من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وثمانين وستمائة
فيها توفي البرهان السّنجاري قاضي القضاة أبو محمد الخضر بن الحسن بن علي الزّراري الشافعي. ولي قضاء مصر وحدها مدّة في دولة الصّالح، ثم آذاه الوزير بهاء الدّين ونكبه، فلما مات ولي الوزارة للملك السّعيد، وبقي مدّة، ثم عزل، وضربه الشّجاعي، ثم ولي الوزارة ثانيا، ثم عزل وأوذي، ثم ولي قضاء القضاة بالإقليم، فتوفي بعد عشرين يوما، فيقال:
إنه سمّ.
توفي في صفر، وولي بعده تقي الدّين بن بنت الأعزّ.
وفيها ابن بليمان الأديب شرف الدّين سليمان بن بليمان بن أبي الجيش الإربلي. الشاعر المشهور. أحد الظّرفاء في العالم. توفي بدمشق وقد كمّل التسعين.
وفيها- أو في سنة أربع وثمانين-[نجم الأئمة] الرّضي، شارح «الكافية» الإمام المشهور.
قال السيوطي في «طبقات النّحاة»: [شرح «الكافية» لابن الحاجب، الشرح] الذي لم يؤلّف عليها، بل ولا في غالب كتب النّحو مثله، جمعا، وتحقيقا، وحسن تعليل، وقد أكبّ النّاس عليه، وتداولوه، واعتمده شيوخ هذا العصر فمن قبلهم في مصنّفاتهم ودروسهم، وله فيه أبحاث كثيرة مع النّحاة، واختيارات جمّة، ومذهب ينفرد به، ولقّبه نجم الأئمة، ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته، إلّا أنه فرغ من تأليف هذا «الشرح» سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وأخبرني صاحبنا المؤرخ شمس الدّين ابن عزم بمكّة أن وفاته سنة
أربع وثمانين أو ست [وثمانين]- الشكّ مني- وله شرح على «الشّافية» انتهى كلام السّيوطي.
وفيها ابن عساكر الإمام الزّاهد أمين الدّين أبو اليمن عبد الصّمد بن عبد الوهاب بن زين الأمناء الدّمشقي المجاور بمكة. روى عن جدّه، والشيخ الموفق، وطائفة. وكان صالحا خيّرا، قوي المشاركة في العلم، بديع النّظم، لطيف الشّمائل، صاحب توجّه وصدق.
ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وجاور بمكة أربعين سنة، وتوفي في جمادى الأولى ﵀.
وفيها عزّ الدّين أبو العزّ عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي بن الصّيقل، مسند الوقت الحرّاني. روى عن أبي حامد بن جوالق، ويوسف بن كامل، وطائفة. وأجاز له ابن كليب. فكان آخر من روى عن أكثر شيوخه، وممن روى عنه الحافظ علم الدّين البرزالي. قال: حدّثنا الشيخ أبو العزّ الحرّاني، قال: حدثني عبد الكافي بمصر- ووصفه بالصّلاح- قال:
خرجت في بعض الجنائز وتحت النّعش أسود، فصلينا على الميت، ووقف الأسود لا يصلي، فلما أدخل الميت إلى القبر، نظر إليّ وقال: أنا عمله، وقفز ودخل القبر، فنظرت في القبر فلم أر شيئا. انتهى.
وتوفي أبو العزّ هذا بمصر في جامع عمرو بن العاص في رابع عشر رجب وقد نيّف على التسعين، وصلّى عليه ابن دقيق العيد.
وفيها- وقيل في التي قبلها كما جزم به الإسنويّ وابن قاضي شهبة- قاضي القضاة وجيه الدّين عبد الوهاب بن الحسن المصري البهنسي الشّافعي.
ولي قضاء مصر والقاهرة بعد موت القاضي تقي الدّين بن رزين، في رجب سنة ثمانين [وستمائة]، ثم أخذ منه قضاء القاهرة والوجه البحري وأعطي للقاضي شهاب الدّين الجويني في جمادى الآخرة، سنة إحدى وثمانين، واستمر الوجيه حاكما بمصر والوجه القبلي إلى أن توفي.
قال الإسنوي: كان إماما، كبيرا في الفقه.
وقال السّبكي: كان من كبار الأئمة.
وقال غيرهما: أخذ عن ابن عبد السّلام، ودرّس بالزاوية المحدثة بالجامع العتيق بمصر، وكان فقيها، أصوليا، نحويا، متدينا، متعبدا، عالي الكلام في المناظرة. حضر عند الشيخ شهاب الدّين القرافي مرّة في الدّرس وهو يتكلم في الأصول، فناظره القرافي- وكلام الوجيه يعلو- فقام طالب يتكلم بينهما فأسكته الوجيه، وقال: فروج يصيح بين الدّيكة.
توفي الوجيه- رحمه الله تعالى- في جمادى الأولى في عشر الثمانين.
وفيها ابن الحبوبي شهاب الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن حمزة بن علي الثّعلبي الدمشقي الشّاهد. روى عن [ابن] الحرستاني وغيره، وأجاز له المؤيد الطّوسي، وابن الأخضر، وتوفي في رجب.
وفيها ابن القسطلّاني الإمام قطب الدّين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي المصري ثم المكّي.
ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع من علي ابن البناء، والشّهاب السّهروردي وجماعة. وتفقّه في مذهب الإمام الشّافعي، وأفتى. ثم رحل سنة تسع وأربعين، فسمع ببغداد، ومصر، والشام، والجزيرة. وكان أحد من جمع بين العلم والعمل، والهيبة والورع.
قال ابن تغري بردي: كان شجاعا، عالما، عاملا، عابدا، زاهدا، جامعا للفضائل، كريم النّفس، كثير الإيثار، حسن الأخلاق، قليل المثل.
وكان بينه وبين ابن سبعين عداوة، وينكر عليه بمكة كثيرا من أحواله، وقد صنّف في الطائفة الذين يسلك طريقتهم ابن سبعين، وبدأ بالحلّاج، وختم بالعفيف التّلمساني. وكان القطب هذا مأوى الفقراء، والواردين عليه يبرهم ويعين كثيرا منهم.
ومن شعره:
إذا كان أنسي في التزامي خلوتيوقلبي عن كلّ البرية خالي
فما ضرّني من كان لي الدّهر قالياولا سرّني من كان في موالي
وقال الإسنوي: استقرّ بمكة، وكان ممن جمع العلم والعمل، والهيبة والورع والكرم. طلب من مكة، وفوضت له مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة، إلى أن توفي في شهر المحرّم.
ومن شعره:
إذا طاب أصل المرء طابت فروعهومن غلط جاءت يد الشّوك بالورد
وقد يخبث الفرع الذي طاب أصلهليظهر صنع الله في العكس والطّرد
وفيها الدّنيسري الطّبيب الحاذق عماد الدّين أبو عبد الله محمد بن عبّاس ابن أحمد الرّبعي.
ولد بدنيسر سنة ست وستمائة، وسمع بمصر من علي بن مختار وجماعة، وتفقه للشافعي، وصحب البهاء زهير مدّة، وتأدّب به، وصنّف، وقال الشعر. وبرع في الطب والأدب.
ومن شعره:
فيم التّعلّل بالألحاظ والمقلوكم أشير إلى الغزلان والغزل
وكم أعرّض من فرط الغرام بهعن قدّه بغصون البان في الميل
ما لذّة العيش إلّا أن أكون كماقد قيل فيما مضى من سالف المثل
صرّحت باسمك يا من لا شبيه لهأنا الغريق فما خوفي من البلل
يا عاذلي كفّ عن عذلي فبي قمرقد حجبوه عن الأبصار بالأسل
معقرب الصّدغ في تكوين صورتهمعنى يجلّ عن الإدراك بالمقل
ومنه:
من يكن شافعي إلى حنبليّهو والله مالكي لا محاله
حنفيّ بوصله عن كثبوعلى قتله أقام الدّلاله
بشهود من الجمال ثقاتحسن القول منهم والعدالة
ناظر فاتر وطرف كحيلوجبين هاد ودمع أساله
قد تذلّلت إذ تذلّل حتّىصرت أهوى تذلّلي ودلاله
وطلبت الوصال منه فنادىمت بداء الهوى على كلّ حاله
قمر تخجل البدور لديهوغزال تغار منه الغزالة
رشأ بالجمال نبّئ فيناثمّ أوحى إلى القلوب رسالة
أهيف بالجفون أسهر جفنيكيف صبري وقد رأيت جماله
قد أمال القلوب قسرا لديهوإذا ماس فالنّسيم أماله
لامني فيه عاذلي وتعدّىأنا مالي وللعذول وماله
وتوفي في ثامن صفر.
وفيها البدر بن مالك أبو عبد الله محمد بن العلّامة جمال الدّين محمد بن عبد الله بن مالك الطّائي [الجيّاني] الشافعي، شيخ العربية، وقدوة أرباب المعاني والبيان. أخذ عن والده النّحو، واللّغة، والمنطق، وسكن بعلبك مدّة، ثم رجع إلى دمشق، وتصدّر للإشغال بعد موت والده. وممن أخذ عنه القاضي بدر الدّين ابن جماعة، والشيخ كمال الدّين ابن الزّملكاني.
قال الذّهبي: كان إماما، ذكيا، فهما، حادّ الذّهن، إماما في النحو، إماما في علم المعاني والبيان، والنظر، جيد المشاركة في الفقه والأصول وغير ذلك. وكان عجبا في الذكاء والمناظرة وصحّة الفهم. وكان مطبوع العشرة، وفيه لعب ومزاح.
وقال الشيخ تاج الدّين: كان قد تفرّد بعلم العربية، خصوصا معرفة كلام والده. وكان له مشاركات في العلوم، وكان صحيح الذهن، جيد الإدراك، حديد النّفس.
توفي بدمشق في المحرم من قولنج كان يعتريه كثيرا.
قال الذهبي: ولم يتكهل.
وقال غيره: توفي كهلا.
وقال ابن حبيب: توفي عن نيف وأربعين سنة، ودفن بباب الصغير.
ومن تصانيفه شرح «ألفية» والده، وهو شرح في غاية الحسن، و «المصباح في المعاني والبيان» وكتاب في العروض، وشرح غريب تصريف ابن الحاجب، وشرح «لامية» والده التي في الصّرف.
وفيها أبو صادق جمال الدّين محمد بن الشيخ الحافظ رشيد الدّين أبي الحسين يحيى بن علي القرشي المصري العطّار. سمع من محمد ابن عماد، وابن باقا، وطائفة. وكتب، وخرّج «الموافقات»، وتوفي في ربيع الآخر عن بضع وستين سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع