من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبعمائة
في صفر قويت الأراجيف بالتتار، وأكريت المحارة من الشام إلى مصر بخمسمائة درهم، وأبيعت الأمتعة بالثمن البخس.
وفي ربيع الآخر جاوز غازان بجيشه الفرات وقصد حلب وساق الشيخ تقي الدّين بن تيمية في البريد إلى القاهرة يحرّض الناس على الجهاد واجتمع بأكابر الأمراء، ثم نودي في دمشق من قدر على الهرب فلينج بنفسه، فانقلبت المدينة وانرصّ الخلق بالقلعة وأشرف الناس على خطة صعبة، وبقي الخوف أياما ثم تناقص برجعة غازان لما ناله من المشاق والثلوج.
وفيها توفي العزّ أبو العبّاس أحمد بن العماد عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الصّالحي الحنبلي.
روى عن الشيخ الموفق، وابن أبي لقمة، وابن راجح، وموسى بن عبد القادر، وطائفة. وخرّج له «مشيخة» سمعها خلق، وزاره نائب السلطان، وتوفي في ثالث المحرم وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها العماد أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سعد بن عبد الله المقدسي الصّالحي الحنبلي شيخ صالح مشهور.
روى عن القزويني، وابن الزّبيدي وجماعة. وروى الكثير، وتوفي في المحرم وله ثلاث وثمانون سنة.
وفيها الشيخ إسماعيل بن إبراهيم بن شويخ الصالحي، شيخ البكرية.
كان ينتسب لأبي بكر ﵁، وله أصحاب وفيه خير وسكون مات كهلا.
وفيها ابن الفرّاء العدل المسند الكبير عز الدّين أبو الفداء إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمر المرداوي الصالحي الحنبلي.
روى عن الموفق وابن راجح، وابن البن، وجماعة. وروى «الصحيح» مرّات. وكان صالحا، متواضعا، متعبّدا. قاسى الشدائد عام أول، واحترقت أملاكه.
توفي في سادس جمادى الآخرة وله تسعون سنة. قاله في «العبر».
وفيها أبو جلنك أحمد الحلبي الشاعر المشهور، أسره التتر بحلب فسألوه عن عسكر المسلمين فعظمهم وكثرهم فقتلوه.
ومن شعره:
أتى العذار بماذا أنت معتذروأنت كالوجد لا تبقي ولا تذر
لا عذر يقبل إذ نم العذار ولاينجيك من شره خوف ولا حذر
كأنني بوحوش الشعر قد أنستبوجنتيك وبالعشاق قد نفروا
وكلما مر بي مرد أقول لهمقفوا انظروا وجه هذا الكيس واعتبروا
قد كان شكلا نقيّ الخد معتدلاكأنه غصن بان فوقه قمر
فعاد لحيان فانفلّ الجماعة إذرأوا طريقا إلى السلوان وانتصروا
وعاد في قبضهم لا شك جودلةفراح والدّمع من عينيه ينهمر
فاقرأ على نعشه آخر سبا فلقدجاءت بما تقتضي أحواله السور
إذا رأى عاشقا في النازعات غداما بعدها وهو قد أودى به الضرر
فعاد والليل يغشى نور طلعتهوزال عن عاشقيه الهم والحصر
هذا جزاؤك يا من لا وفاء لهوالعاشقون لهم طوبى بما صبروا
وفيها المعمر شمس الدّين إبراهيم بن أبي بكر الجزري الكتبي، عرف بالفاشوشة.
مولده سنة اثنتين وستمائة. وكان مشهورا بالكتب ومعرفتها، وكان عنده فضيلة. وكان يتشيع، جاء إليه إنسان فقال: عندك فضائل يزيد؟ قال: نعم، ودخل الدكان وطلع ومعه جراب فجعل يضربه به ويقول: العجب كيف ما قلت- ﷺ.
ومن شعره:
وما ذكرتكم إلا وضعت يديعلى حشاشة قلب قلّما بردا
وما تذكّرت أياما بكم سلفتإلا تحدّر من عينيّ ما بردا
وفيها أيدمر الأمير الكبير عز الدّين الظّاهري، الذي كان نائب دمشق
في دولة مخدومه، حبس مدة ثم أطلق فلبس عمامة مدورة، وسكن بمدرسة عند الجسر الأبيض.
توفي في ربيع الأول، ودفن بتربته، وكان أبيض الرأس واللحية. قاله في «العبر».
وفيها الأمير الكبير سيف الدّين بلبان المنصوري الطبّاحي نائب حلب، ولي إمرة مصر وإمرة طرابلس، وكان من جلّة الأمراء وكبرائهم، حليما إذا غضب على أحد تكون عقوبته البعد عنه. توفي بالساحل كهلا وخلف جملة.
وفيها ابن عبدان، المسند شمس الدّين أبو القاسم الخضر بن عبد الرحمن بن الخضر بن الحسين بن عبد الله بن عبدان الأزدي الدمشقي الكاتب خدم في جهات الظلم، وكان عريا من العلم، لكنه تفرّد بأشياء وحدّث عن ابن البن، والقزويني، وأبي القاسم بن صصرى وجماعة.
وتوفي في ذي الحجّة عن أربع وثمانين سنة، قاله في «العبر».
وفيها زينب بنت قاضي القضاة محيي الدّين يحيى بن محمد بن الزكي القرشي الدمشقي أم الخير.
روت عن علي بن حجاج، وابن المقيّر، وجماعة، وتوفيت في شعبان عن بضع وسبعين سنة.
وفيها أبو محمد عبد الملك بن عبد الرحمن بن عبد الأحد بن
العنيقة الحرّاني العطّار. روى عن أبي المعالي العطّار وابن يعيش وابن خليل، وتوفي بطريق مصر عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها مفيد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن سليمان بن عبد العزيز بن المجلخ الحربي الضرير الفقيه الحنبلي معيد الحنابلة بالمستنصرية، سمع من الشيخ مجد الدين ابن تيمية وغيره، وكان من أكابر الشيوخ وأعيانهم، عالما بالفقه والعربية والحديث، قرأ عليه الفقه جماعة، وسمع منه الدقوقي وغيره.
وفيها أبو محمد عبد المنعم بن عبد اللطيف بن زين الأمناء أبي البركات بن عساكر الدمشقي روى عن ابن غسّان وابن اللّتي وطائفة، وتوفي في رجب، وله أربع وسبعون سنة.
وفيها الفرضي الإمام الحافظ شمس الدّين أبو العلاء محمود بن أبي بكر ابن أبي العلاء البخاري الكلاباذي الحنفي. الصّوفي. الحافظ.
كان إماما في الفرائض، مصنّفا فيها، له حلقة إشغال، وسمع الكثير بخراسان، والعراق، والشام، ومصر. وكتب بخطه الأنيق المتقن الكثير، ووقف أجزاءه، وراح مع التتار من خوف الغلاء فنزل بماردين أشهرا فأدركه أجله بها وله ست وخمسون سنة. وكان صالحا، ديّنا، سنّيا. قاله الذهبي.
وقال: حدثنا عن محمد بن أبي الدّنية وغيره.
وفيها الغسولي أبو علي يوسف بن أحمد بن أبي بكر الصّالحي الحجار.
روى عن موسى بن عبد القادر- وهو آخر من روى في الدنيا عنه- وروى عن الشيخ الموفق، وعاش ثماني وثمانين سنة. وكان فقيرا متعفّفا أمّيّا لا يكتب. خدم مدة في الحصون. وتوفي في منتصف جمادى الآخرة بالجبل. قاله الذهبي وغيره.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع