من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وتسعين وستمائة
فيها توفي خطيب الخطباء، شرف الدّين أحمد بن أحمد بن نعمة بن أحمد المقدسي الشافعي خطيب دمشق، ومفتيها، وشيخ الشافعية بها.
ولد سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وأجاز له أبو علي بن الجواليقي وطائفة، وسمع من السّخاوي، وابن الصّلاح، وتفقه على ابن عبد السّلام وغيره، وبرع في الفقه والأصول والعربية [وناب في الحكم مدّة، ودرّس بالشّاميّة والغزالية. وكتب الخطّ المنسوب الفائق. وألّف كتابا في الأصول].
وكان كيّسا، متواضعا، متنسّكا، ثاقب الذّهن، مفرط الذّكاء، طويل النّفس في المناظرة، أديبا، من محاسن الزّمان.
ومن شعره:
احجج إلى الزّهر واسع بهوارم جمار الهمّ مستنفرا
من لم يطف بالزّهر في وقتهمن قبل أن يحلق قد قصّرا
وله لغز في ناعورة:
وما أنثى وليست ذات فحلوتحمل دائما من غير بعل
وتلقي كلّ آونة جنينافيجري في الفلاة بغير رجل
وتبكي حين تلقيه عليهبصوت حزينة ثكلت بطفل
توفي- رحمه الله تعالى- في رمضان.
وفيها الفاروثي- بالفاء والراء والمثلثة، نسبة إلى فاروث قرية على دجلة- الإمام عزّ الدّين أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم بن عمر الواسطي الشافعي المقرئ الصّوفي. شيخ العراق.
ولد بواسط في ذي القعدة، سنة أربع عشرة وستمائة. وقرأ القراءات على أصحاب ابن الباقلّاني. وسمع من عمر بن كرم وطبقته، وكان إماما، عالما، متفنّنا، متضلعا من العلوم والآداب، رحّالا، حريصا على العلم ونشره، حسن التّربية للمريدين. لبس الخرقة من السّهروردي، وجاور مدّة.
قال الذهبي: ثم قدم علينا في سنة إحدى وتسعين، فأقرأ القراءات، وروى الكثير، وولي الخطابة بعد ابن المرحّل. [ثمّ] عزل بعد سنة، فسافر مع الحجّاج، ودخل العراق، ومات بواسط في أول ذي الحجّة، وقد نيّف على الثمانين.
وفيها محبّ الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد، شيخ الحرم، الطّبري المكّي.
ولد بمكّة في جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وستمائة. وسمع من
جماعة، وأفتى، ودرّس، وتفقّه، وصنّف كتابا كبيرا إلى الغاية في الأحكام في ست مجلدات، وتعب عليه مدّة. ورحل إلى اليمن وأسمعه للسلطان صاحب اليمن، وروى عنه الدّمياطي، وابن العطّار، وابن الخبّاز، والبرزالي، وجماعة.
قال الذهبي: الفقيه الزّاهد المحدّث. كان شيخ الشّافعية، ومحدّث الحجاز.
وقال غيره: له تصانيف كثيرة في غاية الحسن، منها في التفسير كتبا.
وشرح «التنبيه» وله كتاب «الرّياض النّضرة في فضائل العشرة» وكتاب «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» وكتاب «السّمط الثّمين في مناقب أمهات المؤمنين» وكتاب «القرى في ساكن أمّ القرى» وغير ذلك.
توفي في جمادى الآخرة على الصحيح.
وحكى البرزالي: أن ولده توفي بعده في ذي القعدة. واسم ولده محمد ولقبه جمال الدّين. وكان قاضيا بمكّة المشرّفة.
وفيها الجمال المحقّق أبو العبّاس أحمد بن عبد الله الدمشقي. كان فقيها، ذكيا، مناظرا، بصيرا بالطبّ، درّس وأعاد. وكان فيه لعب ومزاح.
توفي في رمضان عن نحو ستين سنة. روى عن ابن طلحة.
وفيها التّاج إسماعيل بن إبراهيم بن قريش المخزومي المصري
المحدّث. كان عالما جليلا. سمع من جعفر الهمداني، وابن المقيّر وهذه الطبقة، ومات فجأة في رجب.
وفيها أبو القاسم عبد الصّمد بن الخطيب عماد الدّين عبد الكريم بن القاضي جمال الدّين بن الحرستاني الشافعي.
كان صالحا، زاهدا، صاحب كشف وفيه تواضع ووله يسير. روى عن زين الأمناء، وابن الزّبيدي، وتوفي في ربيع الآخر وله خمس وسبعون سنة.
وفيها ابن سحنون خطيب النّيرب، مجد الدّين، شيخ الأطباء. أبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن سحنون الحنفي. روى عن خطيب مردا يسيرا، وله شعر وفضائل، وتوفي في ذي القعدة. قاله في «العبر».
وفيها اللّمتونيّ أبو الحسن علي بن عثمان بن يحيى الصّنهاجي الشوّاء ثم أمين السّجن. سمع ابن غسّان، الزّبيدي، وطائفة. وتوفي في ذي القعدة، وقد نيّف على السبعين.
وفيها ابن البزوري أبو بكر محفوظ بن معتوق البغدادي التّاجر. روى عن ابن القبّيطيّ، ووقف كتبه على تربته بسفح قاسيون.
وكان نبيلا، سريّا. جمع «تاريخا» ذيّل به على «المنتظم». وتوفي في صفر عن ثلاث وستين سنة، وهو أبو الواعظ نجم الدّين.
وفيها ابن الحامض أبو الخطّاب محفوظ بن عمر بن أبي بكر بن
خليفة البغدادي التّاجر. روى عن ابن عبد السّلام الدّاهري وجماعة، وتوفي بمصر يوم الأضحى.
وفيها ابن العديم الصّاحب جمال الدّين أبو غانم محمد بن الصّاحب كمال الدّين عمر بن أحمد العقيلي الحلبي الفرضي الكاتب.
سمع من ابن رواحة وطائفة، وببغداد ودمشق، وانتهت إليه رئاسة الخطّ المنسوب، وتوفي بحماة في أول أيام التشريق، وله ستون سنة.
وفيها قاضي نابلس جمال الدّين محمد بن القاضي نجم الدّين محمد بن القاضي شمس الدّين سالم بن صاعد القرشي المقدسي الشّافعي. روى عن أبي علي الأوقي وتوفي في ربيع الآخر عن أربع وسبعين سنة.
وفيها صاحب اليمن الملك المظفّر يوسف ابن الملك المنصور عمر بن رسول. بقي في السّلطنة نيفا وأربعين سنة، وكان مستظهرا في الولاية، له مشاركة في العلوم، يحب العلماء، ويعتقد الصّالحين، محبّبا إلى الرعايا. صحبه في حجّته ستمائة فارس. ومن ظرفه أنه كتب إليه رجل: إنما المؤمنون إخوة وأخوك بالباب يطلب نصيبه من بيت المال. فأرسل إليه بدرهم وقال في جوابه: إخواني المؤمنون كثير في الدنيا، لو قسمت بيت المال بينهم ما حصل لكل واحد منهم درهم.
وكتب إليه إنسان أنا كاتب أحسن الخطّ الظّريف والكشط اللّطيف.
فقال: حسن كشطك يدلّ على كثرة غلطك.
واشتكى إليه ناظره على عدن أن عبد الله بن أبي بكر الخطيب أراق خمورهم فأجابه، هذا لا يفعله إلّا صالح أو مجنون، وكلاهما ما لنا معه كلام.
توفي سامحه الله تعالى في رجب.
وفيها الجوهري الصّدر نجم الدّين أبو بكر بن محمد بن عبّاس التّميمي الحنفي صاحب المدرسة الجوهرية الحنفية بدمشق.
توفي في شوال ودفن بمدرسته عن سنّ عالية.
وفيها أبو بكر بن إلياس بن محمد بن سعيد الرّسعني الحنبلي.
روى عن الفخر بن تيميّة، والقزويني، وتوفي بالقاهرة، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الرّجال بن مرّي المنيني الرّجل الصّالح القدوة، بركة الوقت. كان صاحب حال وكشف، وله عظمة في النّفوس. وكان له عشرة أولاد ذكور، فكنّي بأبي الرّجال. وكان تلميذ الشيخ جندل العجمي، رحمهما الله، توفي يوم عاشوراء بمنين عن نيّف وثمانين سنة، ودفن هناك.
وفيها أبو الفهم بن أحمد بن أبي الفهم السّلمي الدمشقي. رجل مستور. روى عن الشيخ الموفّق وغيره، وتوفي في أحمد الرّبيعين، وله ثلاث وثمانون سنة. قاله في «العبر».
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع