تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وسبعين وستمائة

فيها توفي أبو العبّاس أحمد بن أبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحدّاد الحنبلي.

ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وكان أبوه إماما بحلقة الحنابلة فمات وهذا صغير. وسمع سنة ستمائة من الكندي، وأجاز له خليل الرّارانيّ، وابن كليب، والبوصيري، وخلق. وعمّر، وروى الكثير، وكان خيّاطا ودلّالا، ثم قرّر بالرّباط النّاصري، وأضرّ بأخرة. وكان يحفظ القرآن العظيم. توفي يوم عاشوراء.

وفيها أحمد بن عبد المحسن الدّمياطي الواعظ، عرف بكتاكت.

كان له الشعر الحسن، فمنه:

اكشف البرقع عن شمس العقارواخل في ليلك مع شمس النّهار
وانهب العيش ودعه ينقضيغلطا ما بين هتك واستتار
إن تكن شيخ خلاعات الصّبافالبس الصّبوة في خلع العذار
وارض بالعار وقل قد لذّ ليفي هوى خمّار كاسي لبس عاري

توفي بمصر، ودفن بالقرافة.

وفيها القاضي صفيّ الدّين أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن يحيى الشّقراوي الحنبلي.

ولد بشقرا من ضياع زرع سنة خمس وستمائة، وسمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدّين، وأحمد بن طاووس، وجماعة. وتفقه وحدّث، وولي الحكم بزرع نيابة عن الشيخ شمس الدّين ابن أبي عمر، وكان فقيها، فاضلا، حسن الأخلاق.

قال الذهبي: كان رجلا، خيّرا، فقيها، حفظ النّوادر والأخبار، وولي قضاء زرع، وأعاد بمدرسته. وتوفي يوم السبت تاسع عشر ذي الحجّة ودفن بسفح قاسيون.

وفيها شيخ الشيوخ شرف الدّين أبو بكر عبد الله بن شيخ الشيوخ تاج الدّين عبد الله بن عمر بن حمّوية الجويني ثم الدمشقي الصّوفي.

ولد سنة ثمان وستمائة وروى عن أبي القاسم بن صصرى وجماعة، وتوفي في شوال.

وفيها ابن الأوحد الفقيه شمس الدّين عبد الله بن محمد بن

عبد الله بن علي القرشيّ الزّبيريّ. روى عن الافتخار الهاشمي، وكتب بديوان المارستان النّوري، وتوفي في شوال وله خمس وسبعون سنة.

وفيها الشيخ القدوة إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحضرمي، نسبة إلى حضرموت.

قال المناوي: قطب الدّين، الإمام الكبير، العارف الشهير، قدوة الفريقين وعمدة الطريقين، شيخ الشّافعية ومربي الصّوفية.

كان إماما من الأئمة مذكورا، وعلما من أعلام الولاية مشهورا. وهو من بيت مشهور بالصّلاح، مقصود لليمن والنّجاح، أعلامه للإرشاد منصوبة، وبركات أهله كالأهلّة مرقومة مرقوبة. وكان في بدايته يؤثر الخلوة، ثم تفقه، فبرع وفاق، وسبق الأقران والرّفاق. وله عدّة مؤلفات في عدّة فنون، تدلّ على تمكّنه، منها «شرح المهذّب» و «مختصر مسلم» و «مختصر بهجة المجالس» و «فتاوى» مفيدة. وكلام في التصوف، يدلّ على كمال معرفته. انتفع به جمع من الأعيان، وولي قضاء الأقضية فأنكر المنكرات وأقام مواسم الخيرات. ثم عزل نفسه. وكتب للسلطان في شقفة من خزف: يا يوسف كثر شاكوك وقلّ شاكروك، فإما عدلت وإما انفصلت. فغضب، فلم يلتفت إليه.

وله كرامات- قال المطري: كادت تبلغ التواتر-.

منها: أن ابن معطي قيل له في النّوم: اذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأ عليه النّحو، فلما انتبه تعجّب لكون الحضرميّ لا يحسنه، ثم قال: لا بدّ من الامتثال، فدخل عليه وعنده جمع يقرؤون الفقه، فبمجرد رؤياه، قال: أجزتك بكتب النّحو، فصار لا يطالع فيه شيئا إلّا عرفه بغير شيخ.

ومنها أنه قصد بلدة زبيد، فكادت الشّمس تغرب، وهو بعيد عنها، فخاف أن تغلق أبوابها، فأشار إلى الشّمس فوقفت، حتّى دخل المدينة.

وإليه أشار الإمام اليافعيّ بقوله:

هو الحضرمي نجل الوليّ محمدإمام الهدى نجل الإمام محمد
ومن جاهه أومأ إلى الشّمس أن قفيفلم تمش حتّى أنزلوه بمقعد

ومنها أنه زار مقبرة زبيد، فبكى كثيرا، ثم ضحك، فسئل، فقال:

كشف لي، فرأيتهم يعذّبون، فشفعت فيهم. فقالت صاحبة هذا القبر: وأنا معهم يا فقيه، قلت: من أنت؟ قالت: فلانة المغنيّة، فضحكت وقلت:

وأنت.

ومنها أن بعض الصّلحاء رأى المصطفى، ﷺ، فقال له: «من قبّل قدم الحضرميّ دخل الجنّة» فبلغ الحكميّ مفتي زبيد، فقصده ليقبّلها، فلما وقع بصره عليه، مدّ له رجليه. انتهى ملخصا.

وفيها الشيخ نجم الدّين بن الحكيم عبد الله بن محمد بن أبي الخير الحمويّ الصّوفي الفقير.

كان له زاوية بحماة ومريدون، وفيه تواضع وخدمة للفقراء، وأخلاق

حميدة. صحب الشيخ إسماعيل الكوراني، واتفق موته بدمشق، فدفن عنده بمقابر الصّوفية.

وفيها الشيخ عبد السّلام بن أحمد بن الشيخ القدوة غانم بن علي المقدسي الواعظ. أحد المبرّزين في الوعظ، والنّظم، والنّثر. توفي بالقاهرة في شوال.

وفيها فاطمة ابنة الملك المحسن أحمد بن السلطان صلاح الدّين.

ولدت سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسمعت من حنبل، وابن طبرزد.

وفيها السّلطان الملك السعيد ناصر الدّين أبو المعالي محمد بن الملك الظّاهر بيبرس.

ولد في حدود سنة ثمان وخمسين وستمائة، بظاهر القاهرة. وتملّك بعد أبيه سنة ست وسبعين في صفر، وكان شابا، مليحا، كريما، حسن الطّباع، فيه عدل، ولين، وإحسان، ومحبة للخير. خلعوه من الأمر، فأقام بالكرك أشهرا، ومات شبه الفجأة في نصف ذي القعدة بقلعة الكرك، ثم نقل بعد سنة ونصف إلى تربة والده، وتملّك بعده أخوه خضر.

وفيها ابن الصّيرفيّ، المفتي المعمّر، جمال الدّين أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع الحرّاني الحنبلي، ويعرف بابن الحبيشي.

سمع من عبد القادر الرّهاوي بحرّان، ومن ابن طبرزد ببغداد، ومن الكندي بدمشق، واشتغل على أبي بكر بن غنيمة، وأبي بكر العكبري، والشيخ الموفق. وكان إماما، عالما، متفننا، صاحب عبادة، وتهجد، وصفات حميدة. توفي في رابع صفر.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.