من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وستين وستمائة
فيها غزا الملك الظّاهر وبثّ جيوشه بالسواحل، فأغاروا على بلاد عكّا، وصور، وطرابلس، وحصن الأكراد. ثم نزل على صفد في ثامن رمضان وأخذت في أربعين يوما بخديعة ثم ضربت رقاب مائتين من فرسانهم، وقد استشهد عليها خلق كثير.
وفيها استباح المسلمون قارة وسبي منها ألف نفس، وجعلت كنيستها جامعا.
وفيها توفي الشيخ أحمد بن سالم المصريّ النحويّ. نزيل دمشق. فقير متزهّد محقّق للعربية. اشتغل بالنّاصرية وبمقصورة الحنفية مدة، وتوفي في شوال.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن صالح السّينكي - بالسين المهملة
وتحتية ونون، نسبة إلى سينكة بلد بمصر- كان كاتب عمائر جامع دمشق، وكان فاضلا، أديبا، كثير التواضع.
ومن شعره:
للّوز زهر حسنهيصبي إلى زمن التّصابي
شكت الغصون من الشّتافأعارها بيض الثّياب
فكأنّه عشق الرّبيع فشاب من قبل الشباب
وله في السّيف عامل القماير:
ربع المصالح داثرلم يبق منه طائل
هيهات تعمر بقعةوالسّيف فيها عامل
رتّب ناظرا بدار الضرب، فجاء إليه شخص وسأله أن يترك عنده صندوقا وديعة إلى أن يقدم من الحجاز، فأحضر إليه الصندوق ولا يعرف ما فيه، وبعد أيام كتب إلى الأمير طيبرس الوزيري نائب البلدان: الشّهاب السّينكي ناظر دار الضّرب عنده صندوق فيه سكك لعمل الزّغل، فكبس بيته، فوجدوا الصندوق، فلم يقبل قوله في الاعتذار، فاشتهر في دمشق على صورة قبيحة، وأنفي منها، فأرسل من الطريق إلى رفيق له:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزةولو أنّني أعرى بها وأجوع
وما أنا إلّا المسك في غير أرضكميضوع وأمّا عندكم فيضيع
وفيها ابن شعيب، الإمام جمال الدّين أحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي الصّقلّي ثم الدمشقي المقرئ الأديب الذّهبيّ.
ولد سنة تسعين وخمسمائة، ولزم السّخاويّ مدّة، وأتقن القراءات، وسمع من القاسم بن عساكر وطائفة، وقرأ الكثير على السّخاوي وطبقته.
وتوفي في جمادى الأولى. قاله في «العبر».
وفيها ابن البرهان العدل الصّدر رضيّ الدّين إبراهيم بن عمر بن مضر بن فارس المصريّ الواسطيّ، التّاجر السفّار.
ولد سنة ثلاث وتسعين، وسمع «صحيح مسلم» من منصور الفراوي وسمع منه خلق بدمشق، ومصر، والثّغر، واليمن. وتوفي في حادي عشر رجب.
وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن هارون المرادي السّبتي الحافظ ابن الكمّاد. كان حافظ زمانه لم يكن له في عصره مثيل.
وكانت معيشته من تفقدات أهل الخير وهداياهم إلى أن مات. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها ابن الدّرجيّ الفقيه صفيّ الدّين إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي القرشي الدمشقي الحنفي.
ولد سنة اثنتين وسبعين [وخمسمائة]. وسمع من عبد الرحمن بن علي الخرقي، ومنصور الطبري، وطائفة.
وتوفي في السادس والعشرين من ربيع الأول.
وفيها أيدغدي، الأمير الكبير كمال الدّين. كان كبير القدر، شجاعا، مقداما، عاقلا، محتشما. كثير الصّدقات، حسن الدّيانة، من جلّة الأمراء ومتميزيهم. حبسه المعزّ مدّة، ثم أخرجوه يوم عين جالوت. وكان الملك الظّاهر يحترمه ويتأدّب معه. جهّزه في هذه السنة، فأغار على بلاد سيس، ثم خرج على صفد فتمرّض. وتوفي في ليلة عرفة بدمشق.
وفيها ابن صصرى الصّدر العدل بهاء الدّين الحسن بن سالم بن الحافظ أبي المواهب التّغلبيّ الدمشقيّ، أحد أكابر البلد. روى عن ابن طبرزد وطائفة، وتوفي في صفر عن تسع وستين سنة.
وولي هو وأخوه شرف الدّين المناصب الكبار ونظر الدواوين، وسمع أخوه المذكور عبد الرحمن بن سالم من حنبل، وابن طبرزد أيضا، ومات في شعبان من هذه السنة، عن تسع وستين سنة.
وفيها الموقاني- بضم الميم وقاف ونون، نسبة إلى موقان، مدينة بدربند- المحدّث جمال الدّين محمد بن عبد الجليل المقدسي نزيل دمشق. سمع من أبي القاسم الحرستاني، وخلق. وعني بالحديث والأدب، وله مجاميع مفيدة. وتوفي في ذي القعدة، وله أربع وسبعون سنة.
وفيها ابن فار اللّبن معين الدّين أبو الفضل عبد الله بن محمد بن عبد الوارث الأنصاري المصري. آخر من قرأ «الشّاطبيّة» على مؤلّفها، وقرأها عليه جماعة، منهم: البدر التّاذفيّ.
وفيها هولاكو بن قولي [قان] بن جنكزخان المغلي، مقدّم التتار وقائدهم إلى النّار، الذي أباد البلاد والعباد، بعثه ابن عمّه القان الكبير على جيش المغل، فطوى الممالك وأخذ الحصون الإسماعيلية، وأذربيجان، والرّوم، والعراق، والجزيرة، والشّام. وكان ذا سطوة، ومهابة، وعقل، وغور، وحزم، ودهاء، وخبرة بالحروب، وشجاعة ظاهرة، وكرم مفرط، ومحبة لعلوم الأوائل من غير أن يفهمها. مات على كفره في هذه السنة بعلّة الصّرع، فإنه اعتراه منذ قتل الشهيد صاحب ميّافارقين الملك الكامل محمد [بن] غازي، حتى كان يصرع في اليوم مرّتين. مات بمراغة ونقلوه إلى قلعة تلا، وبنوا عليه قبة، وخلّف سبعة عشر ولدا تملّك بعده ابنه أبغا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع