تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وستين وستمائة

فيها كما قال ابن خلّكان: بلغنا من جماعة يوثق بهم وصلوا إلى دمشق من أهل بصرى أن عندهم قرية يقال لها: دير أبي سلامة. كان بها رجل من العربان فيه استهزاء زائد وجهل. فجرى يوما ذكر السّواك وما فيه من الفضيلة، فقال: والله ما أستاك إلّا من المخرج، فأخذ سواكا وتركه في دبره، فآلمه تلك الليلة، ثم مضى عليه تسعة أشهر وهو يشكو من ألم البطن والمخرج، ثم أصابه مثل طلق الحامل ووضع حيوانا على هيئة الجرذون، ورأسه مثل رأس السمكة، وله أربع أنياب بارزة وذنب طويل مثل شبر وأربع أصابع، وله دبر مثل دبر الأرنب، ولما وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات، فقامت ابنة ذلك الرجل فشجّت رأسه فمات، وعاش ذلك الرجل بعده يومين ومات، وهو يقول: هذا الحيوان قتلني وقطّع أمعائي، وشاهد ذلك الحيوان جماعة من تلك النّاحية وخطيب المكان.

وفيها توفي خطيب القدس كمال الدّين أحمد بن نعمة بن أحمد النّابلسي الشّافعي.

ولد سنة تسع وسبعين وخمسمائة وسمع بدمشق من القاسم بن عساكر، وحنبل، وكان صالحا متعبّدا متزهّدا.

توفي بدمشق في ذي القعدة.

وفيها إسماعيل الكوراني - بالضم، وراء، نسبة إلى كوران، قرية بإسفرايين- القدوة الزّاهد، شيخ كبير القدر، مقصود بالزيارة، صاحب ورع وصدق وتفتيش عن دينه. أدركه أجله بغزّة في رجب. قاله الذّهبيّ.

وفيها بركة بن تولي بن جنكزخان المغلي. سلطان مملكة القفجاق، الذي أسلم وراسل الملك الظّاهر، وكسر ابن عمّه هولاكو.

توفي وهو في عشر الستين، وتملّك بعده ابن أخيه منكوتمر.

وفيها الأمير مقدّم الجيوش، ناصر الدّين حسين بن عزيز [القيمريّ]، الذي أنشأ المدرسة بدمشق شرقي جامع بني أمية، والآن

تعرف تلك المحلّة بالقيمريّة تسمية لها باسم المدرسة. كان بطلا شجاعا، رئيسا، عادلا، جوادا. وهو الذي ملك دمشق للناصر.

توفي مرابطا بالسّاحل في ربيع الأول.

وفيها أبو شامة، العلّامة المجتهد، شهاب الدّين أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي ثم الدّمشقي الشّافعي، المقرئ النحوي المؤرّخ، صاحب التصانيف.

ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة في أحد ربيعيها بدمشق، وسمّي بأبي شامة لشامة كبيرة كانت فوق حاجبه الأيسر، وختم القرآن وله دون عشر سنين، وأتقن فنّ القراءة على السّخاوي وله ست عشرة سنة، وسمع الكثير، حتّى عدّ في الحفّاظ. وسمع من الموفق وطائفة، وأخذ عن الشيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام.

قال الذهبي: كتب الكثير من العلوم، وأتقن الفقه، ودرّس وأفتى، وبرع في فنّ العربية. وذكر أنه حصل له الشيب وهو ابن خمس وعشرين سنة، وولي مشيخة القراءة بالتّربة الأشرفية، ومشيخة الحديث بالدّار الأشرفية. وكان مع كثرة فضائله متواضعا مطّرحا للتكلف، وربما ركب الحمار بين المداوير. وقرأ عليه القراءة جماعة. ومن تصانيفه «شرح الشّاطبية» ومختصرا تاريخ دمشق، أحدهما في خمسة عشر مجلدا، والآخر في

خمس مجلدات. وشرح «نونية» السّخاوي في مجلد. وله كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين النّورية والصّلاحية» وكتاب «الذّيل» عليهما. وكتاب «ضوء السّاري إلى معرفة رؤية الباري» وكتاب «الباعث على إنكار البدع والحوادث» وكتاب «السّواك» وكتاب «كشف حال بني عبيد» و «مفردات القرّاء» و «مقدمة» في النحو، وشرح «مفصّل» الزّمخشريّ، و «شيوخ البيهقي». وله غير ذلك، وأكثر تصانيفه لم يفرعها.

ومن نظمه قوله:

أيا لائمي ما لي سوى البيت موضعأرى فيه عزّا إنه لي أنفع
فراشي ونطعي فروتي ثمّ جبّتيلحافي وأكلي ما يسدّ ويشبع
ومركوبي الآن الأتان ونجلهالأخلاق أهل العلم والدّين أتبع
وقد يسّر الله الكريم بفضلهغني النّفس مع عيش به أتقنّع
وما دمت أرضى باليسير فإننيغنيّ أرى هولا لغيري أخضع

ووقف كتبه بخزانة العادلية، وشرط أن لا تخرج فاحترقت جملة.

وقال ابن ناصر الدّين: كان شيخ الإقراء، وحافظ العلماء حافظا، ثقة، علّامة، مجتهدا، [ذا فنون].

وقال الإسنوي: وجرت له محنة في سابع جمادى الآخرة، سنة خمس وستين وستمائة، وهو أنه كان في داره بطواحين الأشنان فدخل عليه رجلان جليلان في صورة مستفتيين، ثم ضرباه ضربا مبرّحا إلى أن عيل صبره،

ولم يغثه أحد، ثم توفي، ﵀، في تاسع عشر رمضان من ذلك العام.

وأنشد في ذلك لنفسه:

قلت لمن قال أما تشتكيما قد جرى فهو عظيم جليل
يقيّض الله تعالى لنامن يأخذ الحقّ ويشفي الغليل
إذا توكّلنا عليه كفىفحسبنا الله ونعم الوكيل

ومن شعره:

قال النّبيّ المصطفى إنّ سبعةيظلّهم الله العظيم بظلّه
محبّ عفيف ناشئ متصدّقوباك مصلّ والإمام بعدله

انتهى.

وفيها ابن بنت الأعزّ، قاضي القضاة، تاج الدّين أبو محمد عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلّامي المصري الشافعي، قاضي القضاة صدر الدّيار المصرية ورئيسها. كان ذا ذهن ثاقب وحدس صائب وعقل ونزاهة وتثبّت في الأحكام. روى عن جعفر الهمدانيّ، وولي القضاء

بتعيين الشيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام، وولي الوزارة ونظر الدّواوين وتدريس الشّافعي والصّالحية، ومشيخة الشيوخ والخطابة، ولم تجتمع هذه المناصب لأحد قبله. قرأ على الشيخ زكي الدّين المنذري «سنن أبي داود» وحدّث عن غيره أيضا.

قال القطب اليونيني: كان إماما، [عالما] فاضلا متبحّرا، وتقدم في الدولة، وكانت له الحرمة الوافرة عند الملك الظّاهر. وكان ذا ذهن ثاقب، وحدس صائب، وجدّ وسعد وحزم وعزم، مع النزاهة المفرطة، وحسن الطّريقة والصّلابة في الدّين، والتثبّت في الأحكام، وتولية الأكفاء، لا يراعي أحدا ولا يداهنه، ولا يقبل شهادة مريب.

وقال السبكيّ: وعن ابن دقيق العيد أنه قال: لو تفرّغ ابن بنت الأعزّ للعلم لفاق ابن عبد السّلام.

وكان يقال: إنه آخر قضاة العدل، وفي أيّامه قبل موته بيسير جعلت القضاة أربعة بمصر، في سنة ثلاث وستين، وفي الشام في سنة أربع وستين.

توفي- رحمه الله تعالى- في السابع والعشرين من رجب، ودفن بسفح المقطّم.

وفيها ابن القسطلّاني الشيخ تاج الدّين علي بن الزّاهد أبي العبّاس أحمد ابن علي القيسي المصري المالكي، المفتي العدل. سمع بمكّة من زاهر بن رستم، ويونس الهاشمي، وطائفة. ودرّس بمصر، ثم ولي مشيخة الكاملية إلى أن توفي في سابع شوال، وله سبع وسبعون سنة.

وفيها أبو الحسن الدّهّان علي بن موسى السّعديّ المصريّ، المقرئ، الزّاهد.

ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على جعفر الهمداني وغيره، وتصدّر بالفاضلية للإقراء، وكان ذا علم وعمل. توفي في رجب.

وفيها صاحب المغرب المرتضى أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم القيسي المؤمني. ولي الملك بعد ابن عمّه المعتضد علي، وامتدت أيّامه.

فلما كان في المحرّم من هذا العام دخل ابن عمّه أبو دبّوس، الملقب بالواثق بالله إدريس بن أبي عبد الله يوسف [بن عبد المؤمن] مرّاكش، فهرب المرتضى فظفر به عامل الواثق وقتله بأمر الواثق في ربيع الآخر وأقام الواثق ثلاثة أعوام، ثم قامت دولة بني مرين وزالت دولة آل عبد المؤمن.

وفيها القاضي صدر الدّين موهوب بن عمر الجزري ثم المصري الشافعي ولد بالجزيرة في جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، وأخذ عن السّخاوي، وابن عبد السلام، وغيرهما.

وكان إماما، عالما، عابدا.

قال الذهبي: تفقّه وبرع في المذهب والأصول والنحو ودرّس وأفتى، وتخرّج به جماعة. وكان من فضلاء زمانه، وولي القضاء بمصر وأعمالها دون القاهرة مدّة.

وقال غيره: تخرّجت به الطلبة، وجمعت عنه الفتاوى المشهورة به.

وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام»: ولي نيابة الحكم عن الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام، فلما عزل نفسه استقلّ بها، وكانت له أموال كثيرة اكتسبها من المتجر.

حكى هو قال: جاءني شخص من خواصّ الملك المعظّم صاحب الجزيرة وقال: الليلة السلطان يريد القبض عليك، وكان عندي سبعون ألف درهم، فأخذتها وتركتها في قماقم لماء الورد، وخرجت من البلد بعد صلاة العصر، وقصدت المقابر، فوجدت قبرا مفتوحا، فدخلت فيه وأقمت فيه ثلاثة أيّام، فبينا أنا جالس وإذا جنازة أحضرت إلى ذلك القبر الذي أنا فيه، ففتحوا الطّاقة وأنزلوا الميّت وسدّوا الطّاقة، فلما انصرفوا جلس الميّت، فنظرت إليه والماء يقطر من ذقنه، وبقي ساعة يتكلم بكلام لا أعرفه، ثم استلقى على قفاه، فحصل عندي غاية الخوف، ثم خرّبت الطّاقة وخرجت وجلا مما شاهدت، فوجدت أكرادا قاصدين حلب، فصحبتهم وأقمت بها مدة، ثم قصدت الدّيار المصرية. وفي ليلة تغيّبت، كبسوا داري فلم يجدوني، ونادوا على من يحضرني، ولقد رأيت الجند غائرين يفتشون عليّ.

توفي- رحمه الله تعالى- بمصر فجأة وخلّف من العين ثلاثين ألف دينار.

وفيها ابن خطيب بيت الآبار ضياء الدّين أبو الطّاهر يوسف بن

عمر بن يوسف بن يحيى الزّبيدي سمع من الخشوعي وغيره، وناب في خطابة دمشق من العادل، وتوفي يوم الجمعة يوم الأضحى.

وفيها يوسف بن مكتوم بن أحمد القيسي. سمع شمس الدّين ولد المعمّر صدر الدّين [روى عن الخشوعي والقاسم وجماعة] وروى عنه زكيّ الدّين البرزالي مع تقدمه.

وتوفي في ربيع الأول عن إحدى وثمانين سنة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.