تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة سبع وسبعين وستمائة

فيها توفي الشّهاب بن الجزري أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عيسى الأنصاري الدمشقي.

وله أربع وستون سنة. روى عن ابن اللّتي، وابن المقيّر، وطبقتهما، وكتب الكثير، ورحل إلى ابن خليل فأكثر عنه، وكان يقرأ الحديث على كرسي الحائط الشمالي. توفي في جمادى الآخرة.

وفيها الفارقاني شمس الدّين آق سنقر الظّاهري، أستاذ دار الملك الظّاهر. جعله الملك السعيد نائبه فلم ترض خاصّة السعيد بذلك، ووثبوا على الفارقاني واعتقلوه، فلم يقدر السعيد على مخالفتهم، فقيل: إنهم خنقوه في جمادى الأولى.

وكان وسيما، جسيما، شجاعا، نبيلا، له خبرة ورأي، وفيه ديانة وإيثار، وعليه مهابة ووقار. مات في عشر الخمسين.

وفيها النّجيبيّ جمال الدّين آقوش النّجمي أستاذ دار الملك

الصّالح. ولي أيضا للملك الظّاهر استاداريته، ثم نيابة دمشق تسعة أعوام، وعزله بعزّ الدّين أيدمر، ثم بقي بالقاهرة مدّة بطالا، ولحقه فالج قبل موته بأربع سنين. وكان محبا للعلماء، كثير الصّدقة، لديه فضيلة وخبرة. عاش بضعا وستين سنة. وتوفي بربيع الآخر، وله بدمشق خانقاه، وخان، ومدرسة، ولم يخلّف ولدا.

وفيها قاضي القضاة صدر الدّين سليمان بن أبي العزّ بن وهيب الأذرعي، نسبة إلى أذرعات ناحية بالشام، ثم الدمشقي، شيخ الحنفية قاضي القضاة أبو الفضل. أحد من انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، وبقيّة أصحاب الشيخ جمال الدّين الحصيري. درّس بمصر مدّة، ثم قدم دمشق، فاتفق موت القاضي مجد الدّين ابن العديم، فقلّد بعده القضاء، فبقي فيه ثلاثة أشهر.

قال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام»: كان من كبار العلماء، وله تصانيف في مذهبه، وولي القضاء بالدّيار المصرية، والشامية، والبلاد الإسلامية، وأذن له في الحكم حيث حلّ من البلاد انتهى.

توفي في شعبان عن ثلاث ثمانين سنة ودفن بتربته بقاسيون.

وفيها كمال الدّين أبو محمد طه بن إبراهيم بن أبي بكر الإربلي الشّافعي.

قال الإسنويّ: كان فقيها، أديبا. ولد بإربل، وانتقل إلى مصر شابا، وانتفع به خلق كثير، وروى عنه جماعة، منهم: الدّمياطي، ومات بمصر في جمادى الأولى، وقد نيّف على الثمانين.

وفيها مجد الدّين أبو محمد عبد الله بن الحسين بن علي الكردي الإربلي الشافعي، والد شهاب الدّين بن المجد الذي تولى القضاء بدمشق. كان المجد المذكور عارفا بالمذهب، بصيرا به، خبيرا بعلم القراءات، خيّرا، ديّنا، متعبّدا، حسن السّمت والأخلاق. سمع وأسمع، ودرّس بالكلّاسة. وتوفي في ذي القعدة.

وفيها ابن العديم، الصّاحب، قاضي القضاة، مجد الدّين أبو المجد، عبد الرحمن بن الصّاحب كمال الدّين أبي القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة العقيلي الحلبي الحنفي. سمع حضورا من ثابت بن مشرّف، وسماعا من أبي محمد بن الأستاذ، وابن البنّ، وخلق كثير. وكان صدرا، مهيبا، وافر الحشمة، عالي الهمّة والرّتبة، عارفا بالمذهب والأدب، مبالغا في التجمّل والترفّع، مع دين تامّ، وتعبّد وصيانة، وتواضع للصّالحين.

توفي في ربيع الآخر عن أربع وستين سنة.

وفيها ابن حنّا، الوزير الأوحد، بهاء الدّين علي بن محمد بن سليم المصري الكاتب، أحد رجال الدّهر، حزما، ورأيا، وجلالة، ونبلا، وقياما

بأعباء الأمور، مع الدّين، والعفّة، والصّفات الحميدة، والأموال الكثيرة.

وكان لا يقبل لأحد هدية إلّا أن يكون من الفقراء والصلحاء للتبرّك، وكان من حسنات الزّمان، توزّر للملك الظّاهر ولولده السعيد، ورزق أولادا، ومات وهو جدّ جدّ، وبنى مدرسة بزقاق القناديل بمصر، وابتلي بفقد ولديه الصّدرين فخر الدّين ومحيي الدّين، فصبر وتجلّد. وكان يهشّ للمديح.

قال فيه الفارقي:

وقائل قال لي نبّه لها عمرافقلت: إن عليّا قد تنبّه لي
ما لي إذا كنت محتاجا إلى عمرمن حاجة فلينم حتّى انتباه علي

توفي في ذي القعدة وله أربع وسبعون سنة.

وفيها الحكيم الفاضل موفق الدّين عبد الله بن عمر، المعروف بالورن، الفاضل الأديب. له مشاركة في علوم كثيرة. وكان أكثر إقامته ببعلبك، وسافر إلى مصر فلم تطل مدته. أخذه قولنج فمات.

ومن شعره:

يذكّرني نشر الحمى بهبوبهزمانا عرفنا كلّ طيب بطيبه
ليال سرقناها من الدّهر خلسةوقد أمنت عيناي عين رقيبه
فمن لي بذاك العيش لو عاد وانقضىليسكن قلبي ساعة من وجيبه
ألا إنّ لي شوقا إلى ساكن الغضاأعيذ الغضا من حرّه ولهيبه

وفيها الظّهير العلّامة مجد الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر الإربلي الحنفي الأديب.

ولد سنة اثنتين وستمائة بإربل، وسمع من السّخاوي وطائفة بدمشق، ومن الكاشغري وغيره ببغداد، ودرّس بالقيمازيّة مدّة، وله «ديوان» مشهور ونظم رائق، مع الجلالة، والدّيانة التّامّة.

توفي في ربيع الآخر.

وفيها ابن إسرائيل الأديب البارع نجم الدّين محمد بن سوّار ابن إسرائيل بن خضر بن إسرائيل الدّمشقي الفقير، صاحب الحريري. روح المشاهد وريحانة المجامع. كان فقيرا، ظريفا، نظيفا، مليح النّظم، رائق المعاني، لولا ما شانه بالاتحاد تصريحا مرّة وتلويحا أخرى.

من نظمه، ما كتب به إلى النّجم الكحّال:

يا سيّد الحكماء هذي سنّةمثبوتة في الطّبّ أنت سننتها
أو كلّما كلّت سيوف جفون منسفكت لواحظه الدّماء سننتها

وقال في مليح ناوله تفّاحة:

لله تفّاحة وافى بها سكنيفسكّنت لهبا في القلب يستعر
كفأرة المسك وافاني الغزال بهاوغرّة النّجم حيّاني بها القمر
أتى بها قاتلي نحوي فهل أحدقبلي تمشّى إليه الغصن والثّمر

توفي في رابع عشر ربيع الآخر عن أربع وسبعين سنة وشهر، ودفن خارج باب توما عند قبر الشيخ رسلان.

وفيها ناصر الدّين أبو عبد الله محمد بن عربشاه بن أبي بكر بن أبي ناصر المحدّث الهمذاني ثم الدمشقي. روى عن ابن الزّبيدي، والمسلم المازني، وابن صباح، وكتب الكثير. وكان ثقة، صحيح النّقل.

توفي في جمادى الأولى. قاله في «العبر».

وفيها أبو المرجّى مؤمّل بن محمد بن علي البالسي ثم الدمشقي. روى عن الكندي، والخضر بن كامل، وجماعة. وتوفي في رجب.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.