تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وسبعين وستمائة

في آخرها نزل السّلطان الملك الكامل سنقر الأشقر إلى الشّام غازيا، فنزل قريبا من عكّا، فخضع له أهلها، وراسلوه في الهدنة، وجاء إلى خدمته عيسى بن مهنّا، فصفح عنه وأكرمه.

وفيها توفي ضياء الدّين أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمود بن رفيعا الجدري، بفتح الجيم والدال المهملة وراء، نسبة إلى جدرة حيّ من الأزد - المقرئ الفرضي الحنبلي، نزيل الموصل.

قرأ بالسبع على علي بن مفلح البغدادي نزيل الموصل، وسمع الحديث من جماعة، وصنّف تصانيف في القراءات وغيرها، ونظم في القراءات والفرائض قصيدة معروفة لامية، وكان شيخ القرّاء بالموصل، قرأ عليه ابن خروف الموصلي الحنبلي وأكثر عنه، وسمع منه «الأحكام» للشيخ مجد الدّين بن تيميّة، وأجاز لعبد الصّمد بن أبي الجيش غير مرّة، وتوفي سادس جمادى الآخرة.

وفيها تقيّ الدّين أبو محمد عبد الساتر بن عبد الحميد بن محمد بن أبي بكر الحنبلي. سمع من موسى بن عبد القادر، وابن

الزّبيدي، والشيخ الموفق، وبه تفقه في مذهب أحمد. ومهر في المذهب، وعني به، وبالسّنّة وجمع فيها، وناظر الخصوم وكفّرهم، وكان صاحب حزبية وتحرّق على الأشعرية، فرموه بالتجسيم.

قال الذهبي: ورأيت له مصنّفا في الصّفات، فلم أر به بأسا. قال: وكان متأيدا للحنابلة، وفيه شراسة أخلاق، مع صلاح ودين يابس.

توفي في ثامن شعبان عن نيّف وسبعين سنة.

وفيها الفقيه شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن داود بن إلياس البعلي الحنبلي.

ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسمع من الشيخ موفق الدّين، وابن البنّ وطائفة. وخدم الشيخ الفقيه اليونيني مدة.

قال القطب ابن اليونيني: سمع من حنبل، والكندي، وابن الزّبيدي، ورحل إلى لبلاد للسماع، وخدم والدي، وقرأ عليه القرآن، واشتغل عليه، وحفظ «المقنع» وعرف الفرائض. وكان ذا ديانة وافرة، وصدق، وأمانة، وتحرّ في شهاداته وأقواله. وحدّث بمسموعاته، وتوفي في حادي عشري رمضان، ودفن بظاهر بعلبك.

وفيها ابن النّنّ- بنونات - الفقيه شمس الدّين محمد بن عبد الله بن محمد البغدادي الشافعي في رجب، بالإسكندرية، وله ثمانون

سنة. سمع من عبد العزيز بن منينا، وسليمان الموصلي، وجماعة. وكان ثقة، متيقظا. قاله في «العبر».

وفيها الجزّار الأديب، جمال الدّين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم المصري، الأديب الفاضل. كان جزّارا، ثم استرزق بالمدح، وشاع شعره في البلاد، وتناقلته الرّواة. وكان كثير التّبذير، لا تكاد خلّته تنسدّ، وكان مسرفا على نفسه، سامحه الله تعالى.

ومن شعره:

عاقبتني بالصّد من غير جرمومحا هجرها بقية رسمي
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «عاقبتني بالصد من غير جرم»
وشكوت الجوى إلى ريقها العذب فجارت ظلما بمنع لظلم
أنا حكّمتها فجارت وشرع الحبّ يقضي أني أحكّم خصمي
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «عاقبتني بالصد من غير جرم»

ومنها في المديح:

يا أميرا يرجّى ويخشى لبأسونوال في يوم حرب وسلم
أنت موسى وقد تفرّ عن ذا الخطب ففرّقه من نداك بيمّ
لي من حرفة الجزارة والآداب فقر يكاد ينسيني اسمي

وله:

أكلّف نفسي كلّ يوم وليلةهموما على من لا أفوز بخيره
كما سوّد القصّار في الشّمس وجههحريصا على تبييض أثواب غيره

وكانت بينه وبين السّرّاج الورّاق مداعبة، فحصل للسرّاج رمد، فأهدى الجزّار له تفاحا وكمّثرى، وكتب مع ذلك:

أكافيك عن بعض الذي قد فعلتهلأنّ لمولانا عليّ حقوقا
بعثت خدودا مع نهود وأعيناولا غرو أن يجزي الصديق صديقا
وإن حال منك البعض عمّا عهدتهفما حال يوما عن ولاك وثوقا
بنفسج تلك العين صار شقائقاولؤلؤ ذاك الدّمع عاد عقيقا
وكم عاشق يشكو انقطاعك عند ماقطعت على اللّذّات منه طريقا
فلا عدمتك العاشقون فطالماأقمت لأوقات المسرّة سوقا

توفي في شوال وله ست وسبعون سنة أو نحوها، ودفن بالقرافة.

وفيها الشيخ يوسف الفقّاعيّ الزّاهد ابن نجاح بن موهوب. كان عبدا، صالحا، قانتا، كبير القدر، له أتباع ومريدون.

توفي في شوال، ودفن بزاويته بسفح قاسيون، وقد نيّف على الثمانين.

وفيها الفقيه المعمّر أبو بكر بن هلال بن عبّاد الحنفي عماد الدّين، معيد الشّبلية.

توفي في رجب عن مائة وأربعين سنة، وقد سمع في الكهولة من أبي القاسم بن صصرى وغيره.

وفيها النّجيب بن العود أبو القاسم بن حسين الحلّي الرّافضي المتكلم، شيخ الشيعة وعالمهم. سكن حلب مدّة فصفع بها لكونه سبّ الصحابة، ثم سكن جزّين إلى أن مات بها في نصف شعبان، وله نيف وتسعون سنة، وكان قد وقع في الهرم.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.