفر ركبوا الأسوار ووضعوا السيف يومهم ومن الغد واحتمى في حلب أماكن [سلم] فيها نحو خمسين ألفا، واستتر خلق. وقتل أمم لا يحصون، وبقي القتل والسبيّ خمسة أيام. ثم نودي برفع السيف، وأذّن المؤذّن يومئذ يوم الجمعة بالجامع، وأقيمت الجمعة بأناس، ثم أحاطوا بالقلعة وحاصروها.

ووصل الخبر يوم السبت إلى دمشق، فهرب النّاصر، ودخلت يومئذ رسل هولاكو، وقرئ الفرمان بأمان دمشق.

ثم وصل نائب هولاكو، فتلقاه الكبراء، وحملت أيضا مفاتيح حماة إلى هولاكو، وسار صاحبها والنّاصر إلى نحو غزّة، وعصت قلعة دمشق، فحاصرتها التتار وألحّوا بعشرين منجنيقا على برج الطارمة فتشقق، وطلب أهلها الأمان، فأمّنهم وسكنها النائب كتبغا، وتسلّموا بعلبك وقلعتها، وأخذوا نابلس ونواحيها بالسيف، ثم ظفروا بالملك، وأخذوه بالأمان وساروا به إلى هولاكو، فرعى له مجيئه، وبقي في خدمته أشهرا، ثم قطع الفرات راجعا، وترك بالشام فرقة من التتار.

وأما المصريّون فتأهبوا وشرعوا في المسير من نصف شعبان، وثارت النصارى بدمشق، ورفعت رؤوسها، ورفعوا الصليب، ومرّوا به، وألزموا النّاس بالقيام له من حوانيتهم في الثاني والعشرين من رمضان، ووصل جيش الإسلام وعليهم الملك المظفّر، وعلى مقدمته ركن الدّين البندقداري، فالتقى الجمعان على عين جالوت غربي بيسان، ونصر الله دينه، وقتل في المصافّ مقدّم التتار كتبغا وطائفة من أمراء المغول، ووقع بدمشق النّهب والقتل في النصارى، وأحرقت كنيسة مريم، وعيّد المسلمون على خير عظيم، وساق البندقداري وراء التتار إلى حلب، وخلت من القوم الشام، وطمع البندقداري في أخذ حلب، وكان وعده بها المظفّر، ثم رجع، فتأثّر وأضمر الشرّ، فلما رجع المظفّر بعد شهر إلى مصر مضمرا للبندقداريّ

الشّرّ، فوافق ركن الدّين على مراده عدّة أمراء. وكان الذي ضربه بالسيف فحلّ كتفه بكتوت الجوكندار المعزّي ثم رماه بهادر المعزّيّ بسهم قضى عليه، وذلك يوم سادس عشر ذي القعدة بقرب قطية وتسلطن ركن الدّين البندقداري الملك الظّاهر بيبرس.

وفي آخر السنة كرّت التتار على حلب، واندفع عسكرها بين أيديهم، فدخلوا إليها وأخرجوا من بها ووضعوا فيهم السّيف.

وفيها توفي ابن سني الدولة قاضي القضاة صدر الدّين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن الدمشقي الشافعي.

ولد سنة تسعين وخمسمائة، وسمع من الخشوعي وجماعة، وتفقّه على أبيه قاضي القضاة شمس الدّين، وعلى فخر الدّين بن عساكر، وقلّ من نشأ مثله في صيانته وديانته واشتغاله، ناب عن أبيه، وولي وكالة بيت المال، ودرّس بالإقبالية وغيرها، ثم استقلّ بمنصب القضاء مدة، ثم عزل واستمر على تدريس الإقبالية والجاروخية، وقد درّس بالعادلية الكبيرة والناصرية، وهو أول من درّس بها، وخرّج له الحافظ الدّمياطي «معجما».

قال الذهبي: وكان مشكور السيرة في القضاء، لين الجانب، حسن المداراة والاحتمال، رجع من عند هولاكو متمرضا فأدركه الموت ببعلبك في جمادى الآخرة، وله ثمان وستون سنة.

وفيها نجيب الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن خليل الدّمشقي الأدمي.

ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وسمّعه أخوه من عبد الرحمن [بن علي] الخرقي، ويحيى الثّقفي، وجماعة. وحدّث بدمشق وحلب، وعدم بها في صفر.

وفيها أبو طالب تمّام السّروري بن أبي بكر بن أبي طالب الدمشقي الجندي.

ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع من يحيى الثّقفي، وتوفي في رجب.

وفيها الملك المعظّم أبو المفاخر [ابن السلطان الكبير] صلاح الدّين توران شاه.

ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع من يحيى الثّقفي، وابن صدقة الحرّاني، وأجاز له عبد الله بن برّي، وكان كبير البيت الأيوبي. وكان السلطان يجلّه ويتأدّب معه. سلّم قلعة حلب لمّا عجز بالأمان، وأدركه الموت إثر ذلك، فتوفي في ربيع الأول، وله ثمانون سنة.

