من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمانين وستمائة
فيها توفي الشيخ موفق الدّين الكواشي- بالفتح والتخفيف، نسبة إلى كواشة قلعة بالموصل- المفسّر العلّامة المقرئ المحقّق الزّاهد القدوة أبو العبّاس أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع بن حسين الشّيبانيّ الموصليّ الشافعي.
ولد بكواشة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، واشتغل، فبرع في القراءات، والتفسير، والعربية، والفضائل. وقدم دمشق فأخذ عن السّخاوي وغيره، وحجّ، وزار بيت المقدس، ورجع إلى بلده وتعبّد.
قال الذهبيّ: كان منقطع القرين، عديم النّظير، زهدا، وصلاحا، وتبتّلا، وصدقا، واجتهادا. كان يزوره السلطان فمن دونه، ولا يعبأ بهم، ولا يقوم لهم، ويتبرّم بهم، ولا يقبل لهم شيئا. وله كشف وكرامات، وأضرّ قبل موته بنحو من عشر سنين، وصنّف «التفسير» الكبير والصغير، وأخذ عنه القراءات محمد بن علي بن خروف الموصلي وغيره.
وتوفي في سابع عشر جمادى الآخرة.
وفيها جيعانة إبراهيم بن سعيد الشّاغوري المولّه. مات في جمادى الأولى، وكان من أبناء السّبعين على قاعدة المولّهين من عدم التعبّد بصلاة أو صيام أو طهارة، وللعامة فيه اعتقاد يتجاوز الوصف لما يرون من كشفه وكلامه على الخواطر. وقد شاركه في ذلك الكّاهن، والرّاهب، والمصروع، فانتفت الولاية. قاله في «العبر».
وفيها أبغا ملك التّتار وابن ملكهم هولاكو بن قاآن بن جنكزخان. مات بنواحي همذان بين العيدين وله نحو خمسين سنة.
وفيها الحاج عزّ الدّين أزدمر الجمدار الذي ولي نيابة السلطنة بدمشق لسنقر الأشقر. كان ذا معرفة وفضيلة، وعنده مكارم كثيرة. استشهد على حمص مقبلا غير مدبر، وله بضع وخمسون سنة.
وفيها الكمال أبو محمد عبد الرّحيم بن عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصّالح. سمع من ابن طبرزد، والكندي، وعدة.
وتوفي في عاشر جمادى الأولى.
وفيها المجد بن الخليل عبد العزيز بن الحسين الدّاري والد الصّاحب فخر الدّين. سمع من أبي الحسين بن جبير الكتّاني، والفتح بن عبد السّلام، وطائفة. وكان رئيسا، ديّنا، خيّرا.
توفي بدمشق في ربيع الآخر عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها وليّ الدّين الزّاهد أبو الحسن علي بن أحمد بن بدر الجزريّ الشّافعي الفقيه، نزيل بيت لهيا. كان صاحب حال وكشف وعبادة وتبتّل.
توفي في شوال وقد قارب الستين.
وفيها أبو الحسن علي بن محمود بن حسن بن نبهان، المنجّم الأديب. عاش خمسا وثمانين سنة، وروى عن ابن طبرزد، والكندي. تركه بعض العلماء لأجل التّنجيم.
وفيها ابن بنت الأعزّ، قاضي القضاة، صدر الدّين عمر ابن قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهاب بن خلف الشّافعي العلامي المصري.
ولد سنة خمس وعشرين وستمائة، وسمع من الزّكي المنذري، والرّشيد العطّار، وولي قضاء الدّيار المصرية في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين، وعزل سنة تسع في رمضان، وقيل: إنه عزل نفسه، واقتصر على تدريس الصّالحية.
قال الذهبيّ: كان فقيها، عارفا بالمذهب، يسلك طريقة والده في التحرّي والصّلابة. وكان فيه دين وتعبد، ولديه فضائل. وكان عظيم الهيبة، وافر الجلالة، عديم المزاح، بارّا بالفقهاء، مؤثرا، متصدقا. وكان والده يحترمه ويتبرّك به. درّس بأماكن، وتوفي يوم عاشوراء.
وفيها الأمين الإربلي العدل أبو محمد القاسم بن أبي بكر ابن القاسم بن غنيمة. رحل مع أبيه، وله بضع عشرة سنة، فذكر- وهو صدوق- أنه سمع جميع «صحيح مسلم» من المؤيّد الطّوسي، ورواه بدمشق، فسمعه منه الكبار، وتوفي في جمادى الأولى وله خمس وثمانون سنة.
وفيها ابن سني الدولة، قاضي القضاة، نجم الدّين محمد ابن قاضي القضاة صدر الدّين أحمد بن قاضي القضاة شمس الدّين يحيى الدمشقي الشافعي.
ولد سنة ست عشرة وستمائة، واشتغل وتقدّم، وناب عن والده، ثم ولي قضاء حلب، ثم ولي قضاء دمشق، ثم عزل بعد سنة بابن خلّكان، ثم سكن مصر مدّة وصودر وتعب، ثم ولي قضاء حلب، ودرّس بالأمينية وغيرها.
وكان يعدّ من كبار الفقهاء العارفين بالمذهب، مع الهيبة والتّحرّي، موصوفا بجودة النّقل، مشهورا بالصّرامة والهمّة العالية. حدّث عن أبي القاسم بن صصرى وغيره، وتوفي في ثامن المحرّم ودفن بقاسيون.