وفيها الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل صاحب الصّبيبة وبانياس. تملّك سنة إحدى وثلاثين بعد أخيه الملك الظّاهر إلى سنة

بضع وأربعين، فأخذ الصّبيبة منه الملك الصّالح وأعطاه إمرة مصر، فلما قتل المعظّم بن الصّالح، ساق إلى غزّة وأخذ ما فيها، وأتى الصّبيبة، فتسلّمها، فلما تملّك الملك النّاصر دمشق، قبض عليه وسجنه بإلبيرة، فلما أخذ هولاكو البيرة أحضر إليه بقيوده، فأطلقه وخلع عليه، وسلّم إليه الصّبيبة، وبقي في خدمة كتبغا بدمشق، وكان بطلا شجاعا، قاتل يوم عين جالوت، فلما انهزمت التتار جيء به إلى الملك المظفّر فضرب عنقه.

وفيها المحبّ عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم السّعدي المقدسي الصّالحي الحنبلي المحدّث. مفيد الجبل. روى عن الشيخ الموفق، وابن البنّ، وابن الزّبيدي، ورحل إلى بغداد، فسمع من القبيطي، وابن الفخّار، وطبقتهما. وكتب الكثير، وعني بالحديث أتمّ عناية.

وأكثر السّماع والكتابة. وتوفي في ثاني عشري جمادى الآخرة، وله أربعون سنة.

وفيها ابن الخشوعي أبو محمد عبد الله بن بركات بن إبراهيم الدمشقي. سمع من يحيى الثّقفي وأبيه، وعبد الرزاق النّجار. وأجاز له السّلفي وطائفة، وتوفي في أواخر صفر.

وفيها العماد عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف المقدسي

الجمّاعيلي الحنبلي الصّالحي المؤدّب. سمع من يحيى الثّقفي، وأحمد ابن الموازيني، وجماعة. وتوفي في ربيع الأول.

وفيها ابن العجمي أبو طالب عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن الحلبي الشّافعي.

روى عن يحيى الثّقفي، وابن طبرزد. ودرّس وأفتى. عذّبه التتار على المال حتّى هلك في الرابع والعشرين من صفر.

وفيها الملك المظفّر سيف الدّين قطز، أحد مماليك المعزّ أيبك التّركماني، صاحب مصر. كان بطلا، شجاعا، حازما. كسر التتار كسرة جبر بها الإسلام، فجزاه الله عن الإسلام خيرا، ولم يخلّف ولدا ذكرا.

حكى الأمير البركة خاني قال: كان المظفّر خشداشي عند الهيجاوي، وكان عليه قمل كثير، فكنت أسرّحه، وكلما قتلت قملة آخذ منه فلسا أو أصفعه، فبينا أنا أسرّحه ذات يوم، قلت: والله أشتهي إمرة خمسين.

فقال لي: طيّب قلبك، أنا أعطيك إمرة خمسين، فصفعته وقلت: ويلك، أنت تعطيني إمرة خمسين! قال: نعم، فصفعته. فقال لي: أيش يلزم لك إلّا إمرة خمسين، وأنا والله أعطيك ذلك. فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: أنا

أملك الدّيار المصرية وأكسر التتار وأعطيك الذي طلبت، فقلت له: أنت مجنون بقملك تملك الدّيار المصرية؟ قال: نعم. رأيت النّبيّ- ﷺ في النّوم، فقال لي: «أنت تملك مصر وتكسر التتار» وقول رسول الله ﷺ حقّ لا شكّ فيه، وجرى ذلك.

وقال له منجم بمصر، وللملك الظّاهر بيبرس بعد أن اختبر نجم كل واحد منهما، فقال للملك المظفّر: أنت تملك مصر وتكسر التتار، فاستهزؤوا به. وقال للملك الظاهر: وأنت أيضا تملك الدّيار المصرية وغيرها، فاستهزؤوا به. فكان كما قال. وهذا من عجيب الاتفاق.

وكان المظفّر بطلا، شجاعا ديّنا، مجاهدا، انكسرت التتار على يديه واستعاد منهم الشام. وكان أتابك الملك المنصور علي ولد أستاذه، فلما رآه لا يغني شيئا عزله، وقام في السلطنة. وكان شابّا، أشقر، وافر اللّحية.

ذكر أنه قال أنا محمود بن ممدود ابن أخت السلطان خوارزم شاه، وأنه كان مملوكا لتاجر في القصاعين بمصر.

وفيها شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى اليونيني الحنبلي الحافظ.

ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيونين، ولبس الخرقة من الشيخ عبد الله البطائحي عن الشيخ عبد القادر، وربّاه الشيخ عبد الله اليونيني، وتفقه على الشيخ الموفق. وسمع من الخشوعي، وحنبل. وكان يكرر على الجمع بين «الصحيحين» وعلى أكثر «مسند أحمد» ونال من الحرمة والتقدم ما لم ينله أحد. وكانت الملوك تقبّل يده وتقدم مداسه. وكان إماما، علّامة، زاهدا، خاشعا لله، قانتا له، عظيم الهيبة، منوّر الشّيبة، مليح الصّورة، حسن السّمت والوقار، صاحب كرامات وأحوال.

قال ولده موسى قطب الدّين، صاحب «التاريخ» المشهور: حفظ والدي «الجمع بين الصحيحين» وأكثر «مسند الإمام أحمد» وحفظ «صحيح مسلم» في أربعة أشهر، وحفظ سورة الأنعام في يوم واحد، وحفظ ثلث «مقامات الحريري» في بعض يوم.

وقال عمر بن الحاجب الحافظ: لم ير في زمانه مثل نفسه في كماله وبراعته، جمع بين الشريعة والحقيقة، وكان حسن الخلق والخلق، نفّاعا [للخلق]، مطرحا للتكلف. وكان يحفظ في الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثا. وكان لا يرى إظهار الكرامات ويقول: كما أوجب الله تعالى على الأنبياء إظهار المعجزات أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات.

ويروى عن الشيخ عثمان، شيخ دير ناعس- وكان من أهل الأحوال- قال: قطب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة. وتزوّج ابنة الشيخ عبد الله اليونيني، وهي أول زوجاته. وروى عنه ابناه أبو الحسين الحافظ، والقطب المؤرّخ، وغيرهما.

وتوفي ليلة تاسع عشر رمضان ببعلبك، ودفن عند شيخه عبد الله اليونيني، رحمة الله عليهما.

وفيها الأكّال الشيخ محمد بن خليل الحوراني ثم الدّمشقي.

عاش ثمانيا وخمسين سنة، وكان صالحا، خيّرا، مؤثرا، لا يأكل لأحد شيئا إلّا بأجرة، وله في ذلك حكايات.

وفيها ابن الأبّار الحافظ العلّامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي الأندلسي البلنسي، الكاتب الأديب، أحد أئمة الحديث. قرأ القراءات، وعني بالأثر، وبرع في البلاغة والنظم والنثر. وكان ذا جلالة ورئاسة. قتله صاحب تونس ظلما في العشرين من المحرّم، وله ثلاث وستون سنة.

وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجمّاعيلي الحنبلي. سمع من محمد بن حمزة بن أبي الصقر، وعبد الرزاق النجّار، ويحيى الثّقفي، وغيرهم. وكان آخر من روى بالإجازة عن شهدة، وهو شيخ صالح متعفف، تال لكتاب الله تعالى، يؤمّ بمسجد ساوية من عمل نابلس، فاستشهد على يد التتار في جمادى الأولى، وقد نيّف على التسعين. قاله الذهبي.

وفيها الملك الكامل ناصر الدّين محمد بن الملك المظفّر شهاب الدّين غازي بن العادل، صاحب ميّافارقين. ملك سنة خمس وأربعين وستمائة، وكان عالما، فاضلا، شجاعا، عادلا، محسنا إلى الرعية. ذا عبادة وورع، ولم يكن في بيته من يضاهيه، حاصرته التتار عشرين شهرا حتى فني أهل البلد بالوباء والقحط، ثم دخلوا وأسروه، فضرب هولاكو عنقه بعد

أخذ حلب، وطيف برأسه، ثم علّق رأسه على باب الفراديس، ثم دفنه المسلمون بمسجد الرأس داخل الباب.

قال الذّهبيّ: بلغني أنّ التتار دخلوا البلد- أي ميّافارقين- فوجدوا به سبعين نفسا بعد ألوف كثيرة.

وفيها الضّياء القزويني الصّوفي، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد.

ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بحلب، وروى عن يحيى الثّقفي.

وفيها الشيخ الزّاهد الكبير أبو بكر بن قوام بن علي بن قوام البالسي.

كان زاهدا، عابدا، قدوة، صاحب حال وكشف وكرامات. وله زاوية وأتباع.

ولد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وتوفي في سلخ رجب من هذه السنة ببلاد حلب، ثم نقل تابوته ودفن بجبل قاسيون في أول سنة سبعين وستمائة، وقبره ظاهر يزار. قاله الذهبي.

وقال غيره: كان شافعيّ المذهب، أشعريّ العقيدة.

ولد بمشهد صفّين، ثم انتقل إلى مدينة بالس، وصفين وبالس غربي الفرات، وببالس نشأ. وقد ألّف حفيده الشيخ محمد بن عمر بن الشيخ أبي

بكر المذكور في مناقبه مؤلّفا حسنا، فمن أراد استقصاء محاسنه وكراماته فليراجعه.

وفيها حسام الدّين الهذبانيّ أبو علي محمد بن علي الكردي، من كبار الدولة وأجلائها. كان له اختصاص زائد بالملك الصّالح نجم الدّين، وناب في سلطنة دمشق له، ثم في سلطنة مصر. وحجّ سنة تسع وأربعين، ثم أصابه في آخر عمره صرع وتزايد به حتّى مات.

ولد بحلب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وله شعر جيّد.

وفيها أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم بن قاسم الأنصاري الأرتاحي [ثم المصري الحنبلي اللبّان. سمع من عمّ جدّه عبد الله الأرتاحي]، وتفرّد بالإجازة من المبارك، وكان صالحا، متعففا. روى عنه الزّكي عبد العظيم مع تقدّمه. توفي بمصر في جمادى الآخرة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.