وفيها شمس الدّين محمد بن مكتوم البعليّ الفاضل الأديب، توفي شهيدا في وقعة حمص.
ومن شعره:
رام أن يترك الهوى فبدا لهإذ رأى حسن وجهه قد بدا له
كلّما لمته على الحبّ يزداد ضلالا فخلّه وضلاله
كيف يرجى الشّفاء يوما لصبّلم يحاك السّقام إلّا خياله
ناقص صبره كثير بكاهلو رآه عدوّه لرثى له
دنف ظلّه مستهاما ببدرعمّه الوجد حين عاين خاله
أنا صب له وإن حال عنّيوعبيد له على كلّ حاله
فاق كلّ الورى جمالا وحسناضاعف الله حسنه وجماله
وفيها ابن المجبّر الكتبيّ شرف الدّين محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي.
ولد سنة عشر وستمائة، وسمع من أبي القاسم بن صصرى وطائفة، ورحل وأكثر عن الأنجب الحمّامي وطبقته، وكتب الكثير بالخطّ الحسن، ولكنه لم يكن ثقة في نقله.
توفي في ذي القعدة، ولم يكن عليه أنس [أهل] الحديث، الله يسامحه. قاله الذّهبي.
وفيها ابن رزين قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدّين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن موسى العامريّ الحمويّ الشافعي.
ولد سنة ثلاث وستمائة في شعبان بحماة، واشتغل من الصّغر، فحفظ «التنبيه» في صغره، ثم حفظ «الوسيط» و «المفضّل» و «المستصفى» للغزّالي، إلى غير ذلك. وبرع في الفقه، والعربية، والأصول، وشارك في الخلاف، والمنطق، والكلام، والحديث وفنون العلم. وأفتى وله ثمان عشرة سنة.
وقدم دمشق، فلازم ابن الصّلاح، وقرأ القراءات على السّخاوي، وسمع منهما ومن غيرهما. وأخذ العربية عن ابن يعيش. وكان يفتي بدمشق في أيام ابن الصّلاح، ويؤمّ بدار الحديث، ثم ولي وكالة بيت المال في أيام النّاصر، مع تدريس الشّامية. ثم تحوّل من هولاكو إلى مصر، واشتغل، ودرّس بالظّاهرية، ثم ولي قضاء القضاة فلم يأخذ عليه رزقا تديّنا وورعا، ودرّس بالشّافعي وامتنع من أخذ الجامكيّة، وولي عدّة جهات، وظهرت فضائله الباهرة، وتفقه به عدّة أئمة، وانتفعوا بعلمه، وهديه، وسمته، وورعه، [وممن تخرّج به بدر الدّين بن جماعة. وحدّث عنه الدّمياطيّ والمصريّون، وكان يقصد بالفتاوى من النّواحي].
وممن نقل عنه الإمام النّووي، وتوفي- رحمه الله تعالى- بالقاهرة في ثالث رجب.
وفيها الجمال بن الصّابوني الحافظ أبو حامد محمد بن علي بن محمود، شيخ دار الحديث النّورية.
ولد سنة أربع وستمائة، وسمع من أبي القاسم بن الحرستاني وخلق كثير، وكتب العالي والنّازل، وبالغ، وحصّل الأصول، وجمع، وصنّف، واختلط قبل موته بسنة أو أكثر، وتوفي في نصف ذي القعدة.
وفيها ابن أبي الدّنيّة مسند العراق، شهاب الدّين، أبو سعد، محمد ابن يعقوب بن أبي الفرج البغدادي.
ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع من أبي الفتح المندائي، وضياء بن الخريف، والكبار. وأجاز له ذاكر بن كامل، وابن كليب.
وولي مشيخة المستنصرية إلى أن توفي في ثامن عشر رجب.
وفيها ابن علّان القاضي الجليل شمس الدّين، أبو الغنائم، المسلم بن محمد بن المسلم بن مكّي بن خلف القيسي الدمشقي.
ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير من حنبل، وابن طبرزد، وابن مندويه، وغيرهم. وأجاز له الخشوعي وجماعة. وكان من سروات النّاس. توفي في ذي الحجّة.
وفيها البدر يوسف بن لؤلؤ، الشّاعر المشهور.
قال الذهبيّ: كان من كبار شعراء الدولة النّاصرية، ومن الأدباء الظّراف.
من شعره- وقد تكاثرت الأمطار بدمشق-:
إن ألحّ الغيث شهرا هكذاجاء بالطّوفان والبحر المحيط
ما هم من قوم نوح يا سماأقلعي [عنهم] فهم من قوم لوط
وكتب إلى ابن إسرائيل وكان يهوى غلاما اسمه جارح:
قلبك اليوم طائرعنك أم في الجوانح
كيف يرجى خلاصهوهو في كفّ جارح
ثم بلغه أنه تركه، فقال:
خلّصت طائر قلبك العاني ترىمن جارح يغدو به ويروح
ولقد يسرّ خلاصه إن كنت قدخلّصته منه وفيه روح
توفي في شعبان، وقد نيّف على سبعين سنة.
وفيها المزّيّ الفقيه، شمس الدّين أبو بكر بن عمر بن يونس الحنفي. روى «البخاري» عن ابن مندويه، والعطّار، و «مسلما» عن ابن الحرستاني، وعاش سبعا وثمانين سنة، وتوفي في شعبان، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع